تمهيد:  يعد فهم كيف تشكل السمات القومية الوطنية سلوكيات الأفراد السبيل لفهم التباين بين بلدان العالم وثقافاته في قبول المثليين أو رفضهم. في بحثها لإنهاء كتابها عن رأي شعوب العالم في المثلية الجنسية، تعرض لنا الكاتبة «إيمي آدام»، أستاذ علم الاجتماع والعدالة الجنائية بجامعة نيويورك، مجموعة من البيانات والعوامل التي تؤثر على تشكيل العقليات الجمعية للشعوب المختلفة من حيث تقبل أو رفض المثلية الجنسية بدرجتيهما. وتجيب البيانات التي تعرضها عن مدى تأثير الوضع الاقتصادي والدين والديمقراطية على تقبلها.

مع إلغاء ترامب الحماية الفيدرالية للطلاب المتحولين جنسيًا، اجتاح الجدل حول حقوق المغايرين جنسيًا – أو ما يطلق عليهم LGBTQ، أي: المثليين من النساء والرجال، وثنائيي الجنس، والمتحولين جنسيًا، والمنحرفين جنسيًا – مرة أخرى جميع أنحاء الولايات المتحدة.

على الرغم من هذه الاختلافات، يعد الأمريكيون أكثر تحررًا نسبيًا مقارنةً ببعض الدول الأخرى في العالم، حيث تكون العواقب على المواطنين المثليين أو المتحولين جنسيًا أكبر وطأة.

في أوروبا والولايات المتحدة، هناك أقلية فقط من الناس يعتقدون أن المثلية الجنسية غير مبررة على الإطلاق. بينما تزداد هذه النسبة في أماكن مثل روسيا والهند والصين. أما في إفريقيا والشرق الأوسط وبعض البلدان في جنوب شرق آسيا، تصبح المواقف تجاههم أكثر تشددًا.

الموقف إزاء المثليين جنسيًا

لماذا هناك تمايز كبير في آراء الناس بشأن المثلية الجنسية؟ بيَّن كتاب «رأي شعوب العالم في المثلية الجنسية» أن العنصر الرئيس في الإجابة على هذا السؤال يكمن في فهم كيف تشكل السمات القومية الوطنية سلوكيات الأفراد.

هناك مجموعة من الخصائص الديموغرافية في كل دولة، تؤثر على شعور الناس تجاه المثلية الجنسية. فعلى سبيل المثال، تميل النساء إلى التحرر أكثر من الرجال، ويميل كبار السن إلى المحافظة والتشدد أكثر من الشباب. بينما يكون المسلمون 87 أشد رفضًا للمثلية الجنسية أكثر من الكاثوليك واليهود والغالبية العظمى من البروتستانت.

(صممت إيمي بالتعاون مع الفريق المساعد لها خريطة تفاعلية تظهر كيف يشعر 87 شعبًا حول العالم إزاء المثلية الجنسية؟ ويوضح الرسم  إجابات المشاركين في الاستطلاع، وقُسمت الدول إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى دول حوالي 41% من شعبها يجدون أن المثلية الجنسية غير مبررة إطلاقًا، المجموعة الثانية ما بين 42% إلى 75% يجدونها غير مبررة، والمجموعة الثالثة دول أكثر من 75% من سكانها لا يجدون المثلية مبررة إطلاقًا. في حين تم تظليل البلاد التي لم تتوافر بيانات عنها باللون الرمادي. نشرت الخريطة على موقع ذا كونفرسيشن)

للدول أيضًا صفات مميزة تمامًا مثل الناس، يمكن أن تؤثر في سلوكيات شعوبها تجاه المثلية الجنسية. لقد قمت بتحليل بيانات من أكثر من 80 دولة، مستقاة من آخر ثلاثة موجات بموقع World Values Survey، وهو أقدم استقصاء غير ربحي دولي، يدرس سلوكيات الأفراد وقيمهم ومعتقداتهم على مر الزمن. فهو الاستقصاء الأكاديمي الأوحد الذي تضمن أشخاصًا من الدول فاحشة الثراء، والأخرى مدقعة الفقر، في كافة مناطق الثقافات الرئيسة في العالم. يحتوي ذلك الموقع على استقصاءات لما يقرب من 400 ألف مشارك.

يظهر تحليلي لتلك البيانات أن الاختلافات في السلوكيات بين الدول وبعضها البعض، تُفسر بشكل كبير وفقًا لثلاثة عوامل، هي التقدم الاقتصادي، والديمقراطية، والدين.

أهمية الرفاهية المالية

تعد السويد وسويسرا وهولندا من أغنى دول العالم. وتعد أيضًا من أكثرها تقبلًا للمثلية الجنسية. على النقيض تمامًا من دول مثل أوغندا ونيجيريا، التي تعتبر فقيرة جدًا، ويرفض الغالبية العظمى من سكانها المثلية الجنسية.

الاقتصاد والمثلية الجنسية

(صممت إيمي بالتعاون مع الفريق المساعد لها رسمًا توضيحيًا بيانيًا تفاعليًا نشر على موقع ذا كونفرسيشن، يبين الرسم نسب رفض المثلية الجنسية في دول العالم إلى نسبة الناتج المحلي الإجمالي للفرد، ويظهر أنه كلما قل الناتج المحلي للفرد، زادت نسبة الرفض للمثلية الجنسية في البلد. وهو يوضح العلاقة بين رفض المثلية والمستوى الاقتصادي للبلد)

كيف يمكن أن تشكل كمية الأموال سلوكيات بلد ما؟ في الدول شديدة الفقر، غالبًا ما يكون الناس أكثر اهتمامًا بمقومات الحياة الأساسية. إذ قد يؤرق الآباء كيفية توفير المياه النقية والطعام لأطفالهم. وقد يرى المواطنون أنهم إذا اتحدوا معًا، وعملوا بالقرب من أصدقائهم وعائلتهم وأفراد مجتمعهم، سوف يحصلون على حياة أكثر هدوءًا واستقرارًا. وفقًا لهذا النمط، توصل علماء الاجتماع إلى أن التفكير الجمعي قد يتطور، مشجعًا الناس على التفكير بأساليب متشابهة، ومهاجمًا الفروق الفردية.

بسبب التركيز على ولاء المجموعة والتقاليد، الكثير من سكان البلدان الفقيرة على الأرجح ينظرون إلى المثلية الجنسية على أنها معضلة عظمى؛ فهي تنتهك المشاعر التقليدية. كثير من الناس يعتقدون أن الأشخاص المغايرين جنسيًا LGBTQ، يجب أن يمتثلوا للتباين الجنسي السائد، وللنموذج السائد للأسرة.

وعلى النقيض من ذلك، مواطنو البلدان الغنية، أقل اعتمادًا على الجماعة، وأقل قلقًا تجاه توفير مقومات الحياة الأساسية. ولديهم حرية كبيرة في اختيار شركاء حياتهم وأسلوب حياتهم، وعلى الرغم من أن المثلية الجنسية تشكل لبعض الأفراد إشكالية حتى في بعض الدول الغنية نسبيًا كالولايات المتحدة الأمريكية، هناك داعمون كُثُر لها أيضًا.

بغض النظر عن حجم الدخل الذي يكسبونه، أغلب الأشخاص الذين يعيشون في البلدان الأكثر فقرًا يميلون للتأثر بالأعراف الثقافية التي تركز على مقومات الحياة والولاء للجماعة، وهو ما يؤدي إلى مزيد من الرفض للمثلية الجنسية.

حرية التعبير

نوعية الحكومة أيضًا تعد عاملًا مهمًا؛ إذ تميل الشعوب التي تعيش في بلدان ديمقراطية إلى أن تكون أكثر تأييدًا للمثلية الجنسية.

(صممت إيمي بالتعاون مع الفريق المساعد لها رسمًا توضيحيًا نشر على موقع ذا كونفرسيشن يبين نتيجة استطلاع رأي أجري على موقع ورلد فاليوز سيرفي، أجرى الاستطلاع 200 ألف شخص حول العالم مجيبين على سؤال: هل المثلية الجنسية مبررة، بحيث كانت: 1 أنها دائما مبررة، و10 ليست مبررة إطلاقًا، وتم تصنيف إجابات الأشخاص اعتمادًا على مقدار الديمقراطية في بلد المشاركين. وتم التصنيف وفقًا لتصنيف الأمم المتحدة وشمل الاستطلاع 12 بلدًا غير ديمقراطي، و22 أنوقراطي، و53 بلد ديمقراطي)

وتُعقِّب الكاتبة على هذا الاستطلاع قائلةً: إنَّ الديمقراطية تزيد من مساحة قبول المثلية الجنسية، من خلال تعريض المواطنين لوجهات نظر مختلفة. تشجع الديمقراطية الناس أيضًا على احترام حقوق الأفراد، بغض النظر عن تفضيلهم الشخصي للأشخاص المحميين أم لا.

وتضيف: تسمح حرية التعبير أيضًا للمواطنين بالتظاهر دون التعرض للاعتقال. فعندما يشعر المواطنون بأنهم يستطيعون التعبير عن أفكارهم بحرية، يصبحون أكثر رغبةً في التحدث عن أنفسهم وعن الآخرين. وهو ما يؤدي إلى مزيد من قبول الآخر.

المعتقدات الدينية السائدة

(رسم يوضح مقدار الزيادة في الكثافة السكانية لمعتنقي المسيحية والإسلام بين عامي 2010 و2050، ويبدو أن عدد معتنقي الإسلام سيزيد بمعدل أسرع من أية ديانة أخرى، كما أن نسبة المسلمين والمسيحيين في العالم ستتساوى تقريبًا بحلول عام 2050)

العامل الأخير في تشكيل سلوكيات الأفراد هو الدين. إذ إن الدول التي يسود فيها الإسلام، والأرثوذكسية الشرقية، والبلاد الأخرى التي يختلط فيها المحافظة والعقائد البروتستانتية السائدة، أكثر ميلًا لرفض المثلية الجنسية.

وفي المقابل، الدول التي يغلب فيها الأديان البروتستانتية الرئيسة، والكاثوليكية، مثل السويد وإسبانيا والمملكة المتحدة، تعد أكثر تحررًا.

اقرأ أيضا: «واشنطن بوست»: 10 دول تُعاقب المثليين بالإعدام

العقائد الدينية للأغلبية والمثلية الجنسية

(يوضح الرسم أعلاه المنشور على موقع مركز أبحاث بيو التكوين الديني للولايات المتحدة الأمريكية بين عامي 2010 و2050، وتظهر فيه المسيحية تنخفض نسبتها من 73% إلى 66.4%، بينما تزيد نسبة المسلمين من 0.9% إلى 2.1%، بينما تقل نسبة اليهود من 1.8% إلى 1.4 %)

لماذا تعارض الشعوب التي تعيش في الدول ذات الأغلبية المسلمة، المثلية الجنسية؟ يُوَلد الإسلام والمذاهب البروتستانتية المحافظة، مستويات مرتفعة من الإيمان الديني. إذ تنص معظم النصوص الدينية على استنكار المثلية الجنسية. ويميل الأشخاص الأكثر تدينًا بقوة إلى أخذ هذه التعاليم الدينية على محمل الجد. وعندما تمتثل نسبة كبيرة من الناس بشدة إلى تعاليم دينهم، يميل كافة من يعيشون في هذا البلد إلى التوسع في الآراء المحافظة.

في هذه البلاد، غالبًا ما تعكس وسائل الإعلام الآراء الدينية السائدة. كما تميل المدارس والشركات أكثر إلى دعم وجهات النظر التي تعارض المثلية الجنسية. وقد تُخضع الحكومة وسائل الإعلام للرقابة؛ لتحول دون التعدي على الثوابت الدينية. وقد تفرض الحكومات أيضًا قيودًا على المنظمات غير الربحية، ومنظمات حقوق الإنسان التي تشجع الآراء المتعارضة مع القيم الدينية المحافظة. وغالبًا ما يدعم الأصدقاء المتدينون وأفراد الأسرة وجهات النظر المعادية للمثلية الجنسية.

وأخيرًا، قد لا يوجد أية حانات لمثليي الجنس، أو أماكن لمقابلة أناس أكثر ودية في سلوكياتهم تجاه المثليين في تلك البلدان. وبالمثل، ربما يكون هناك تقييد في الاتصال بالإنترنت، حيث يمكن لأي مواطن أن يحصل على المزيد من المعلومات عن المثليين من الرجال – اللوطيين – والنساء – السحاقيات – وغالبية الناس في تلك البلاد، أكثر ميلًا لرفض المثلية الجنسية، بغض النظر عن كونهم متدينين شخصيًا أم لا.

(يوضح الرسم أعلاه أهمية الدين في حياة الشعوب، تأتي الولايات المتحدة الأمريكية في المنتصف تقريبًا، المصدر: مركز بيو للأبحاث)

اقرأ أيضا: مترجم: مسلمون أمريكيون يدعمون زواج المثليين

هل أصبحت معظم الدول أكثر تحررًا؟

في عام 1996، بلغ عدد الدول التي سمحت بالزواج المدني ست دول فقط، بينما بعد مرور سبعة عشر عامًا، سمحت به 43 دولة.

إلا أنه في نفس الوقت كان ثمة تزايد في عدد الدول التي تفرض حظرًا دستوريًا أو قانونيًا على المثلية الجنسية، وهو ما يشير – على ما يبدو – إلى وجود تراجعات محدودة. قد تكون هذه الإجراءات بمثابة ردة فعل مضادة للتشريعات الليبرالية التي وُضعت في بلاد أخرى.

تغيير وجهات النظر

بينما تطور الشعوب في شتى أنحاء العالم اتجاهاتٍ أكثر تحررًا، ما يزال الكثيرون يعارضونها. الدول التي تعارض المثلية الجنسية بشدة، تميل إلى إرساء سياسات وقوانين تعكس ذلك الرفض.

قوانين المثلية الجنسية في جميع أنحاء العالم

(الخريطة أعلاه توضح البلاد على أساس قوانين المثلية الجنسية، بحيث الأزرق غامق تبيح القوانين الزواج المثلي، وصولًا إلى البرتقالي الحبس، والبني الإعدام، جراء التورط في أي فعل مثلي)

(الجدول أعلاه نشر على موقع ورلد فاليوز سيرفي، ويوضح عدد الدول التي ينجو فيها المثليون في مقابل حرية التعبير، ويعرض الدول التي ينجو فيها المثليون، سواء في بلاد ليست بها قوانين تحمي المثليين، وبلاد بها قوانين ضد المثلية الجنسية، ودول بها قوانين تحمي المثليين، على سبيل المثال في مصر معدل حرية تعبير متدني في حين معدلات نجاة للمثليين أعلى، بينما في الولايات المتحدة الأمريكية معدلات حرية تعبير عن الرأي أعلى وقوانين تحمي المثليين، إلا أن عدد الناجين أقل).

بينما يلعب كل من الدين والتقدم الاقتصادي والديمقراطية دورًا رئيسًا في تشكيل التوجهات، يظل المضي قدمًا تجاه المزيد من التحرر، أقل وضوحًا مما توحي به تلك العوامل وحدها.

إن كافة الدول تعتبر جزءً لا يتجزأ من النسيج العالمي. فهناك دول عدة في أوروبا وأمريكا الشمالية كانت الأولى في تحقيق الثراء وتطبيق الديمقراطية غنية وديمقراطية للمرة الأولى. ولأنها كانت دول رائدة، لم تتعرض لمثل الضغوط التي تواجهها الدول النامية والصاعدة الآن من الدول الأكثر قوة والتي تزعمت تمهيد السبيل لحقوق المثليين.

علاوة على ذلك، لايزال الدين مؤثرًا بدرجة كبيرة حتى في كثير من الدول الغنية مثل المملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وبعض الدول الصاعدة، مثل مصر وجنوب إفريقيا.

على الأرجح ستكون التغيرات المستقبلية في التوجهات أكثر تعقيدًا في ظل القوى الدولية، واستمرار تعاظم شأن الدين.

وتختم الكاتبة مقالها قائلةً: إنَّ 80% من الدول التي درستها، أصبحت أكثر تحررًا. ومع ذلك، لا يمكننا افتراض أن مثل هذه التغيرات ستستمر بهذا التسلسل الخطي أو البساطة على الدوام. ففي الوقت الذي رأينا – ومازلنا – فيه ميلًا عامًا نحو مزيد من الآراء المتحررة المرتبطة بالمثلية الجنسية، على الأرجح هناك عثرات متلاحقة على طول الطريق، أثرت على كيفية تَشَكُّل تلك الآثار الاجتماعية – الاقتصادية والثقافية المختلفة على المستوى القومي والدولي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد