738

كثيرًا ما نتحدث اليوم عن أحمرالشفاه وعن كريم الأساس والكحل لدرجة أصبح «المكياج» جزءًا مهمًا في بيئتنا، لا سيما لدى النساء – بالطبع ليس النساء فقط – في فرنسا مثلًا نجد 86% من النساء يضعن المكياج على الأقل مرة في الأسبوع.

ليست هذه الظاهرة حديثة! فآثار استعمال المكياج ظهرت قبل آلاف السنين، فمنذ القدم سمح تلوين الجسم – سواء للرجال أو النساء – بالحماية من أشعة الشمس والحشرات، وكذلك كان يستخدم لتمييز بعض الأشخاص عن بعض، وخلق تسلسل هرمي بين أفراد القبيلة.

كان طلاء الجسم يتكون من الأعشاب والتربة المسحوقة الممزوج بالماء، وبعد العديد من الأبحاث اتضح أن أول أثر مكتوب حول هذا الموضوع كان في الإنجيل؛ حيث يظهر أن وجود مستحضرات التجميل يعود إلى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد.

وفيما يلي سنتعرف على مراحل تطور المكياج عبر العصور والحضارات، كما جاءت في مقال نشره الموقع الناطق بالفرنسية «احكِ لي قصة»، ومقال آخر نشر في موقع فرنسي متخصص في المكياج وتاريخه وأنواعه:

1. المكياج عند المصريين

منذ القدم – ومن الناحية التاريخية – يتميز المصريون، لا سيما في العصور القديمة، بجمال ألوانهم ومقتنياتهم، كما يتميزون بالمقابر المزينة الجميلة التي استقرت فيها الآلهة والملوك، وبرسوم الرجال والنساء الذين يضعون المكياج بصورة متنوعة ومختلفة.

قبل حوالي 3 آلاف سنة من عصرنا كان المصريون يستعملون كل أشكال الزيوت المعطرة، وكانوا يزينون وجوههم وأجسامهم بواسطة العديد من الألوان، وخاصة اللون الأحمر للشفاه المصنوع من معدن أحمر، والكحل المصنوع من الإثمد (الكحل) أو من السناج (الشحار) الذي يوضع على الجفون العليا والرموش، كما كانوا يلونون الأظفار بالحناء.

كانت هذه الممارسة مخصصة في الأصل للكهنة خلال الاحتفالات، وكانت مستحضرات التجميل أكثر ارتباطًا بالوظائف العلاجية، التي تستخدم أيضًا من قبل الكهنة فقط. وهذا ما يؤكد أن ممارسة المكياج كانت تعتبر في المقام الأول أحد الطقوس الرمزية.

أما الألوان المستخدمة في الماكياج فقد كان لها معان رمزية أيضًا، خاصة في مصر القديمة؛ فاللون الأخضر والأسود كانا ألوان الماكياج الأساسية لفترة طويلة:

  • فالأخضر مثلًا هو لون الطبيعة، ولون الولادة الجديدة، أيضًا هو لون أوزيريس إلهة الأرض والنبات، حيث كانت ترسم دائمًا بوجه أخضر.
  • أما اللون الأسود فكان يمثل الطمي الأسود، وهو المادة الخصبة جدًا والتي تتولد عن نهر النيل. وفي الثقافة المصرية يرمز الطمي إلى الحياة، وإلى الولادة الجديدة، وإلى التجديد. كما أن الآلهة مثل حورس– إله السماء – كانت تمثل برأس صقر وعيون سوداء طويلة مثل القطرة، وهذه العيون السوداء هي رمز الوفرة والضوء والمعرفة.
  • بينما اللون الأصفر فقد كان يرمز إلى الذهب، وهو يرتبط بجسد الآلهة لذلك فهو يرمز إلى الخلود، كما يوضع على الأقنعة الجنائزية.

إن مكياج النساء المصريات كان في الغالب ذو هدف صحي، فمنذ أربعة آلاف سنة كان للمكياج الذي يستخدمه السكان المصرييون مزايا صحية في معالجة الأمراض والإصابات؛ فالنساء لم تكن تستعمل المكياج ببساطة لتجميل نفسها، أو لإغواء الآخرين، ولكن أيضًا من أجل أسباب طبية.

من جانب آخر، ساعد المكياج أيضًا على تحسين جمال المصريين والمصريات، مثل الفرعون رمسيس أو الملكة كليوباترا ، وشخصيات مهمة أخرى من ملوك و آلهة حية. بالإضافة إلى ذلك، كان هؤلاء الرجال والنساء يمارسون بالفعل كل طقوس التجميل والعناية بالجسم التي نستخدمها اليوم؛ فقد كانوا يستخدمون بعض المكونات – مثل طمي نهر النيل – كمواد تصبن، حيث يفركها الرجال والنساء على أجسامهم، من أجل قشر الجلد، ثم يدهنون أجسامهم بالزيت الذي عادة ما يكون معطرًا.

هذه التقنيات والمنتجات تحولت بسرعة إلى مساحيق وإلى أنواع أخرى من مستحضرات التجميل؛ الأمر الذي ساعد على تسويقها والمتاجرة بها في عدة بلاد ضمن آسيا الوسطى وشمال أفريقيا. أخيرًا يمكننا أن نستنتج أنه في ذلك الوقت كانت مستحضرات التجميل والمكياج تشكل شيئًا مهمًا بالنسبة للمصريين، وكانت تستخدم بطريقة رمزية فوق كل شيء، وأيضًا وقبل كل شيء بطريقة طبيعية جدًا.

لطالما كان هناك اعتقاد قوي بين المصريين، وغيرهم من سكان العالم القديم، أن المكياج على الشفاه يساعد في منع الشيطان من دخول جسم الفرد عن طريق الفم. وبنفس الطريقة كان الهدف من وضع الكحل على العيون هو الحماية من العين الشريرة. في الواقع كان المصريون يستخدمون الكحل على شكل دائرة حول عيونهم، ونحن نعلم بشكل علمي أكثر أن رسم دائرة معتمة حول العين يفيد في امتصاص أشعة الشمس، وبالتالي تقلل من الانعكاس داخل العين.

2. المكياج عند اليونان

عرف الناس منتجات المكياج في وقت لاحق وبشكل تدريجي، وذلك بفضل قوافل الحرير والتوابل التي وصلت إلى أوروبا.

ويمكن أن نميز بين ثلاث فترات:

  • بين القرنين الثاني عشر والثامن قبل الميلاد: كان المكياج محظورًا، ومع أن الناس كانوا يمارسون العناية بأجسامهم مثل الحمامات، ولكن يبقى استعمال مواد التجميل أمرًا غير مرغوب؛ ذلك لأنه يكسر الطبيعة والانسجام بين أعضاء الجسم.

ولكن مع ذلك كان الماكياج موجودًا، وكان مسحوق الرصاص الأبيض يستعمل لتبييض البشرة، كما كان البعض يسحق بعض حبات التوت (أو لب التين) على الخدين؛ لتصبح بشرته وردية. أيضًا كان من الممكن تلطيخ الجفون بالزعفران أو بالرماد، والرموش والحواجب يتم جعلها سوداء. وعلاوة على ذلك كان من أهم أشكال الموضة جمع الحاجبين مثل حواجب إيمانويل شين.

  • بين القرن الخامس والرابع قبل الميلاد: كان يجب على المرأة أن تكون شاحبة اللون، ولكن من غير تلوين. نعم لم يعد المكياج ممنوعًا كما في العصر الماضي، ولكن من تقوم بذلك فإنها لن تحظى بتقدير المجتمع؛ لأن الماكياج كان مرتبطًا ببائعات الهوى اللواتي يضعن المكياج بهدف جذب عيون الرجال.

كان المجتمع ينظر إلى الماكياج على أنه عملية مضللة، بل هو جمال كاذب، ولقد استخدم أريستوفان مصطلح «كاتابلاتين» للحديث عن المكياج المفرط؛ مثل: إنها سميكة جدًا مثل الجص. وأخيرًا تحول إلى مصطلح «الكمادة».

  • بعد القرن الثالث قبل الميلاد: حصل تساهل في قضية المكياج، وصار المجتمع أكثر تسامحًا. واستخدمت مواد لجعل الخدود وردية. كما تم تكحيل العيون بالكحل والبخور. أما الرجال فلم يكونوا يستعملون المكياج.

3. المكياج عند الرومان

إحدى الشخصيات التاريخية المهمة درس عدة مظاهر للمكياج. فقد قام أوفيد – وهو شاعر إيطالي درس في روما – بكتابة وثيقة في القرن الرابع قبل الميلاد حول التغنّج أو ما يعرف اليوم بـمستحضرات التجميل، وقد عرض فيها العديد من النصائح، بالإضافة إلى العديد من الوصفات من أجل التجميل، وذلك للنساء في ذلك العصر، ومما قاله: «لا تدع حبيبك يتفاجأ بشكلك بفضل علب التجميل الموجودة على الطاولة: فالفن لا يجمل الشكل، إذا لم يكن هو جميلًا».

إن عالم الموضة موجود دائمًا، ولكنه يتغير، وتبقى أعداد كبيرة من النساء تتبعه. في هذا العصر – أي في القرن الأول – كان السائد في عالم الموضة أن يكون لون الجلد شاحبًا بشدة، وذلك باستعمال الرصاص الأبيض والكلس، كما تميزت النساء بأعين مكحلة، بالإضافة إلى اللون الأحمر، وخاصة على الشفتين.

وقد استمرت رمزية هذه الممارسة للبشرة الشاحبة لعقود طويلة في العديد من الحضارات من أجل مفهوم أن اللون الأبيض يشير إلى الثروة، على عكس اللون البرونزي الذي يشير إلى الفلاحين الذين يعملون في الحقول.

4. مكياج القبائل

وفقًا للكثير من الدراسات، فإن العديد من المجموعات العرقية في أفريقيا، مثل: الكونغو، وإثيوبيا، ومدغشقر، لم تكن تتقبل لون بشرتها، وذلك منذ فترة زمنية بعيدة. وكلنا يعرف الرسوم الغريبة التي يستخدمها هؤلاء الرجال والنساء لتلوين الجلد والوجه، والتي لازالت حتى يومنا هذا. وبالإضافة إلى المفهوم التقليدي لهذه الرسومات والرموز، فإن مكياجهم يهدف أكثر إلى إخفاء اللون الأسود لبشرتهم.

تعيش قبائل الأومو عند سفح نهر أومو المتاخم لإثيوبيا والسودان وكينيا في الوادي المتصدع الكبير. إنها منطقة بركانية واسعة، توفر مجموعة كبيرة من الصبغيات، مثل الطينة الحمراء (المغرة الحمراء)، والبيضاء (الكاولين الأبيض) واللون الأخضر النحاسي والأصفر المشرق أو الرمادي… هؤلاء الناس هم عباقرة الرسم على الجسم.

إن أجسامهم التي يصل طولها إلى مترين تحولت إلى لوحة واسعة من النقوش! إنهم يرسمون بأيد عارية، بل بأطراف الأصابع. وعادة ما يتزينون بقصد الإغواء، وحتى يكونوا أجمل. إنه فن حر وسريع الزوال ومجاني، وذلك بالنظر إلى الكميات الهائلة المتوفرة لكل هذه الأصباغ والمكونات الطبيعية التي يستخدمونها للتزيين.

إنهم يلونون أجسامهم وشعورهم منذ سن مبكرة جدًا، وذلك بواسطة هذه المنتجات الطبيعية التي يجدونها في الطبيعة. وغالبًا ما يستعملون إلى جانب رسوماتهم بعض النباتات أو قطع من الخشب أو بعض الأوراق لتزيين الجسم والرأس.

5. المكياج في العصور الوسطى

بعض الوعاظ في العصور الوسطى كانوا يعتبرون المكياج سلاح الشيطان الذي يهدف إلى تفريق الأزواج. من ناحية أخرى كان ينظر للمكياج وكأنه علامة على التكبر، وبالتالي فمن يضع المكياج يرتكب خطيئة أمام الله؛ لأن المكياج يعطي مظهرًا مختلفًا وخداعًا عن المظهر الذي أعطاه الخالق للإنسان.

بالنسبة لهؤلاء الوعاظ كان المكياج يعتبر شيئًا شيطانيًا، وكأنه ذريعة وحيلة تخفي وارءها الرائحة الكريهة الحقيقية، وكذلك خبائث النفس والجسد، إنها تقود الإنسان نحو الفجور. ومع ذلك سُمح بلون واحد، وهو اللون الأحمر؛ وذلك لأنه يدل على الحياء.

يعتقد تيرتوليان– أحد كتاب اللغة اللاتينية – وحسب ما ورد في سفر أخنوخ أيضًا أن المكياج والعناية بالجسم هي من الأمور التي تعلمتها البشرية من الملائكة الساقطة! أما في القرن الرابع عشر فقد أباح القديس جاك دو لا مارش المكياج، ولكن للنساء القبيحات فقط.

في مكان آخر وتحت حكم سلالة تانغ – بين القرنين السادس والتاسع – كان النساء الصينيات يستخدمن المكياج، وكان لديهن خدود وردية جدًا، وشفاه حمراء اللون، كما كن يحلقن حواجبهن، ويُعدن رسمها على الجبين.

6. تطور المكياج عبر القرون

ما لا نعرفه هو أن العديد من النساء – في عصر النهضة – استخدمن عدة تقنيات لتحسين وجوههن وشعورهن، وكانت الموضة وقتها تهتم بأن يكون لدى هؤلاء النساء شعر ذهبي. لهذا كانت النساء تلف الشعر بمزيج من الليمون والزعفران، ثم يعرضنه لأشعة الشمس؛ حتى يصبح اللون ذهبيًا. بالإضافة إلى ذلك كان المثل الأعلى للجمال هو الحصول على بشرة بيضاء للغاية (كأنها شاحبة)، في حين كانت الخدود والشفاه والأظافر حمراء، ولهذا كانت المرأة تستخدم الصباغ القرمزي، وخاصة بالنسبة للشفاه.

كان الصليبيون (الحجاج في العصور الوسطى) هم الذين أحضروا المكياج إلى أوروبا، وذلك حوالي القرن الثاني عشر، أو نحو ذلك. أما قبل ذلك الوقت فقد كانت مستحضرات التجميل والمكياج حكرًا على النبلاء في الغالب، ولم يصبح المكياج منتشرًا بين جميع الطبقات الاجتماعية، إلا بحلول القرن السابع عشر بالضبط.

من الملفت للنظر أن صور كاترين دي ميديسي تظهر دومًا ببشرة بيضاء جدًا، في الواقع ليس هذا غريبًا؛ فمنذ نهاية القرن الخامس عشر كانت النساء تستعمل موادًا معينة لتبييض الوجه والصدر، بالإضافة إلى الرقبة؛ وذلك حتى يكون اللون الأبيض متصلًا. أيضًا كان الرجال يضعون مسحوق التبييض على وجوههم.

كتب بوسك في عام 1646م: «إننا ننفق الكثير من الوقت على العناية بالجسم بصورة مفرطة تجعل من هذا الموضوع سلوكًا مذمومًا، أما لو كان هناك اعتدال، فلا أعتقد أن هناك مشكلة في تزيين الوجه وتلميعه ووضع الأحجار الكريمة».

كان الرجال أيضًا يتزينون ويصبغون، وكانت الموضة وقتها أن تكون البشرة فاتحة جدًا لدرجة يبدو فيها الرجال وكأنهم جثث، أما الفتيات فكن يسرن في الطرقات وهن يحملن المظلات ويضعن لواصق تجميلية على وجوههن. هل تعلم أن لهذه اللاصقات التجميلية أسماء مختلفة حسب المكان الذي توضع فيه على الوجه؟ «الأكثر عظمة» على الجبين، «النبيل» على الخد، «المدلل» بالقرب من الفم.

بعد قرن من الزمن كان النبلاء يستخدمون الأساس ويصبغون الشعر ويستعملون العطور، وعلى سبيل المثال: نعرف جميعًا الرجال والنساء الذين عاشوا خلال القرن الثامن عشر، كيف كانوا يضعون «الباروكات» الطويلة، ويستخدمون مساحيق تجعل بشرتهم شاحبة!

وكانت النساء في القرن الثامن عشر يسرفن في استعمال اللون الأحمر، وفي كثير من الأحيان كن ينمن وهن مخضبات. مع وصول ماري أنطوانيت ستتلاشى موضة المكياج؛ لأنها كانت تفضل الحفاظ على بشرة طبيعية، واستمر ذلك حتى عصر نابليون، حيث قال لصديقته جوزيفين: «إن المرأة التي تضع أحمر الشفاه تبدو وكأنها جثة!».

من المفيد أن نعلم أنه في ذلك الوقت، وحتى القرن التاسع عشر، كانت المنتجات المستخدمة شديدة السمية؛ لأنها تحتوي على الرصاص والزئبق. ولم نلمس العودة إلى المكياج الطبيعي، إلا في القرن التاسع عشر، حيث تم حظر تلك المستحضرات نهائيًا في عام 1913.

لقد كان للتقدم العلمي والصناعي أهمية كبيرة في تطور مستحضرات التجميل، وخاصة في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، كما حصلت تغييرات كبيرة مثل ظاهرة تركيب العطور أو العطور المصنعة. وأصبح العطر التقليدي يصنع بواسطة عمليات إبداعية، وأقل تكلفة، وباستخدام مركبات جديدة، مثل المواد الخافضة للتوتر السطحي التي تعمل على تعديل التوتر السطحي بين سطحين، عن طريق استخدام المواد الحافظة.

لهذا السبب نفهم أن المكياج الذي نستخدمه اليوم ليس جديدًا! إلا أن المكونات والألوان، وكذلك العلامات التجارية أصبحت اليوم أكثر تنوعًا، ولمعرفة المزيد يمكن مطالعة كتاب (تاريخ المكياج: من المصريين وحتى يومنا) فهو جميل ومفيد في هذا الموضوع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك