يتناول أستاذ العلوم السياسية بجامعة ييل الأمريكية، دانيال ماتينجلي، في مقال نشره بصحيفة «واشنطن بوست»، الكيفية التي تدفع بها الاحتجاجات التي لا قادة لها الناس للخروج إلى الشوارع، مشيرا بشكل خاص إلى المظاهرات المستمرة منذ أكثر من أربعة شهور في هونج كونج، والتي انطلقت في الأساس ضد مشروع قانون تسليم المجرمين إلى حكومة الصين المركزية، وذلك خشية أن يؤدي إلى تدخل بكين في النظام القانوني المستقل للمدينة التي تتمتع بحكم ذاتي جزئي.

وقال الكاتب – وهو مؤلف كتاب «فن التحكم السياسي في الصين» الذي سيصدر قريبا من مطبعة جامعة كامبريدج – إن شرطة هونج كونج اتخذت إجراءات صارمة، يوم الأحد، ضد إحدى الاحتجاجات غير المصرح بها، وذلك باعتقال عدد من المتظاهرين، وإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي.

وأوضح أن ما بدأ كسلسلة من المظاهرات في أواخر الربيع قد استمر أكثر من أربعة شهور، وهو وقت أطول من احتجاجات «حركة المظلة» في هونج كونج عام 2014، وضعف طول مظاهرات ميدان تيانانمن «والتي بدأت في 15 أبريل (نيسان) 1989 في ميدان تيانانمن بالعاصمة الصينية بكين وانتهت يوم 4 يونيو (حزيران) بقمع الجيش الصيني للمحتجين ومقتل الآلاف في الميدان»، وأطول بخمس مرات من الثورة المصرية عام 2011.

«نيويورك تايمز»: هل تتحول تظاهرات هونج كونج إلى مذبحة تيانانمن جديدة؟

وتساءل الكاتب حول سبب نجاح المحتجين في هونج كونج في العمل الجماعي المستمر على مدار عدة أسابيع، موضحًا أنه بالنسبة لبعض الحركات المؤيدة للديمقراطية، فالأمر يتطلب وجود زعيم ذو «كاريزما» مدعوم من منظمات المجتمع المدني القوية، ضاربًا المثل بالاتحاد العمالي البولندي «الذي أطُلق عليه اسم سوليدارتي» بقيادة ليخ فاونسا، والذي دفع بولندا نحو الديمقراطية في فترة الثمانينات.

وتابع أنه ومع ذلك، فإن الحركة الحالية في هونج كونج ليس لها قيادة عمومًا، فقد تولت جمعية مجتمع مدني، هي الجبهة المدنية لحقوق الإنسان، تنسيق بعض أكبر الاحتجاجات المصرح بها، لكن العديد من الاحتجاجات غير المصرح بها افتقدت لوجود فريق أساسي من كبار صناع القرار مثل فاونسا، أو وجود تنظيم رسمي مثل «سوليدارتي».

وبدلًا عن ذلك ينسق المتظاهرون أنشطتهم الاحتجاجية بأساليب مشتتة وشبة ديمقراطية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، باستخدام منتديات مثل «ريديت» وتطبيقات المراسلة.

وذكر ماتينجلي أن كتابه القادم يوضح أن هذا النوع من حركات الاحتجاج التي ليس لها قيادة عمومًا، لا يقتصر على هونج كونج، لكنه واسع الانتشار في الأنظمة الاستبدادية. وغالبًا ما يأتي الاحتجاج بدون قيادة كرد فعل على محاولات السيطرة على المجتمع المدني وقمعه، وقد يكون هذا أسلوبًا ناجحًا، لكن يمكن أن يكون له عيوب مهمة.

1. الاحتجاجات التي ليس لها قيادة هي رد مشترك على القمع

لفهم مسار هذه الاحتجاجات الأخيرة، فمن المفيد أن ننظر إلى استجابة حكومة هونج كونج لاحتجاجات «حركة المظلة» عام 2014، والتي ركزت على إجراء انتخابات مباشرة وشفافة في مطالبها المتعلقة بالإصلاح الديمقراطي.

Embed from Getty Images

وقال الكاتب إنه بدءًا من عام 2015، اعتقلت الحكومة بشكل منهجي كبار قادة الحركة، حيث سُجن بعضهم، ومن بينهم كين مان تشان، وجوشوا وونج، وناثان لو، وبيني تاي. وهذه الاعتقالات أثنت المحتجين الحاليين عن تولي أدوار قيادية واضحة.

وأضاف أن الحكومة استثمرت بشكل كبير في تكنولوجيا المراقبة والتعرف على الوجوه، لمراقبة المدينة وتحديد المحتجين، فأجبرت هذه التدابير المحتجين على اتخاذ خطوات لإخفاء هويتهم، مثل ارتداء الأقنعة، واستخدام شرائح الهاتف المحمول التي يمكن التخلص منها، والدفع في وسائل النقل باستخدام الأموال النقدية «الكاش».

وأشار إلى أن الحكومة بحثت عن دعم جمعيات المجتمع المدني التي تتبنى وجهة نظرها، فنظمت الجمعيات المحلية التي لها علاقات بالحزب الشيوعي في البر الرئيسي الصيني – مثل جمعية بلدة فوجيان – تجمعات مؤيدة للحكومة.

وتابع أن استخدام المجموعات المدنية للسيطرة على المجتمع ودعم القادة الاستبدادين يعد أمرا شائعا في جميع أنحاء العالم، حيث تم استخدام هذه التقنية في المجر، عندما دعم رئيس الوزراء فيكتور أوربان المجموعات المدنية الصديقة لنظامه، بينما سحق تلك التي تعارضه.

وأوضح الكاتب أن الاعتقالات والمراقبة والسيطرة على بعض قطاعات المجتمع المدني دفعت المحتجين نحو أساليب وتقنيات تنظيم جديدة، خاصة التظاهر بدون قيادة.

2. الاحتجاجات التي ليس لها قيادة تدفع الناس للنزول إلى الشوارع

كيف يجري التظاهر بدون قيادة؟ استخدم المحتجون في هونج كونج وسائل التواصل الاجتماعي لتنسيق زمان ومكان الاحتجاج. ويستخدم المشاركون منتديات مثل «ريديت» وتطبيقات المراسلة الآمنة مثل «تليجرام» لمشاركة النصائح ومناقشة الأساليب واتخاذ القرارات حول مكان الاحتجاج.

Embed from Getty Images

وفي ظل غياب قادة واضحين، تبنى بعض المحتجين في هونج كونج شعارًا يشبه شعار الممثل بروس لي: «كن ماءً يا صديقي». فبدلا من الالتزام بخطة ثابتة أو بناء منظمات، يتسم المحتجون بالمرونة؛ فهم يحتلون أحد أرجاء المدينة، ثم «يتدفقون» بطريقة عفوية إلى موقع آخر، بينما تحاول الشرطة تفريق التجمع.

وأوضح ماتينجلي أن بحثه يشير أيضا إلى أن المحتجين في البر الرئيسي الصيني غالبًا ما يستخدمون أساليب مماثلة، ففي المناطق الريفية في الصين، تميل الأدوات إلى التناظرية بدلًا عن الرقمية، موضحًا أنها لا تقل فاعلية.

على سبيل المثال، قد يشارك المزارعون الغاضبون من استيلاء المسؤولين المحليين الفاسدين على أراضيهم في احتجاجات بلا قيادة، من خلال نشر رسالة مجهولة المصدر في ساحة القرية تُعلن موعد وتاريخ التجمع.

وذكر أن احتجاجات مماثلة بلا قيادة انطلقت من مختلف أنحاء العالم، من نيكاراجوا إلى مصر، مشيرًا إلى أن صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية وصفت الطلاب الذين طالبوا بالإطاحة برئيس نيكاراجوا دانييل أورتيجا عام 2018 على أنهم «جماهير بلا قيادة وغير منظمة من طلاب الجامعات». وخلال الثورة المصرية عام 2011، نظم المحتجون أنفسهم عبر مزيج من المجموعات المتصلة بشبكة الإنترنت والجمعيات غير المتصلة بالشبكة.

3. لكن حركات الاحتجاج بلا قيادة لها عيوب

قال الكاتب: «إن عدم وجود قادة قد يساعد المحتجين على تجنب القمع الحكومي والمراقبة، لكنه يخلق مشاكل للمتظاهرين أيضًا، موضحًا أنه يجعل من الصعب تخفيف حدة الاحتجاجات قبل أن تصبح عنيفة. وأشار إلى أنه في أغسطس (آب) الماضي، عندما اعتدى المتظاهرون في مطار هونج كونج على رجل اعتقدوا أنه شرطي متخف، لم يكن هناك زعيم يتمتع بالسلطة المعنوية للتدخل».

وعلى الرغم من أن الأساليب التي استخدمتها الشرطة ضد المتظاهرين (في المطار) كانت عنيفة، واعتذر المتظاهرون لاحقًا، إلا أن فيديو حادث المطار أصبح نقطة التف حولها أولئك المعارضون للاحتجاجات والاضطرابات في هونج كونج.

كما أوضح أن عدم وجود زعيم يعني أيضًا أنه لا توجد مجموعة واضحة يمكن للحكومة التفاوض معها، وبالتالي فلن يؤدي الحوار إلى أي نتيجة، كما كان الحال في مايو (أيار) 1989، عندما التقى قادة الطلاب في بكين بمسؤولي الحزب الشيوعي، لكنهم لم يتوصلوا إلى اتفاق. ومع ذلك، يمكن للقائد القوي، على غرار ليخ فاونسا، أن يحصل على تنازلات من الحكومة فيما يجمع الجماعات المؤيدة للديمقراطية معًا.

واعتبر أنه بسبب عدم وجود قادة واضحين، لجأت الحكومة إلى استهداف زعماء «حركة المظلة»، وألقت شرطة هونج كونج القبض على نشطاء مثل أجنيس تشو، وجوشوا وونج، كما تعرض بعض قادة الحركة التي انطلقت في 2014 مثل ناثان لو لمضايقات عبر الإنترنت.

واختتم الكاتب مقاله بالقول إنه بالنسبة لحكومة هونج كونج، يبدو أن الأمر مسألة انتظار، حيث تقدم الحكومة تنازلات محدودة، في محاولة لتصفية بعض المجموعات الاحتجاجية. ومع ذلك فإن الاحتجاجات التي ليس لها قيادة تبدو متصلبة بنفس القدر، مع استمرار المتظاهرين في الدفع باتجاه التغيير السياسي.

احتجاجات هونج كونج ليست الأولى.. تاريخ التمرد ووقائع الثورة في الإقليم الصيني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد