لطالما اكتنف الغموض الحياة الجنسية للديكتاتور النازي هتلر وكذلك علاقته بالنساء، فكان محط كثير من التساؤلات، ومرمى للكثير من التخمينات والشائعات التي تتلاقى حينًا وتتعارض في أكثر الأحيان، فالبعض عزا بقاءه دون زواج لإعراضه عن النساء ووصل الأمر في بعض الأحيان إلى إثارة الشكوك حول توجهه الجنسي، فأشارت بعض التقارير إلى أنه كان مثلي الجنس، وأشارت أخرى إلى أنه كان ثنائي الجنس أو لا جنسي، بينما رأى البعض الآخر أنه أحب النساء وتمتع بحياة جنسية طبيعية، لكنه آثر إخفاءها حفاظًا على صورة الزعيم الأعزب المتفاني من أجل أمته والذي لا وقت لديه لحياة شخصية، كما رأى نفسه جذابًا بالنسبة للنساء، وهي مزية لم يرغب أن يفقدها.

وقد نشرت مجلة تايم الأمريكية مقتطفًا من حديث كارل كراوس -الذي أمضى خمس سنوات في خدمة هتلر وربما كان الأقرب إلى أدق تفاصيله اليومية في تلك الفترة- عن موقف الديكتاتور من النساء في الكتاب الذي شارك في كتابته «العيش مع هتلر»، مستشهدًا بما عاينه بنفسه من مواقف مختلفة خلال تلك الفترة.

وقبل نقل التقرير لشهادته قدم نبذة بسيطة عن كارل ويلهيلم كراوس الذي عمل خادمًا شخصيًا لهتلر  لمدة خمسة أعوام، ابتداءً من عام 1934، فصار بذلك شاهدًا على فترة رئيسية في صعود الديكتاتور النازي إلى السلطة، كما كان شاهدًا على تفضيلات ونواقص الرجل الذي وقف وراء الهولوكوست، وقد نشرت شهادته في ذلك الوقت بالألمانية، غير أن الكتاب الجديد «العيش مع هتلر» يستدعي ذكرياته ويجمعها بروايتين مماثلتين باللغة الإنجليزية، وكما يقول المؤرخ روجر مورهاوس عن كراوس الذي توفي عام 2001 في مقدمة الطبعة الجديدة للكتاب: «إنه ربما كان أقرب لسيده مما كان أي شخصٍ آخر، إذ كان يوقظه في الصباح، ويقدم له فطوره، وينظم له خزانته، ويرافقه أينما ذهب».

صورة لهتلر مع خادمه الخاص (كارل ويلهيلم كراوس) – نو تايم فور سايلنس

وفي السطور التالية مقتطف من شهادة كراوس عيانًا على ذلك الوقت كما نقلتها مجلة تايم:

كان يفتتن بالنساء.. فلماذا اختار أن يبقى أعزب؟

ما لم يهتم به هتلر هو النساء اللاتي انخرطن في السياسة، وفي حين قبل على
مضض بأن النساء قد حققن الكثير، إلا أنه بقي متشبثًا برأيه في أن السياسة
ينبغي أن تترك للرجال حصرًا.

ها هنا سؤال طرحه العديدون على أنفسهم: لماذا لم يتزوج هتلر؟ ما يمكنني قوله هنا، إن هتلر قطعًا لم يكره النساء، والدليل على ذلك، دعوته للعديد من الممثلات -في السنوات الأولى- لحضور العروض المسائية، وخلال أسفارنا كثيرًا ما بدا فجأة مفتونًا تمامًا، صائحًا: «يا إلهي، أليست هذه فتاة/امرأة جميلة؟»، ثم يستدير ناحيتي حيث أكون جالسًا وراءه، طالبًا مني التنحي جانبًا ليحظى برؤية غير مقيدة وليتمكن من متابعة السيدة بنظراته.

وفي أكثر الأحيان كان على كبير معاونيه بروكنر -إذا جذبت ناظريه فتاة بارعة الجمال في أي مكان- أن يعرف عنوانها،لتدعى السيدة بعد ذلك لتناول القهوة إما في برلين أو في ميونخ أو في أوبرسالزبورغ، ليتاح لهتلر الدردشة معها، كما انضم في مرات كثيرة خلال سنواته الأولى إلى تجمعات أعضاء «رفقة الفنانين الألمان – KDDK» بعد العروض في المسرح ودور الأوبرا.

أما الشائعات حول ليني ريفنستال ووينفريد فاغنر فلا تستند على أساس، بالطبع حظيت ليني ريفنستال باحترام هتلر، لكونها امرأة طموحة قامت بصناعة الأفلام أيام مؤتمرات الحزب والألعاب الأولمبية بالتزامٍ لافتٍ للنظر، وقال هتلر ذات مرة مشيرًا إليها: «لدى المرأة حساسية أكثر من الرجال تجاه هذه الأمور»، كما كان يوقر السيدة وينفريد لاعتبارها حاملة لإرث فاغنر، وبالرغم من كونهن قريبات بالطبع إلا أن الزواج لم يكن احتمالًا قائمًا على الإطلاق.

صورة تجمع أدولف هتلر والممثلة ليني ريفنستال

وكمثال على العلاقة الصريحة التي جمعت بين هتلر والسيدة وينفريد فاغنر، كنت حاضرًا ذات مرة في محادثة خاصة دارت بينهما، إذ ذكر هتلر حينها أنه يفكر في حل الحزب، عازيًا السبب في ذلك لوحدة الشعب الألماني، إذ لا ينبغي أن يكون هناك فرق بين من ينتمي إلى الحزب ومن لا ينتمي إليه، بل يجب أن يكونوا جميعًا على قدم المساواة، وقد تفاجأت السيدة وينفريد بسماع ذلك، وطلبت إليه أن يفكر فيما سيقوله لرفاق الحزب القدامى.

صورة تجمع أدولف هتلر بالسيدة وينفريد فاغنر

ما لم يهتم به هتلر هو النساء اللاتي انخرطن في السياسة، وفي حين قبل على مضض بأن النساء قد حققن الكثير، إلا أنه بقي متشبثًا برأيه في أن السياسة ينبغي أن تترك للرجال حصرًا، كما كان مبدؤه أن تأمين الحياة الأسرية الكريمة هو مسؤولية كل رجلٍ متزوج، وبهذا برر بقاءه أعزب؛ إذ لم يكن بمقدوره أبدًا أن يوفر تلك الحياة مع كم العمل الهائل الذي كان منوطًا به، فلو كان متزوجًا وله أولاد فعلًا، لما كان بمقدوره أن يقدم لزوجته وأولاده سوى عودته متأخرًا كل مساء، وحديثًا يتبادلونه حوله.

وقد أشار في بعض الأحيان إلى الدور الجيد الذي لعبته عزوبيته أثناء نشاطاته في زمن الحرب، لأن «موجة الحماسة التي تلقاها كان يأتي معظمها من النساء»، فقد آمن أنه ما كان ليحظى بكل ذلك الدعم لو كان متزوجًا، وقال في ذلك: «اعتمادًا على الفطرة وحدها، النساء أكثر ميلًا للانجذاب للرجل الأعزب».

إيفا براون.. هل أخفاها عن الأعين للحفاظ على صورة البطل الأعزب؟

لا أريد إنهاء هذا الموضوع دون الإشارة إلى المذكرات المزعومة لإيفا براون، وقبل ذلك اسمحوا لي بالقول إن تلك اليوميات بأكملها هي كذبة تامة بالنسبة إلي، وحتى ما يتوافق من تفاصيلها مع حقائق واقعية تمت زخرفته بخيالٍ جامح.

لقد عرفت إيفا براون حق المعرفة، عرفتها من منذ يومي الأول في خدمة هتلر، لا أريد أن أكون حَكَمًا عليها بأي شكل من الأشكال، فكل ما أقوله متحيز بلا شك، فلم نكن على وفاقٍ أبدًا، وخلال شتاء عام 1935 وقع شجار بيننا ومنذ ذلك الحين اقتصرت علاقتنا على قول مرحبًا أو إلى اللقاء إذا تقاطعت طرقنا.

في بداية الحرب أتت إيفا براون للإقامة في برلين مرتين أو ثلاثًا فقط، ولمدة لا تزيد عن يومٍ أو يومين في كل مرة، ولم يحدث أبدًا أن تواجدت في برلين مع هتلر في الوقت نفسه في الفترة ما بين عامي 1934 و1937، وقد قويت علاقتهما فقط بعد أن بدأت الحرب، ولم يزر والداها برلين أبدًا، وربما زارتها أخواتها مرة أو اثنتين، وقد عاشت في بيرغوف لبعض الوقت، وكانت صديقة حميمة لمارتن بورمان المدير الفعلي للمنزل، والذي عينها بعد ذلك مدبرة للمنزل وبذلك سُجلت في مكتب التوظيف بشكلٍ رسمي.

لم تزُر إيفا براون المقرات الرئيسية، كما لم تُدعَ إلى حفلات الاستقبال الرسمية، وفي المناسبات الخاصة كانت تحضر بصفتها زوجة هتلر، وكان يحييها بتقبيل يديها، كما كان يفعل مع غيرها من النساء، وكان يدعوها «إيفشن» تصغيرًا ل«إيفا»، وكانت بدورها ترفع الكلفة أثناء خطابه.

لا شك أن هتلر اعتبرها «عروسه»، لكنه لم يكن من النوع الغيور عليها، وبعد الانتقال الكامل إلى «البرغهوف» (المنزل الثاني لهتلر)، تم ربط غرفتيهما بباب يصل بينهما، وبالطبع كان يتحمل شخصيًا نفقات عيشها، ولعلي أضيف هنا أن حفظ السجلات المالية كان من اختصاص بروكنر، ولم يحمل هتلر محفظة أبدًا، بل كان يضع أمواله -التي تصل إلى 200 رايخ مارك- طليقة في جيبه، وكانت الرحلات الخاصة تمول على نفقاته الخاصة دائمًا.

هتلر يجلس بجوار إيفا براون .

وذات مرة عندما حُجز فندق «إمبيريال» بأكمله في فيينا بواسطة أعضاء الحزب، قدم مدير الفندق فاتورة قيمتها 29 ألف رايخ مارك، وهو مبلغ بدا كبيرًا في عيني بروكنر، لكن هتلر قال له ببساطة: «امضِ قدمًا وسدد الفاتورة، فلعل الرجل لديه ديون كبيرة».

وعندما أبدى هتلر رغبته في امتلاكِ منزل في برينزريجينتينستراسي في ميونخ، كان يعاني من نقص في الأموال، وفيما بعد مكنه نشر كتابه «كفاحي» في بلدان خارج ألمانيا من شراء المنزل.

لا دافع لدي لتبييض وجه هتلر، كما أنني أؤمن أن كل ما حدث تحت حكم الاشتراكيين القوميين قد أثقل كاهل شعبنا بما يكفي ليغنينا عن التورط في قصص غير حقيقية، ومهما كانت الحقيقة ينبغي أن تبقى كما هي، ومن أجل تاريخنا وأجيالنا القادمين، نحن ملزمون بنقل صورة صادقةٍ عمن كان هتلر وعما حدث في زمانه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد