كتب ماكس فيشر مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» تقريرًا حول الأزمة المستمرة في هونج كونج؛ بسبب الاحتجاجات المتواصلة لتسعة أشهر تقريبًا منذ 15 مارس (آذار) 2019 للمطالبة بسحب مشروع قانون تسليم المجرمين الهاربين إلى الصين. 

وأشار الكاتب في مستهل حديثه إلى شخص يدعى آلان ياو، وهو باحث في جامعة هونج كونج الصينية، نشأ وترعرع في هونج كونج خلال حقبة التسعينيات من القرن الماضي، بينما كانت الهوية في تلك المدينة تتعمق في قلب الرخاء والرفاهية. وبكل أريحية، عد الناس أنفسهم من مواطني هونج كونج، ومواطنين صينيين، وعالميين في الآن ذاته». 

ولكن في الآونة الأخيرة، تحوَّل كثيرون إلى هوية أكثر انغلاقًا وتطلعًا إلى الداخل، كما قال السيد ياو. وأصبحت الأعلام والأناشيد الوطنية، رموز الهوية ذات الطابع القومي، شائعة على نحو متزايد. ولطالما كان مواطنو هونج كونج يشعرون بالفخر، لكن هناك شيئًا جديدًا: إنه الشعور بالحصار، الذي يفرضه عليهم ما هو أكثر من الزعماء الاستبداديين في بر الصين الرئيسي.

«بلد واحد.. وقوميتان»

وأوضح الكاتب أنه «ربما تكون الاحتجاجات التي اندلعت في هونج كونج منذ شهور ليست نتيجةً لتجاوزات بكين فحسب، ولكن أيضًا للتغيرات ذات التأثير الهائل في هوية هونج كونج نفسها، وفقًا لأبحاث واستطلاعات رأي حديثة. وتسببت الاضطرابات الاقتصادية وزيادة الهجرة في وضع الهوية التقليدية لهونج كونج تحت ضغط هائل».

Embed from Getty Images

ونتيجةً لذلك، طوَّر كثيرون نوعًا جديدًا من الهوية، أقوى تأثيرًا في النفس، وأقل اتساعًا، وأكثر ميلًا للنضال. وأصبحوا فجأة يشعرون بالخصوصية كونهم مواطنين من هونج كونج ومواطنين صينيين؛ أي يحملون هويتين لطالما تكاملتا. حوَّل هذا الوضع المنطقة إلى قنبلة موقوتة، لدرجة أن أحد الباحثين أطلق عليه «بلد واحد، وقوميتان»؛ في إشارة ضمنية إلى سياسة «بلد واحد، ونظامان» التي كانت تهدف إلى حماية مكانة هونج كونج داخل الصين. 

لذا، عندما أقرّ مُشَرِّعون مؤيدون لبكين مشروع قانون يتيح تسليم المجرمين إلى بر الصين الرئيسي، أزعج ذلك الكثيرين بوصفه اعتداءً ليس على حقوقهم فحسب، ولكن على هويتهم المتميزة، في وقت بدت فيه مستهدفة وضعيفة بالفعل.

وأشار المراسل إلى أن «ردود الفعل التي أعقبت ذلك أدت إلى توسيع الانقسامات بين مواطني هونج كونج. وفي الوقت الذي ربما تبدو فيه المدينة موحدة، تشير الدراسات الاستقصائية إلى زيادة عدم ثقة سكانها في الغرباء، وزيادة الاستقطاب حسب العرق والعمر والطبقة. ويصف السكان المحليون العائلات بأنها ممزقة بسبب الخلافات السياسية. وباتت المشاجرات تندلع بوتيرة متزايدة في أثناء الاحتجاجات. 

وقال السيد ياو: «عندما واجهنا تهديدًا يتعلق بكيفية تعريفنا لأنفسنا؛ انفجرت المشكلة». وبالنظر إلى التغييرات الاقتصادية والثقافية التي سبقت الانتفاضة الجماهيرية في مدينته، أضاف «كل هذه الأمور مرتبطة بعضها ببعض».

التفكك والتهديد

وأفاد الكاتب بأن أزمات الهوية تبدأ غالبًا بفقدان المكانة. إذ يتسبب شيء ما في تغيير التسلسل الاجتماعي، مع فشل بعض الطبقات الاجتماعية في حجز مقعد لنفسها. وتحتشد أعضاء تلك الطبقات الاجتماعية، بدافع من شعورهم بالتهديد، وراء هويتهم الجماعية، مما يجعلهم يشعرون بأهمية أكبر ويعيشون أيضًا وسط أجواءٍ من الشك. في هونج كونج، بدأ هذا بتدفق الأموال من الاقتصاد المتضخم في الصين.

وأصبحت هونج كونج مركزًا للخدمات المالية، وقناة للتجارة الصينية. واستثمر الأثرياء الصينيون الجدد الأموال بكثافة في العقارات المحلية. تسبب ذلك في ارتفاع تكلفة المعيشة، مما أدى إلى أزمة إسكان. وجرت تهدئة السكان الفقراء إلى حد ما من خلال إعانات الإسكان. وكان هناك أيضًا بعض عمال من الطبقات الكادحة وعمال الخدمة، الذين تعثرت صناعاتهم بسبب الصينيين الوافدين. 

واستدرك الكاتب قائلًا: لكن الطبقة الاجتماعية المهيمنة تقليديًّا في هونج كونج – المهنيين المتعلمين ذوي الياقات البيضاء – تضررت بشدة. وتوقفت الأجور أو انخفضت. وتراجعت معدلات مشترياتهم تراجعًا كبيرًا. وأصبح الكثيرون أقل ثراءً مما كان عليه آباؤهم. وحول هذا الأمر يقول السيد ياو: خلص البعض إلى أن «حلم هونج كونج لم يعد ذا فائدة».

Embed from Getty Images

غَيَّر أعضاء هذه المجموعة وجهات نظرهم السياسية، وفقًا لبحث أجراه ستان هوك ووي وونج، وهو عالم اجتماع في جامعة هونج كونج للفنون التطبيقية. وأصبحوا أكثر تشككًا في بر الصين الرئيسي والأشخاص الذين يأتون منها، حسبما خلص السيد وونج. وأصبحوا أيضًا أكثر تمسُّكًا بهوية هونج كونج. وانضم كثيرون إلى الحركة المحلية الوليدة في هونج كونج، والتي تدعو إلى الاستقلال السياسي والتميز الثقافي عن الصين.

ووجد السيد وونج أن العمال ذوي الدخل المرتفع الذين يستأجرون منازلهم أصبحوا على الأرجح داعمين لأحزاب المعارضة المحلية. وبالتأكيد، يجري تمثيلهم تمثيلًا غير متناسب في الاحتجاجات وبين الناشطين.

هذه التغييرات واضحة للعيان في تين شوي واي، وهي ضاحية تضم مباني شاهقة وتقع على مقربة من الحدود مع البر الصيني الرئيسي. وقال جاكي ما، وهو فني يبلغ من العمر 44 عامًا انضم إلى الاحتجاجات في هونج كونج: «إنهم يعتقدون أن هونج كونج خسرت مستقبلها».

وأضاف أن الأصدقاء الذين يعملون في وظائف جيدة كالأطباء والمديرين يعيشون الآن على الكفاف. ويشير إلى أن ابنه درس حتى أصبح أخصائي علاج بالإشعاع، لكنه يكافح من أجل إيجاد عمل. واستطرد «إنهم بائسون. ومع شراء مواطني الصين للشقق هنا (في هونج كونج)، أصبحت الأسعار مرتفعة للغاية. ولذا فإن الصراع الدائر يتعلق بالوظائف في المقام الأول، ثم السكن، ثم الحياة».

أرقام مذهلة

وأردف الكاتب: «من الشائع أن نسمع عن مشاكل مرتبطة بالهجرة والسياحة من البر الصيني الرئيسي، إذ ارتفعت فجأة بعدما رفعت بكين القيود عن السفر. والأرقام مذهلة؛ إذ إن هناك واحدًا من كل سبعة من مواطني الصين وصل إلى هونج كونج بعد عام 1997. وتضاعف عدد السياح من الصين من حوالي مليوني نسمة سنويًّا إلى 40 مليونًا، وأحيانًا أكثر من ذلك». وقال السيد ما إن الأحياء تشعر بأنها أقل تماسكًا وأقل معرفة بعضها ببعض. ونادرًا ما تختلط العائلات المهاجرة، التي تتحدث اللغة الماندرينية في الغالب، بالسكان الأصليين الناطقين بالكانتونية. ويعتقد الكثيرون أن المهاجرين يغيرون الثقافة المحلية إلى الأسوأ.

ويمكن أن يثير هذا المزيج من التغيير الديموجرافي والاضطراب الاقتصادي شيئًا ما يُسمى بالتهديد الناجم عن الاستثمار المفرط في العلاقات الشخصية؛ إذ يعيد الناس تشكيل هويتهم ورؤاهم السياسية حول تصور مفاده: نحن مقابل هم. وبالنسبة للسيد ما، بدا أن الصلة بفقدان الحريات في هونج كونج واضحة. ويقول إنه «في كثير من الأحيان تنظر إلى سياسات الحكومة، وتفكر: في مصلحة من تصب هذه السياسات؟ لمصلحة المهاجرين الجدد في الغالب».

الوقت الذي يجب علينا فيه الاختيار

وذكر مراسل نيويورك تايمز أن «النتيجة كانت ظهور عقلية جديدة تتبنى مفهوم التجمع حول تأثير العَلَم (مفهوم يُستخدَم في العلوم السياسية والعلاقات الدولية لشرح الدعم الشعبي المتزايد على المدى القصير للرئيس خلال فترات الأزمة أو الحرب الدولية). ورغم أن هونج كونج ليست أمة، فإن البعض يرى أن مواطني هونج كونج يتحلون بخصائص ما يُسمى عادةً بالقومية».

وحدد بريان تشي هانج فونج، العالم السياسي بجامعة هونج كونج التعليمية، بداية التغيير في عام 2009، عندما بدأت بكين حملة لتنمية الهوية الصينية في هونج كونج، جزءًا من جهودها لإعادة دمج الإقليم. وجاءت الحملة، التي تزامنت مع تراجع الحكم الذاتي والنظام الاجتماعي والاقتصادي في هونج كونج، بنتائج عكسية.

أدى ذلك إلى «موجات من التعبئة المضادة»، مثل احتجاجات حركة المظلة المؤيدة للديمقراطية في عام 2014. وكانت النتيجة «دولة واحدة، وقوميتان»، كما يقول السيد فونج.

وأصبحت الهوية الصينية، التي كانت يومًا ما مكملة أو ضرورية لشخص من مواطني هونج كونج، فجأة تشكل تهديدًا، تمامًا كما أصبحت القومية أقوى في الصين في الدعاية والفعاليات، مثل الاحتفال في أكتوبر بتأسيس جمهورية الصين الشعبية. وقال السيد ياو إنه «لا يمكنك أن تتمتع بهويتين قوميتين تمثلان المنطقة ذاتها»، مضيفًا أن الكثيرين هنا يرون أن «الوقت الذي نحتاج فيه إلى الاختيار قد حان».

Embed from Getty Images

وألقت الدراسات الاستقصائية الأخيرة التي أجرتها يينج يي هونج، عالمة نفس اجتماعي بارزة، الضوء على أن ذلك هو الذي هيأ هونج كونج لاحتجاجات هذا العام.

واستطرد الكاتب قائلًا: «عندما يتجمع الناس وراء هوية تشعر بأنها مهددة، فإنهم يميلون إلى تقسيم العالم إلى ما يسميه علماء النفس (من الجماعة وخارج الجماعة)». ووجدت السيدة يينج يي هونج أن مشروع قانون تسليم المجرمين دفع الكثيرين إلى إعادة تصنيف حكومة هونج كونج ذهنيًّا حسب مصطلحي «من الجماعة وخارج الجماعة».

وقالت: «لذا كلما عرَّفت نفسك بأنك من مواطني هونج كونج، قلت ثقتك في الحكومة». وأضافت: «وأنت ترى أن حكومة هونج كونج تمثل «الآخر». وربما أدت هوية مواطني هونج كونج المتشددة إلى إعادة تصنيف فصيل آخر: المهاجرون من البر الصيني الرئيسي».

ودرست السيدة يينج يي هونج المواقف تجاه مواطني البر الصيني الرئيسي من خلال سلسلة من اختبارات الارتباط الضمني، والتي تستخدم ترابط الكلمات السريعة المتداعية في قياس التحيزات اللاشعورية.

وقالت «وجدنا أن التحيز الضمني قوي للغاية، وأقوى من التحيز الأبيض ضد الأمريكيين من أصل أفريقي». وخلال الاحتجاجات في ضاحية تين شوي واي، رأت ميتو وونج، وهي عاملة في مجال الشؤون المالية ومتزوجة من السيد ما، أن المهاجرين امتداد للتهديد القادم من بكين. 

وقالت «ربما تعرضوا لنصف عملية غسيل مخ بالفعل على يد الحكومة في البر الصيني الرئيسي… إنهم لا يريدون الاندماج». ووصفت المهاجرين والمولودين في الخارج بأنهم يخوضون منافسة للحصول على إعانات الإسكان أو الاندماج في المدارس التنافسية. وقالت إن السكان المحليين فقط هم الذين اعتنقوا حقًّا هونج كونج وقِيمَها. وأكملت: «إنهم يرون فقط هونج كونج بوصفها نقطة الانطلاق. وسيجمعون بعض المال منها، ثم يعودون أدراجهم إلى البر الصيني الرئيسي».

نحن وهم

وتابع المراسل قائلًا «عندما تُنظَّم المجتمعات حول فكرة هويتنا مقابل هويتهم – غالبًا ما يكون المهاجرون أول من يُنظَر إليهم على أنهم غرباء، ولكن نادرًا ما يكونون آخر مَن يطلق عليهم ذلك». ومع بدء التصدعات، تبدأ المجتمعات في الاستقطاب. ووجدت دراسة السيدة يينج يي هونج انقسامات ناشئة حول الحكم المحلي. وعلى الرغم من أن القليل منهم يؤيدون معالجة الحكومة للأزمة الحالية، فإن الكثيرين ما زالوا يعدونها جزءًا من هوية مواطني هونج كونج.

Embed from Getty Images

وبالنسبة لهؤلاء الأشخاص، وهم في الغالب من كبار السن، فإن المحتجين هم الذين يهاجمون هوية هونج كونج عن طريق الاشتباك مع الشرطة – وهي قضية مثيرة للخلاف بشكل متزايد. ويجد العديد من المحتجين خط مواجهة آخر في المنزل. إذ يتخلل تصفح صور الأطفال وخطط العشاء جدال مرير على نحو متزايد حول السياسة. 

وفي مسيرة بوسط هونج كونج، لم تتراجع ستيفاني تشينج، وهي طالبة تبلغ من العمر 20 عامًا، عن المشاركة في المسيرة عندما اقتحم ضباط شرطة مكافحة الشغب الحشد. ولكنها تصاغرت عندما واجهت والدتها، التي كانت داعمة للاحتجاجات في البداية، وهي غاضبة بسبب ما تردد عن مهاجمة المتظاهرين للشرطة، ودار جدال بينهما حول ما نشر على«فيسبوك» بشأن اتهام المحتجين بحرق السيارات.

قالت السيدة يينج يي هونج إن «العديد من العائلات منقسمة. وأرى ذلك بين طلابي. والآن لا يمكنهم التحدث معًا». ويبدو أن هذه الانقسامات تتسع بسرعة مع التفسيرات المتضاربة لهوية هونج كونج. 

وقالت السيدة يينج يي هونج المشاركة في الاحتجاجات «أعرف الكثير من العائلات المحلية التي طردت الأطفال بسبب الخلافات السياسية؛ لأنهم انضموا إلى الاحتجاجات». وخلال عطلة أخيرة، نسق الطلاب في جامعة السيد ياو عشاء «للاجئين»؛ وتقصد بهم أولئك الذين لم يشعروا بالراحة في العودة إلى ديارهم، على حد قولها. وربما تكون هونج كونج مصابة بذلك المرض الذي أصاب الولايات المتحدة، ألا وهو مرض «الاستقطاب الحزبي».

وقال السيد ياو: «جربت هذا بنفسي. وأنا أصفر وأمي زرقاء، زرقاء داكنة»، في إشارة إلى الألوان المرتبطة بالفصائل السياسية الرئيسية في هونج كونج.  وأضاف: «لم تعد لدينا أرضية مشتركة». ومثل هذه الانقسامات محفوفة بالمخاطر على نحو خاص بالنسبة لهونج كونج، لأنه لا يمكن أن توجد هوية وطنية متفق عليها في مكان لم يكن فيه أمة قط.

واختتم الكاتب مقاله باقتباس قول السيد ياو: «في الولايات المتحدة، الهوية الأمريكية أمر مفروغ منه. ولا تحتاج إلى التشكيك فيها. لكن لا يمكننا قول الشيء نفسه عن هونج كونج. ولم يعد بإمكاننا تحديد من هم «مواطنو هونج كونج» بعد الآن. وأضاف أن «هذا هو جوهر الصراع». 

دولي

منذ 6 شهور
احتجاجات هونج كونج ليست الأولى.. تاريخ التمرد ووقائع الثورة في الإقليم الصيني

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد