مغامرات فريدة من نوعها يُقدِمُ عليها عالم الكيمياء الحيوية جوسيا زاينر، آخرها محاولته لاختبار لقاح كوفيد-19 على نفسه؛ سعيًا منه لمسابقة المؤسسات الرسمية في الوصول للقاحٍ آمن وفعال. يتناول تقرير منشورٌ حديثًا على موقع وكالة «بلومبرج» الأمريكية تجربة زاينر ويستعرض مراحلها وأسباب نتائجها.

Embed from Getty Images

رهانٌ فرديٌّ

بدت خطة جوسيا زاينر بسيطة، فعالم الكيمياء الحيوية هذا الذي عمل سابقًا مع وكالة الفضاء والطيران الأمريكية «ناسا»، ومن ثم ترك المؤسسات العلمية لينخرط في التجارب الذاتية، قرر استنساخ لقاح كوفيد-19 المثبت نجاحه مع القرود، ومن ثم اختباره على نفسه مباشرة، مع بثِّ التجربة لجماهيره على الإنترنت على مدار أشهر. لكن هذا العرض انتهى أخيرًا.

تتسابق الدول الآن لصناعة اللقاح الأمثل لعلاج كوفيد-19، ويوجد حاليًا عشرات اللقاحات قيد التجارب السريرية البشرية في أنحاء مختلفة من العالم، ويشارك بها عشرات الآلاف من الأشخاص. يستغرق تطوير اللقاحات الطبية سنوات في العادة، ولكن التقرير يوضح أن العلماء الأمريكيين يسابقون الزمن لإنتاج لقاحٍ بغضون أشهر برعاية برنامج «عملية السرعة القصوى» (Operation Warp Speed). بمقابل هذه العمليات التعاونية، يقف زاينر وحده ليراهن على قدرته في اختبار اللقاح بسرعةٍ وتكلفةٍ أقل، عبر تجربة اللقاح بنفسه، والعمل خارج الهياكل التنظيمية.

Embed from Getty Images

تحوُّل في مسار التجربة

يشرح التقرير كيف أتت تجربة زاينر بنتيجةٍ أخرى: اختبار اللقاح أكثر تعقيدًا بكثير من مما هُيِّئ له، فبالرغم من النتيجة الواعدة التي أسفرت عنها التجربة، فإن زاينر وجد نفسه في مواجهة العديد من الأسئلة التي لم يُجَب عنها، وبالتالي لا يمكن تسجيل الأمر في خانة النجاح عمومًا.

على سبيل المثال، وجد زاينر أجسامًا مضادة في جسمه بمقاييس صغيرة للغاية قبل بدء التجربة، ولم يتضح إذا ما قد أحدثت هذه الأجسام فرقًا في النتيجة. في السابق، عبَّر زاينر مرارًا عن اعتقاده بقدرة القراصنة البيولوجيين أمثاله على تسريع عجلة العلم، وصرح في شهر يونيو (حزيران) الماضي لوكالة «بلومبرج نيوز» بأن جائحة كوفيد-19 وفرت «الفرصة المثالية» لإظهار إمكانيات القراصنة البيولوجيين.

أما الآن فقد اختلفت رسالة زاينر حتمًا؛ إذ ينقل عنه التقرير تصريحًا أخيرًا له في إحدى المقابلات: «بيولوجيا البشر معقدة للغاية. ستتسم النتائج بالفوضى، وكذلك التجارب. لذلك، عليك اختبار 30 ألف شخصٍ لتتخلص من الفوضى بفضل إخراج المتوسط».

Embed from Getty Images

مع اندفاع باحثي ومصنعي الولايات المتحدة لإيصال لقاح كوفيد للسوق بأقصى سرعة ممكنة، يكتشف زاينر سبب وجوب عدم التعجيل بالإجراءات الطويلة المتأنية للتجارب السريرية، وفقًا لتعبيره. لا يمكن التعويل على النتيجة الواعدة في المرحلة المبكرة إلا بوصفها «واعدة» فحسب، وهي رسالة يتردد صداها الآن على الصعيد الوطني في الولايات المتحدة، في وقتٍ غدا فيه الجدول الزمني لتطوير لقاح آمن وفعال أمرًا مؤثرًا في الانتخابات الرئاسية.

ويحيل التقرير إلى تصريح دونالد ترامب بأن النتيجة ستظهر قبل تصويت 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، وهو ما يشكك الديمقراطيون فيه؛ خشية وجود تلاعب في العملية بغية اكتساب نقاط انتخابية. يعتقد العلماء أن اللقاح سيتم قرابة نهاية العام أو إلى شهر يناير (كانون الثاني) من العام القادم.

يشتهر زاينر بتجاربه اللافتة للانتباه، والتي يضع فيها نفسه فأرًا مختبريًّا. في مؤتمر للتكنولوجيا الحيوية في سان فرانسيسكو، حقن زاينر نفسه بأداة تعديل الجينات «كريسبر» (وتُسمى أحيانا بتقنية المقصات الجُزيئية) وهو يُلقي خطابه، كما أجرى سابقًا عملية زراعة البراز لنفسه بنفسِه.

تحوَّل زاينر بفضلِ هذه العمليات إلى رمزٍ غير رسمي لحركةٍ متنامية من علماء وباحثي تجارب «افعلها بنفسك» الطبية، تشجعهم التطورات التكنولوجية التي تسهِّل من الإقدام على مثل هذه المغامرات في مجالات الهندسة الحيوية ومثيلاتها. يعتقد زاينر بوجوب توفير هذه العلوم المتطورة في متناول أيِّ شخص، وأن إضفاء الديمقراطية على العلم يساعد في كبح أسعار الأدوية الباهظة وتسريع عجلة العلم.

تعقيداتٌ غير متوقعة

أطلق زاينر على تجربته اسم «بروجكت مكافي» تيمنًا باسم برنامج مكافي المضاد للفيروسات، وافترض في البداية أن التجربة ستكون واضحةً ومباشرة نسبيًّا. اختار زاينر اللقاح الذي فعَّل المناعة الوقائية ضد الفيروس لقرود مكاك ريسوسي، وهو ما نشر في دراسةٍ صادرة في شهر مايو (أيار) الماضي.

علوم

منذ شهر
«فورين بوليسي»: هل يشهد العالم خروج الهندسة الوراثية للفيروسات عن السيطرة؟

وفقًا للتقرير، استطاع زاينر طلب تسلسل البروتين الشوكي نفسه من شركة توليف الحمض النووي التي استخدمها الباحثون في الدراسة. وتمثلت خطته بأن يخضع نفسه للمزيج المطلوب عبر الإنترنت، هو واثنين من زملائه من القراصنة البيولوجيين – داريا دانتسيفا في أوكرانيا، وديفيد إيشي في ميسيسيبي- ليبثوا بعدها العملية بأكملها على الإنترنت على مدار أشهر، على أن يجري أول عرضٍ في يونيو (حزيران).

بيد أن التعقيدات ظهرت في وقتٍ مبكر من التجربة. قبل البدء بأي شيء، أجرى زاينر اختبارًا لدى مختبرات لاب كورب الأمريكية لتأتيه النتيجة بخلوِّ جسمه من الأجسام المضادة للفيروس، ولكن عند إجرائه اختبارًا مشابهًا على نفسه بعد فترةٍ قصيرة وجد أن لديه بعض الأجسام المضادة، لكن عددها قليل بحيث لم تظهر في اختبارات لاب كورب السابقة.

لم تبدُ الأجسام المضادة من النوع المُعادِل، ولكنها أدَّت إلى خلق شكوكٍ لدى زاينر عما إذا كانت النتيجة ناجمة عن التقاط اللقاح لإشاراتٍ من الأجسام المضادة لفيروس مختلف، أو كيف يمكن أن تؤثر إشارة الأجسام المضادة المنخفضة في الأمر برمته. والحال أن زاينر أصبح لديه «شكٌّ كبير في بياناته الخاصة» وفقًا لما ينقل التقرير عنه.

يستنتج العالم المفتون بالتجارب البشرية الذاتية أن علم الأحياء البشري «فوضوي للغاية» بدرجةٍ تجعله غير قابلٍ للحصول على نتيجةٍ واضحة من تجربةٍ ذات عينة صغيرة. 

يشاركه الشك عالم أخلاقيات علم الأحياء في جامعة ستانفورد، هانك غريلي، والذي يرى أن تجربة زاينر جسَّدت مثالًا بينًا على الجانب الذي لا يحظى بالتقدير الكافي من تطوير اللقاحات، معقبًا: «صنع اللقاح ليس بهذه الصعوبة في الواقع، الأمر يتلخص باختباره ومعرفة أنه آمن وفعال». ورغم أن تجربة زاينر الذاتية تلك ربما عادت بمخاطر أكثر من فوائدها، لكنها وفقًا لغريلي كانت قيِّمة عبر إثباتها للناس أن تطوير اللقاح ليس «سحرًا».

Embed from Getty Images

من جانبه، قال زاينر إن دوره في اختبار اللقاح خفف من شهيته للتجارب البشرية الذاتية على الشاكلة التي اعتاد عليها سابقًا. ما يزال زاينر يؤمن بدور هذه التجارب وفعاليتها، لا سيما لمن يعانون من أمراض فتاكة تفتقر إلى العلاجات المعتمدة؛ لكنه يريد أخذ استراحةٍ الآن من إجراء التجارب على نفسه. بدلًا من ذلك، سيوجه تركيزه على مشروعه التالي المتمثل بتعليم الناس كيفية زراعة خلايا الدجاج لصناعة لحومٍ مزيفة في بيوتهم.

يختتم التقرير بتأكيد زاينر أنه خلص بتجربة اللقاحات إلى أنها «تحتمل الحاجة لتجارب سريرية على نطاقٍ واسع، لأنها في غاية الفوضى».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد