يمنح التشريع بكين سلطات موسعة للانقضاض على العديد من الجرائم السياسية، من بينها عقوبة السجن مدى الحياة على الجرائم «الخطيرة». ولكن القانون مليء بالغموض. 

كتب خافيير سي هيرنانديز، مراسل «نيويورك تايمز» في بكين، تقريرًا حول قانون الأمن الوطني الذي فرضته الصين على هونج كونج وتداعياته، نقل فيه آراء الخبراء ونشطاء هونج كونج الذين يرون أن القانون له تأثير «مدمر» ويهدف إلى القضاء على أي معارضة للحزب الشيوعي الحاكم في المستعمرة البريطانية السابقة.

والقانون الذي صيغ تحت ستار السرية ومُرِّر يوم الثلاثاء دون أي مدخلات جادة من سلطات هونج كونج، يقيم جهازًا أمنيًا كبيرًا في الإقليم ويعطي بكين صلاحيات موسعة للانقضاض على العديد من الجرائم السياسية، من بينها تشجيع الانفصال والتواطؤ.

تطبيق قانون الأمن الوطني في هونج كونج يبدو ملتبسًا

وفيما بدا في بداية الأمر على أنه اختبار مبكر للقانون، اعتقل رجل يوم الأربعاء بعد أن رفع علم هونج كونج أثناء المظاهرات، وقالت الشرطة على «تويتر» إنه اعتقل بسبب «مخالفته لقانون الأمن الوطني». لافتة إلى أنها «أول عملية اعتقال منذ بدء سريان القانون».

لكن نظرة عن كثب إلى اللافتة، يظهر أن عليها كلمة ترجمتها «لا» مكتوبة بحروف صغيرة إلى جانب «لاستقلال هونج كونج» بحروف أكبر، ما يعني أنها ليست معارضة لما يدعو إليه القانون، بل مؤيدة له، لكن ليس واضحًا ما إذا كانت الشرطة على وعي بذلك، بحسب التقرير.

Embed from Getty Images

ومن المرجح أن يمثل القانون عهدًا جديدًا في هونج كونج، وفقًا لما يقوله الخبراء، تكون فيه الحريات المدنية مقيدة بإحكام ويكون الولاء للحزب هو القيمة الأسمى. وقال جيروم ايه. كوهين، وهو أستاذ القانون في جامعة نيويورك متخصص في النظام القانوني الصيني: «بصفة عامة، هذا استيلاء على هونج كونج».

66 مادة في أكثر من 7 آلاف كلمة

والقانون الأمني الذي يشمل 66 مادة وأكثر من 7 آلاف كلمة، يستهدف على نحو مباشر الاحتجاجات المفعمة بالحيوية المناهضة للحكومة التي هزت هونج كونج على مدار العام الماضي؛ إذ يفرض عقوبات قاسية على الأساليب التي يستخدمها المتظاهرون عادة.

وبينما قاد المحتجون حملة استمرت شهرًا العام الماضي لمقاومة ما أسموه تعدي بكين على الحريات المدنية في هونج كونج، وجه المتظاهرون ضربة لسمعة المدينة المهشورة بالكفاءة والتقيد بالنظام. إذ هاجمت بعض الجماعات مراكز الشرطة، وخربوا المتاجر والمطاعم، وشلوا الحركة في المطار لفترة وجيزة.

وفي ظل القانون، يعتبر الإضرار بالمباني الحكومية عملًا تخريبيًا عقوبته السجن مدى الحياة في الحالات «الخطيرة». ويعتبر تخريب وسائل النقل نشاطًا إرهابيًا يعاقب عليه بالسجن مدى الحياة إذا ما أضر بأشخاص آخرين أو تسبب في إلحاق أضرار جسيمة بالممتلكات العامة أو الخاصة.

الجرائم الأربع الكبرى

ويلفت الكاتب إلى أن الجرائم الأربع الكبرى في القانون – وهي تشجيع النزعة الانفصالية، والتخريب، والإرهاب، والتواطؤ مع الدول الأجنبية – مكتوبة بصياغة غامضة وتعطي للسلطات صلاحيات موسعة لاستهداف النشطاء الذين ينتقدون الحزب، وفقًا لما يذكره النشطاء.

Embed from Getty Images

وقال زانج شياومينج، نائب مدير مكتب الحكومة الصينية المركزي لهونج كونج، للصحافيين في مؤتمر صحافي في بكين يوم الأربعاء: «القانون يعاقب عددًا محدودًا من المجرمين الذين يعرضون الأمن الوطني للخطر، وهو سيف حاد معلق فوق رؤوسهم سوف يمثل رادعًا ضد تدخل القوى الأجنبية في هونج كونج».

وقال زانج إنه سيجرى استخدام نظام قانوني منفصل يتبع قوانين البر الرئيس لبعض قضايا الأمن الوطني الخطيرة والملحة. ولكنه لم يحدد ما إذا كان ذلك سيتحقق بالإتيان بممثلي ادعاء، وقضاة، وحراس سجون من البر الرئيس إلى هونج كونج، أو بنقل السجناء إلى الصين.

وقالت صوفي ريتشاردسون، مديرة هيومان رايتس ووتش في الصين: «القانون مدمر حيث يبدو أنه لا حدود له. ونشطاء هونج كونج الذين اعتادوا العمل في بيئة تحترم في الغالب حقوق الإنسان، يواجهون الآن فراغًا مخيفًا».

بكين لها الآن سلطة موسعة للتدخل في النظام القانوني في هونج كونج

يتابع التقرير: لطالما قدر سكان هونج كونج السلطة القضائية المستقلة للمدينة، وهي ميراث من الحكم الاستعماري البريطاني الذي يقف في تناقض صارخ مع المحاكم التي تهيمن عليها السرية وتخضع لسيطرة الحزب في البر الرئيس.

غير أنه في ظل هذا القانون الأمني الجديد، أعطت الصين لنفسها مجالًا واسعًا للتدخل في الشؤون القانونية في هونج كونج، بمعزل عن تدقيق المحاكم المحلية والمشرعين.

وسوف يضع التشريع في هونج كونج شبكة هائلة من قوات الأمن تكون مسؤولة أمام بكين. وهي تشمل لجنة الأمن الوطني في حكومة هونج كونج ومكتب أمن وطني مكون من ضباط صينيين من البر الرئيس يتمركزون في هونج كونج ويتعاملون مع القضايا في ضوء قانون البر الرئيس الصيني.

وفي ظل التشريع، يمكن أن تتدخل الحكومة المركزية في بكين في قضايا الأمن الوطني، ولا سيما أثناء الأزمات إذا ما اعتبرت القضية «معقدة». ويمهد القانون الطريق أمام المدعي عليهم ليمثلوا أمام محاكم في البر الرئيس، حيث تعد الإدانات في العادة مؤكدة والعقوبات في الغالب قاسية. والقضايا التي تنطوي على أسرار الدولة لن تكون متداولة في الإعلام ولا متاحة الجمهور.

القانون قد يأتي لهونج كونج بالممارسات القانونية في البر الرئيس

ويشير التقرير إلى أن القانون يمكن أن يأتي إلى هونج كونج بالكثير من الممارسات القانونية القاسية الشائعة في البر الرئيس الصيني، وفقًا لما يذكره الخبراء. وبوجه عام يقول القانون إن حقوق المشتبه فيهم، والمدعى عليهم في قضايا الأمن الوطني يتعين أن تحترم.

Embed from Getty Images

ولكن إلى جانب افتراض البراءة وحق الشخص في الدفاع عن نفسه، لا يقدم القانون كثيرًا من الوضوح بشأن سبل الحماية هذه، مما يترك خطرًا قائمًا بإمكانية امتداد بعض من الممارسات القاسية، والتي لا يمكن المساءلة عليها الشائعة في البر الرئيس، إلى كونج كونج.

وقال كوهين أستاذ القانون، متحدثًا عن الممارسات الشائعة في البر الرئيس الصيني: «باعتبارك مشتبهًا به في (الإضرار) بالأمن الوطني، يمكن أن تسجن لمدة قد تطول إلى ستة شهور، وتخضع للتعذيب وتجبر على الاعتراف القسري بدون أن يصل إليك محام، أو تتواصل مع الأسرة، أو الأصدقاء، قبل أن تقرر الشرطة ما إذا كانت ستوجه إليك تهمة ارتكاب جريمة».

استهداف الأجانب في التشريع

سعت بكين مرارًا إلى تصوير الاضطرابات في هونج كونج على أنها بإيعاز من الدول الأجنبية، ولا سيما الولايات المتحدة، واتهمت المتظاهرين بالضلوع في مؤامرة لنشر الفوضى في الصين والإطاحة بالحزب الشيوعي. وينشر المسؤولون الصينيون نظريات مؤامرة لا أساس لها تشير إلى أن الدول الغربية تمول وتوجه النشطاء، بحسب التقرير.

وتستهدف أجزاء عدة من التشريع الأمني الدور المتصور للأجانب في النشاط السياسي في هونج كونج. وتنطبق القواعد الجديدة حتى على أولئك الذين لا يقيمون في هونج كونج؛ إذ تشير المادة 38 إلى أن الأجانب الذين يدعمون استقلال هونج كونج، أو يدعون إلى فرض عقوبات على الحكومة الصينية يمكن ملاحقتهم قضائيًا عند دخولهم هونج كونج، أو البر الرئيس الصيني.

كذلك ينص القانون على أن مسؤولي الأمن الوطني في هونج كونج «سيتخذون الإجراءات الضرورية لتقوية إدارة» المنظمات غير الحكومية والمنافذ الإعلامية الأجنبية في الإقليم. ولا يقدم التشريع تفاصيل في هذا الجانب. ويقول الخبراء: «إن التشريع يبدو أنه يستهدف إسكات الانتقادات التي يوجهها نشطاء حقوق الإنسان والصحافيين ومسؤولي الحكومة خارج الصين إلى سياسات الحزب في هونج كونج».

دولي

منذ شهرين
مترجم: وسط صخب كورونا.. ماذا تفعل الصين في هونج كونج؟

وقال توماس إي كيلويج، المدير التنفيذي لمركز القانون الآسيوي في جامعة جورجتان: «المدى الواسع للقانون سيكون له تأثير مخيف على المنظمات غير الحكومية في الخارج؛ لأنه سيحد من قدرتها على المشاركة مع جماعات هونج كونج في القضايا الحساسة، مثل حقوق الإنسان والإصلاح السياسي».

ويرجح التقرير أن تفاقم البنود التي تستهدف الأجانب التوتر بين الصين والولايات المتحدة، مع تدهور العلاقات بالفعل إلى أدنى مستوياتها خلال عقود. وبالفعل تعهدت إدارة ترامب بسلسلة من العقوبات ردًا على تشريع الأمن الوطني، بما فيها الحد من التأشيرات، وفرض قيود على صادرات التكنولوجيا الدفاعية.

وانتقد وزير الخارجية مايك بومبيو يوم الثلاثاء تمرير التشريع، مغردًا: «إن قانون الأمن الوطني الوحشي الذي مرره الحزب الشيوعي الصيني ينهي الحرية في هونج كونج، ويكشف أكبر مخاوف الحزب، وهو: الإرادة الحرة، والتفكير الحر لشعبه».

وقال بومبيو أيضًا في بيان: «الولايات المتحدة لن تقف مكتوفة الأيدي، بينما تبتلع الصين هونج كونج في جوف استبدادها».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد