استعرض مقال نشرته مجلة «ذي أتلانتك» أزمة السلطة في جنوب السودان، موضحًا أنَّ وقف إطلاق النار المعمول به حاليًا قد لا يدوم، ويؤكد أنَّ التوازن الهش في العلاقة بين أطراف النزاع أفضل من العودة إلى الحرب. أعد المقال كل من روبرت مالي، الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية، والذي كان منسق البيت الأبيض لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الخليج في إدارة أوباما، وآلان بوزويل، كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية لشؤون جنوب السودان.

حكم الأقلية في جنوب السودان

يشير المقال في البداية إلى أنَّ كل شيء في جنوب السودان يبدو  في الواقع مُعدًا لتستفيد منه القلة، بدءًا من الاقتصاد، الذي يجلب الكثير من عائدات النفط، ولا يتمتع بثمارها إلا القليل. وكذلك الأمر في العاصمة جوبا، التي بها عددٌ قليل من الشوارع المعبدة، وتتضاءل بها آثار التنمية أو حتى ملامح البنية التحتية الأساسية.

ويوضح الكاتبان أنَّ هناك ثروات في جنوب السودان، لكنَّها غير مرئية، تذهب هباءً بسبب أعمال الكسب غير المشروع، وإساءة استخدامها في سبيل بناء الجيوش الخاصة، وشراء ولاء المنافسين المحتملين.

ويستمر المقال في التأكيد على أنَّ الحرب هناك هي أيضًا حكر على النخب؛ الذين لا يُحسبون على المتحاربين ولا على الضحايا، لكنَّهم يُحرضون على الحرب، ويفتعلون التوترات العرقية لتعبئة ناخبيهم والاستحواذ على الأرض والموارد، وأنَّهم يجيدون توفير طاقة قواتهم المسلحة، إذ لا تخوض معارك مع جماعاتٍ مسلحة أخرى، بل تسرق المدنيين البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة وتغتصبهم وتقتلهم. حتى السلام نفسه غالبًا ما يكون حكرًا على من هم في القمة، فبدلًا عن التفاوض نيابةً عن ناخبيهم، يُبرم الرجال الأقوياء صفقاتٍ للحفاظ على سلطتهم الشخصية.

لكنَّ هذا السلام، بحسب مالي وبوزويل، على الأقل يمكن أن يعود بالنفع على مجتمعٍ أوسع، وأصبح ذلك واضحًا بعد أن توصل الرئيس سيلفا كير ونائبه السابق رياك مشار، الذي هو كذلك منافسه الرئيسي، إلى اتفاقٍ لوقف إطلاق النار في سبتمبر (أيلول) الماضي.

كما أن قرارهما الأخير بتمديد الموعد النهائي لتشكيل حكومة وحدة انتقالية بدلًا من إعلان انهيار اتفاقهما يُعد خبرًا سارًا لهذا السبب. لكنَّه كان أيضًا إشارةً واضحة إلى مدى هشاشة الهدنة، وإلى أي مدى لا يزال أمل السلام الدائم بعيدًا.

Embed from Getty Images

اتفاقٌ هش

يكتنف اتفاق وقف إطلاق النار بين كير ومشار الكثير من العيوب وفقًا للمقال، إذ يفتقر إلى ضامنٍ خارجي ذي مصداقية. فضلًا عن أنَّه لم يعالج أيًا من الجذور الأعمق للنزاع. لقد كان اتفاقًا لتقاسم السلطة (يحتفظ كير بالرئاسة، بينما وُعد مشار بالعودة إلى السلطة كنائب للرئيس) أُبرم بين رجلين تسببا في مثل هذا الضرر لبلدهما وأرادا ممارسة السلطة، وليس تقاسمها.

استبعد الاتفاق الجماعات المسلحة المهمة الأخرى، والتي أُخرجت من الصفقة، وكان لديها حافز لتنمية صفوفها في انتظار شريحةٍ من الكعكة. وينطوي الاتفاق على جهدٍ معقد لإعادة توحيد الجماعات المسلحة للرجلين، لأنَّه يشجع الجانبين على تضخيم حجم قواتهما، والتي من المرجح أن تضم مقاتلين جدد بدلًا عن تسريح المقاتلين الحاليين.

هذا الاتفاق تمخضت عنه أول نهاية مستدامة للأعمال العدائية بين الخصمين منذ اندلاع الحرب الأهلية الشرسة في عام 2013، والتي أسفرت عن مقتل ما يصل إلى 400 ألف شخص، بعد عامين فقط من ولادة جنوب السودان وسط أجواءٍ من الحماسة المحلية والدولية.

بالنسبة للأشخاص الذين عانوا من هذه الوحشية التي لا يمكن تصورها على مدى عقود، أثناء الحرب من أجل الاستقلال عن السودان ثم أثناء الحرب داخل البلد المنفصل حديثًا، فإنَّ تفادي العنف قيمة لا تُقدر بثمن كما يؤكد المقال.

لكن بحلول الوقت الحالي، كان على الجيشين الانتهاء من تجميع قواتهما المسلحة وفحصها وتدريبها. وكان عليهما تحويل قواتهما إلى جيشٍ وطني موحد وتشكيل حكومة وحدة، وكذلك حل النزاعات المتعلقة بعدد ولايات جنوب السودان وحدودها. إلا أنَّ أيًا من هذه الأمور لم يتحقق حتى الآن. وأُهدرت المدة الزمنية التي مضت منذ توقيع الاتفاق.

وبحسب المقال فإنَّ السؤال الذي يدور في أذهان الناس في جوبا هو ما إذا كان يمكن لوقف إطلاق النار أن يستمر، وأنَّه بالاستناد إلى قلة ما أُنجز في الأشهر الثمانية منذ التوقيع، ستكون الإجابة الواضحة هي بالنفي. وبالنظر إلى السهولة التي اتفق بها الطرفان على تمديد الموعد النهائي للوفاء بالتزاماتهما من مايو (أيار) إلى نوفمبر (تشرين الثاني)، ستكون الإجابة: ربما.

Embed from Getty Images

ويؤكد مالي وبوزويل أنَّ الطرفين لا يبدوان في عجلةٍ من أمرهما لاستئناف القتال في هذه المرحلة، وكلاهما يرى مزايا في كسب الوقت. فبالنسبة لكير، كانت الحسابات واضحةً ومباشرة. فهو يسيطر على كلٍ من الحكومة وفي الغالب على الأرض، وبالتالي فإنَّ الوضع الراهن يناسبه جيدًا.

فلماذا التسرع نحو تنفيذ الاتفاق الذي يتطلب تقسيم السلطة التي يتمتع بها وحده؟ لماذا التخلي عن أي سيطرة على القوات المسلحة التي يقودها حاليًا؟ ويشير المقال إلى أنَّ طلب التمديد الأصلي جاء من مشار، وليس من كير، وكان الرئيس يتلكأ لفترةٍ من الوقت قبل الإذعان لما وصفه بأنَّها لفتة حسن نية. لكنَّ الأمر لم يخدع سوى القليلين، وفي المحادثات الخاصة، لم يهتم كبار المسؤولين في حكومة كير بإخفاء الأمر: التمديد كان في صالحهم هذه المرة، وقد يخدمهم بعد ذلك.

وبحسب كاتبي المقال: كانت حسابات مشار أكثر تعقيدًا، لكنَّها أدت به إلى نفس النتيجة. فالعودة الآن تعني العودة في وضع ضعفٍ نسبي؛ إذ سُرِّحَ جزءٌ كبير من قواته، ومن الواضح أنَّ ميزان القوى في صالح خصمه، ويخشى المزيد من الانشقاقات في صفوف قواته المتبقية إذا عاد إلى العاصمة دون تنازلاتٍ كافية منه.

يبدو أنَّ رهان مشار عندما وقع الاتفاق كان يتمثل في أنَّه سيكون لديه وقتٌ لبدء عملية تجنيد واسعة، وجذب مقاتلين جدد، وتكديس قواته بالموالين من الشبكات العرقية أو العشائرية، وبناء القوة في حالة تجدد الحرب. وعرضت المعارضة عرضًا لهذا النمط في أعقاب اتفاقٍ سابق في عام 2015، وتسبب في نتائج مصيرية، تضمنت حشد مقاتلين من مناطق لم تتأثر في السابق بالنزاع، وبالتالي سوف تتسع حدود الحرب فور استئنافها.

إلا أنَّ مشار حقق بعض التقدم في هذا الصدد خلال الأشهر الثمانية الماضية. لقد كان يناضل من أجل إعادة مقاتليه، الذين فر الكثير منهم، ويعيشون الآن في مخيمات اللاجئين أو عواصم أخرى شرق أفريقيا.

ولتحقيق هدفه، كان يتعين عليه الحصول على أموالٍ لدفع مرتبات المجندين الجدد وإطعامهم ورعايتهم. رفض المانحون الخارجيون دفع الفاتورة، لسببٍ وجيه: نوت هذه الأطراف إنشاء قوة أمنية مشتركة قوامها 300 ألف فرد، وهو ما يمثل توسعًا كبيرًا لما هو موجود حاليًا، وكان من المفترض أن يكون معظم أفرادها مجندين حديثًا بتكلفة تزيد عن 200 مليون دولار. لكن ما يحتاجه جنوب السودان هو عددٌ أقل من المجندين، وليس أكثر. ولم يكن أمام مشار، غير القادر على إعادة بناء قواته،  سوى السعي لتمديد الموعد النهائي. فعلى الأقل سيوفر له التمديد فرصةً للمحاولة مرةً أخرى.

وبحسب مالي وبوزويل، فإنَّ السؤال الآن هو كيفية وقف القتال. فضغوط القوى الخارجية، الدول الأفريقية وكذلك الولايات المتحدة وأوروبا، لها دورها. ويرى الكاتبان أنَّ كير ومشار، اللذين يواجهان تهديدًا حقيقيًا بفرض عقوبات تستهدف مصالحهما الاقتصادية الشخصية، قد يفكران مرتين قبل جر شعبهما إلى طريق المواجهة. لكن بدون إحراز تقدم بخصوص إعادة مشار إلى الحكومة، وتسريح جزء من القوتين المسلحتين المتنافستين ودمج بقاياهما، فإنَّ خطر استئناف العنف سوف يزداد بمرور الوقت.

ويقول مالي وبوزويل: «إنَّه بالفعل، في المحادثات الخاصة، حذَّر مساعدو مشار بأنَّ الحرب ستشتعل مرةً أخرى إذا لم يُحرز أي تقدم في تنفيذ الاتفاق. ويمكن أن يكون الأمر بالطبع مجرد تهديد، لكنَّه قد لا يكون كذلك».

ويرى الكاتبان أنَّ أذكى خطوة يمكن اتخاذها الآن هي التركيز على خطواتٍ فورية وواقعية. فقد تكون مطالب مشار في ما يتعلق بالإصلاح الأوسع للجيش وإدماج قواته المسلحة المتباينة متماشيةً مع الاتفاق الذي وقعه، لكنَّ ذلك لن يحدث، أو لن يحدث في أي وقتٍ قريب على الأقل.

بالإضافة إلى أنَّه ليس منطقيًا في إصراره على العودة إلا بعد نشر الآلاف من مقاتليه في جوبا؛ ففي الماضي القريب، في عامي 2013 و2016، اندلعت أعمال عنف واسعة من جراء مواجهةٍ بين الحراس الشخصيين لكير ومشار. وقد يكون الحل البديل المحتمل، بحسب كاتبي المقال، هو قيام قوة خارجية محايدة بتوفير الحماية لمشار، والسماح له بالعودة بأمان وبكرامة، وتولي منصب نائب الرئيس، وكذلك توفير المزيد من الوقت والمجال أمام اتفاق السلام ليُحرز تقدمًا دون وضعه رهينةً لإصلاحاتٍ أمنية أوسع.

ويقول مالي وبوزويل إنَّهما اقترحا هذه الفكرة في محادثاتٍ مع الزعيمين، إلا أنَّها لم تلقَ قبولًا، ولم ينغلق الباب بأكمله كذلك. وهو ما يعد بمثابة أمل وفقًا لمعايير جنوب السودان.

الشعب خارج دائرة الاهتمام

يروي الكاتبان أنَّهما في رحلتهما على متن طائرة من جوبا، روت امرأةً قصتها لهما. قُتل نصف أفراد أسرتها؛ وتشتت النصف الآخر في جميع أنحاء العالم. نُفيت والدتها مرتين، مرةً بسبب الحرب مع الشمال، والمرة الثانية بسبب الاقتتال الداخلي المُهلك لجميع الأطراف في جنوب السودان.

Embed from Getty Images

وكعضوة في قبيلة الدينكا، أكبر مجموعة عرقية في البلاد، تعرضت هذه السيدة للاختطاف والتعذيب على أيدي قوات مشار، التي تنتمي أغلبيتها لقبيلة النوير. وهدد أحد أفراد النوير بقتلها؛ وآخر أنقذ حياتها في نهاية المطاف. لقد لخص هذا الأمر لابنتها، التي ترى أنَّ الحرب بالأساس هندسها وأدارها الكبار في قمة السلطة.

وتساءلت عن السبب في أنَّ العالم كان يقضي الكثير من الوقت والجهد في محاولة إقناع كير ومشار حتى عندما كانا منشغلين في تحريض ناخبيهما للمعركة القادمة، بدلًا من التركيز على الناس العاديين، الذين لا تهمهم مثل هذه الاختلافات العرقية.

ويعتقد مالي وبوزويل أنَّ وجهة نظرها مهمة؛ فبافتراض أنَّ مشار يمكن إقناعه بالعودة، وبافتراض أنَّه وكير يستطيعان تشكيل حكومة وحدة، وبافتراض أنَّ عملية تسريح وإصلاح القوات المسلحة يمكن أن تبدأ، وبافتراض وقف إطلاق النار، مع افتراض كل ذلك، لن تُعالج الجذور الأساسية للصراع.

وستكون النتيجة وضعًا محفوفًا بالمخاطر، بين جانبٍ يشعر بالارتياح إزاء وضعه المهيمن الحالي، وآخر يشعر بالضعف بحيث يتعذر عليه المجازفة. ولا يعني هذا أنَّ أيًا من الطرفين قد تخلى عن هدف القضاء على خصمه، أو أنَّ ذاكرة القتل العرقي الوحشي قد تبددت، أو أنَّ التوازن الهش يمكن أن يستمر لفترةٍ طويلة. لكنَّه أفضل بكثيرٍ من البديل المحتمل اليوم، وهو العودة إلى الحرب.

وفي نهاية مقالهما، يخلُص الكاتبان إلى أنَّه في الوقت الحالي، قد يكمن بصيص الأمل في جنوب السودان في سمائها الغائمة. فموسم الأمطار الذي يستمر ستة أشهر يصعب للغاية مسألة القتال. وبينما كان مالي وبوزويل يستعدان لمغادرة جوبا، هبت عاصفة مطيرة قوية، تنذر في رأيهما بقرب بدء ذلك الموسم.

المغرب يمول بناء عاصمة جنوب السودان.. ما الذي يريده الملك؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد