الأفلام التي تؤدي النساء دور البطولة فيها تكرر صور القوة المبتذلة نفسها.

كتب نواه بيرلاتسكي، كاتب حر من شيكاجو، مقالًا نشرته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية حول الصورة التي تظهر عليها النساء في هوليوود، ويرى أنها في أغلبها صورٌ نمطية حول البراءة التي تتمتع بها الإناث البيضاوات، والتهديد الذي يمثله الذكور السود وذوي البشرة البنية، ويخلُص إلى أن هذه الروايات استخدمت استخدامًا سيئًا لتبرير الإعدام خارج نطاق القانون والعنف العنصري ضد السود.

وفي بداية مقاله يرى الكاتب أن فيلم روج (Rogue)، الذي طُرِح رقميًّا في الولايات المتحدة في أغسطس (آب) الماضي، وهو فيلم من أفلام الحركة، ويحكي قصة هجوم لبؤة على أبطال الفيلم، عبارة عن فيلم من أفلام الدرجة الثانية منخفضة الميزانية، مع مساعدة كبيرة من جانب فتاة قوية لها زئير كزئير الأسد. إنها رواية ليست متقنة أو مدروسة على نحو خاص، ولكن لهذا السبب بالتحديد يُعد الفيلم صريحًا صراحةً غير عادية فيما يتعلق بالكيفية التي ترى هوليوود من خلالها تمكين النساء.

وتلعب الممثلة ميجان فوكس دور قائدة مشاكسة لفريقٍ من المرتزقة، وتُقدَّم للمشاهدين باعتبارها شخصية أنثوية قوية؛ لأنها تسافر إلى الخارج، وتطلق النار على مجموعة من السود، وذوي البشرة البنية، تمامًا كما يفعل الرجال. وهنا يمكنا أن نرى بوضوح النسوية و الكولونيالية (الاستعمارية الغربية) في هذا فيلم متشابكتان أيديولوجيًّا. وعندما تؤدي المرأة دور البطولة في رواية فيلم حركة كهذا؛ فإن هذا يعني أنها مُخلِّص أبيض البشرة، أو أنها شخص أبيض قوي مثل طرزان، أو أنها كلاهما معًا على نحو مثالي.

المرأة

منذ سنة واحدة
لا للواقي الذكري ونعم لإبادة الرجال.. أكثر الأفكار النسوية إثارة للجدل

تلعب ميجان فوكس دور سام، قائدة لمجموعة من المرتزقة المُكلَّفة بإنقاذ أسيليا (جيسيكا ساتون). وقد خُطِفت أسيليا على يد مجموعة من مهربي البشر الذين يأملون في استخدامها لممارسة الضغط على والدها، وهو حاكم المنطقة. وبعد أن فشلت الخطة جزئيًّا لأن سام قررت إنقاذ فتاتين أخريين تتعرضان لعملية اتجار أيضًا، لجأ الفريق إلى مزرعة مهجورة للأسود. ويتعين على سام محاربة المهربين الإرهابيين وأنثى أسد مارقة، ومقاومة التحديات لسلطتها سعيًا منها طيلة الوقت لإثبات أن «الإناث يُجِدْن القتل».

ميجان فوكس والنسوية والتحيز الجنسي

ولفت الكاتب إلى أن ميجان فوكس كانت قد تحدثت، مثل عديد من نساء هوليوود، في السنوات الأخيرة عن التحيز الجنسي وكراهية النساء في صناعة السينما. وفي دور كومبارس بصفتها طفلة تبلغ من العمر 15 عامًا في فيلم فتيان أشقياء 2 (Bad Boys II)، طُلِب منها أن ترتدي البكيني وحذاءً يبلغ ارتفاع كعبه ست بوصات. ولاحقًا، وفي سلسلة أفلام المتحولون (Transformers)، رفض المخرج مايكل باي تقديم أي توجيهات لها بشأن تمثيل دورها باستثناء قوله: «كوني مثيرة جنسيًّا فقط».

ويبدو أن الهدف جزئيًّا من فيلم روج، الذي أخرجته المخرجة إم جي باسيت، هو الرد على الطريقة التي حطَّ بها المخرجون الذكور من شأن ميجان فوكس في الماضي. إنها تقضي الفيلم بأكمله مرتديةً ملابس قتالية كاملة ولا يوجد أدنى تلميح عن حبكة فرعية رومانسية. وعلى عكس رؤية المخرج باي، فهي ليست مجرد نوع من الزينة الفارغة، بل هي قديرة ورائعة ومعتمدة على نفسها، وبطلة الفيلم بلا منازع.

وسام ليست مجرد بطلة لأنها انطوائية قليلة الكلام. إنها أيضًا بطلة لأنها تنقذ النساء البيض من الأفارقة الخطرين الذين يهددونهن بالتعذيب وبعنف جنسي لا دليل عليه ولكن لا شك أنه سيحدث.

براءة الإناث البيضاوات وتهديد الذكور السود

باختصار، يقدم الفيلم بوضوح الصور النمطية الثقافية حول براءة الإناث البيضاوات وتهديد الذكور السود وذوي البشرة البنية لهن. واستُخدِمت هذه الروايات استخدامًا سيئًا لتبرير الإعدام خارج نطاق القانون والعنف العنصري ضد السود والذي تجلى في المجتمع الامريكي خاصة في قضية مثل مقتل إيميت تيل البالغ من العمر 14 عامًا، والذي اتُّهم زورًا بالصفير على امرأة بيضاء (تعبيرًا منه عن أنها جذابة جنسيًّا)، أو الخمسة المتهمين في قضية سنترال بارك، الذين أُدِينوا زورًا باغتصاب امرأة بيضاء في عام 1989.

ولم تزل هوليوود تستخدم صورًا للمُتاجِرين في البشر والمغتصبين الذكور ذوي البشرة السمراء والبشرة البُنيِّة لتبرير العنف المفرط، كما في فيلم تيكن (Taken) الذي صدر في عام 2008، أو الجزء الأخير الكريه – بحسب وصف كاتب المقال – من سلسلة رامبو: الدم الأخير (Rambo: Last Blood) الصادر في عام 2019. وتماشيًا مع هذا التقليد، يُخصَّص كثير من وقت فيلم روج لسام وهي ترتكب جرائم قتل خارج نطاق القانون لرجال ملونين يهددون فتيات بيض.

التبرير بحقوق الحيوان

في نهاية الفيلم تقارن إحدى شخصيات الفيلم بين سام ولبؤة تحمي أشبالها. واللقطات الأخيرة جاءت كأنها عبارة عن نص خدمة عامة حول شرور الصيد الجائر وتربية الأسود. وانتصار سام الدموي على الرجال الأفارقة أسبغ عليها قوة وشراسة مرتبطة تاريخيًّا بأفريقيا، وهو ما يؤكده الفيلم من خلال تقديم روايته الاستغلالية الصريحة كتدخل لصالح مجال حقوق الحيوان. حتى أن هناك مشهدًا لسام تنقذ فيه رجلًا أفريقيًا أسود، ثم تؤكد له أنه أصبح «رجلًا» بعد أن أنقذته؛ أي أنه قبل ذلك لم يكن رجلًا كاملًا.

فهي بذلك تكون الحَكَم صاحب القول الفَصْل في التقاليد الثقافية السوداء ومنقذة الحياة البرية الأفريقية، التي يفشل الأفارقة الأنانيون وقصيرو النظر في تقديرها. ومثل طرزان وألان كواترمين (الراوي في رواية كنوز الملك سليمان للسير رايدر هاجارد)، وشخصية فانتوم (الشبح)، أو غيرهم من الأبطال الاستعماريين، كون سام صاحبة بشرة بيضاء يتيح لها توجيه القوة الإفريقية والإشراف عليها والتعبير عن الأصالة وتجسيد كل ذلك على نحو أكثر مثالية واستقامة من الأفارقة السود أنفسهم.

الترميز العسكري والإمبريالي في التمكين النسوي

أشار عديد من النقاد إلى أن فيلمين آخرين بارزين تقوم بدور البطولة فيهما بطلات خارقات هما المرأة الخارقة (Wonder Woman) الصادر عام 2017 وكابتن مارفل (Captain Marvel) الصادر عام 2019 – يستخدمان أيضًا الترميز العسكري والإمبريالي لصالح التمكين النسوي. وتفوز المرأة الخارقة، التي ترتدي الأحمر، والأبيض والأزرق، بحق في الحرب العالمية الأولى مع صديقها الطيار الأمريكي المقاتل، لتنقذ مجموعة من الأوروبيين متعددي الأعراق.

وتمنع الكابتن مارفل، التي كانت هي نفسها في السابق طيارًا مقاتلًا، الإبادة الجماعية للسكرولز Skrulls الزاحفين متغيري الشكل – الذين يبدون مثل الصور النمطية المعادية للسامية – من خلال سباق عسكري شرس. وتُصوَّر النساء البيض في هذه الأفلام على أنهن بطوليات من خلال ربطهن بالتدخل العسكري الأمريكي. إنهن قويات، ومستقلات، ورائعات، وجيدات، لأنهن ينقذن الأشخاص الأضعف هناك.

وقد تبدو الروايات التي تستخدم العنصرية والاستعمار لتضخيم بعض البطلات البيض صارخة وفظة لأننا لسنا معتادين على رؤية تمكين النساء بالقوة في أفلام الحركة في هوليوود بهذه الطريقة. لكن هوليوود تُمكِّن بطلاتها ببساطة من خلال إعطائهن الحبكة المعتادة للأبطال الذكور البيض.

وبخلاف الأفلام التي تمجد التفوق العرقي الأبيض للذكور مثلما نجد في سلسلة البطل الإنجليزي ورجل المخابرات الشهير جيمس بوند الذي يذهب إلى أماكن بعيدة في فيلم تلو الآخر حتى يتمكن من قتل رجال غير بيض في كثير من الأحيان وممارسة الجنس مع نساء غريبات غير بيض في الغالب. (ينطوي تمكين الذكور في أفلام الحركة على نحو خاص على مزيد من الإسراف الجنسي).

وفي مثال آخر يوضح التربح من الحرب بواسطة شخصية توني ستارك (يلعب دوره روبرت داوني جونيور) في فيلم الرجل الحديدي (Iron Man)‏ 2008 حسن نيته البطولية بالسفر إلى أفغانستان، حيث يستخدم حلته الخارقة لإنقاذ الأفغان الطيبين وقتل الأشرار. فهو رجل، وبطل خّير يُوجِّه بمفرده ضربة بطائرة من دون طيار إلى هؤلاء الأشرار. وفي فيلم آخر هو إكستراكشن (Extraction) الذي صدر في العام الجاري، تشق الشخصية التي يلعب دورها كريس هيمسوورث طريقها بالقتل عبر بنجلاديش، حيث يجرى التأكيد على تفوقها ودعمها بشوارع مليئة بالجثث.

بطلات غير بيض

وألمح الكاتب إلى أن هناك بعض الأفلام التي لا تحدد تمكين المرأة من خلال الاستعارات العنصرية الاستعمارية فحسب. وأفلام مثل بلاكسبلوتيشن (Blaxploitation) التي قامت ببطولتها بام جرير في سبعينيات القرن الماضي، وفيلم النمر الرابض والتنين الخفي (Crouching Tiger, Hidden Dragon) للمخرج التايواني أنج لي الذي صدر في عام 2000 وفيلم ماد ماكس: فيوري رود (Mad Max: Fury Road) الذي صدر عام 2015، نجحت في عدم إبراز خطأ هوليوود من خلال الانخراط على نحو أكثر وضوحًا مع الحركة النسائية و/أو من خلال إبراز بطلات غير بيض.

وتقاتل شخصيات بام جرير وتشارليز ثيرون للتغلب على هياكل السلطة الأبوية (ترميز ابتكرته الحركات النسوية إشارة للسلطات الدينية الُكنسية قديمًا والتي تمجد الذكورة على حساب الأنوثة) التي تضطهدهن وأخواتهن، وتبدو كل منهما مختلفة تمامًا عن ذهاب سام إلى أفريقيا وإطلاق النار على كثير من الأشخاص الذين تجدهم هناك باسم حماية سلطة حاكم فاسد.

ويختتم الكاتب مقاله قائلًا: لكن على الرغم من بعض الاستثناءات، تظل الحقيقة أن هوليوود غالبًا ما تواجه صعوبة في تخيل التمكين الذي لا ينطوي على الهيمنة على الأشخاص المهمشين أو المستعمرين. وأسهل طريقة لإظهار أن البطل (الأبيض) قوي وقاتل ورائع هو وضعه في مكان أجنبي والسماح له بالبدء في حصد الأرواح.

ومثلما تأتي القوة الجيوسياسية العالمية من مصادرة موارد شخص آخر، فإن التمكين يأتي من فرض قرار الحياة والموت على هؤلاء الأشخاص الآخرين أنفسهم. ويُقدَّم فيلم روج نفسه على أنه تحول خطير ومثير، لكن للأسف ليس كذلك على الإطلاق. وإذا كان الفيلم ذا قيمة، فهو بمثابة تكرار صريح على نحو خاص للروابط المألوفة بين البيض وأيقونية القوة، لأبطال أفلام الحركة من الجنسين.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد