من الصين إلى الولايات المتحدة مرورًا بإيران، يعد الاحتجاز التعسفيّ أسلوب ضغط غير أخلاقيّ، لكنه غالبًا ما يكون فعالًا.

تعليقًا على الخطاب الذي ألقاه وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكين في منتصف فبراير (شباط) 2021، و الذي ندد فيه بممارسة الاحتجاز التعسفي، واصفًا إياها بأنها «غير مقبولة أبدًا»، قال ستيفن إم والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، في مستهل مقاله المنشور على صفحات مجلة فورين بوليس»: إن بلينكين مُحِقّ، ولكن ثمة أمر بعينه يثير الحيرة بشأن هذه الممارسة، هو: أن الدول تستخدمها أحيانًا حتى عندما تتعارض مع أهدافها المعلنة، ولو أضرَّت بمصالحها العامة.

الصين

الصين خيرٌ مثالٍ على ذلك؛ ذلك أن الهدف الأسمى الذي تسعى الحكومة الصينية إلى تحقيقة من خلال السياسة التي تنتهجها هو: إقناع بقية دول العالم بأنها إذا امتلكت نفوذًا دوليًا أكبر فإن هذا يعد تطورًا ناجعًا، وإلباس الدولة الصينية ثوب القوة المسؤولة، التي تضع مصلحة الجميع في قلب اهتماماتها.

وكما أشار ستيفن والت قبل بضعة أسابيع، لقد اصطبغ الخطاب الذي أدلى به الرئيس الصيني شي جين بينغ مؤخرًا أمام المنتدى الاقتصادي العالمي بمنطق «المنفعة المتبادلة»، وأفادت التقارير بأنه شدد على الحاجة إلى التعاون الصيني – الأمريكي خلال محادثته الهاتفية الأولى مع الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن.

سياسة

منذ 6 سنوات
نيويورك تايمز: خمسة من منتسبي الجيش الصيني متهمون بالتجسس الإلكتروني على أمريكا

يشير الكاتب إلى أن مصلحة الصين تقتضي ألا ترتدي ثوب القوة الغاضبة المندفعة العدائية التي تفتقر إلى الإنسانية وتسعى إلى تغيير الوضع القائم (ولهذا السبب يخلص المقال إلى أن تبنى بكين ما يسمى بدبلوماسية الذئب محارب نهج يفتقر إلى الحكمة بالقدر نفسه)، حتى لا تمنح النقاد سهامًا يرشقونها بها، وكيلا تستفز دولًا أخرى للاتحاد بهدف كبح نفوذها.

على الرغم من ذلك، حتى بينما كانت الصين تحاول ارتداء ثوب الطيبة وهي تطل على بقية دول العالم، كانت تستهدف بشراسة الرعايا الأجانب والمواطنين مزدوجي الجنسية، عادةً بتهمة التجسس أو انتهاك قوانين الأمن القومي المختلفة.

في السنوات الأخيرة، اعتقلت الصين مواطنين كنديين (مايكل كوفريج من مجموعة الأزمات الدولية، ومايكل سبافور مدير برنامج التبادل الثقافي في كوريا الشمالية)، ومذيع أخبار صيني – أسترالي (تشنغ لي)، وأستاذ في التاريخ الياباني (نوبو إيواتاني)، ورجل أعمال أمريكي – صيني(كاي لي)، وسيدة أعمال أمريكية من أصل صيني (فان «ساندي» فان جيليس)، وآخرين.

بعض هؤلاء المعتقلين أُطلق سراحهم فيما بعد، لكن لا يزال آخرون رهن الاحتجاز، وفي بعض الحالات ما زال البعض ينتظر المثول للمحاكمة أمام النظام القضائي الصين الذي يفتقر إلى الشفافية، على حد وصف الكاتب.

إيران

ينتقل المقال إلى إيران، التي يرى أنها تقدم نموذجًا محيرًا أكثر. ففي عهد الرئيس حسن روحاني، كانت إيران تحاول الخروج من أسر العقوبات الذي وضعتها فيه الولايات المتحدة وخصومها الإقليميون.

وعلى الرغم من الاهتمام الواضح بتطبيع العلاقات مع بقية العالم، استمرت إيران في احتجاز المواطنين الأجانب ومزدوجي الجنسية بتهم مشكوك فيها، وغالبًا ما تتركهم في غياهب السجن أو تقحمهم في متاهة قانونية لسنوات.

Embed from Getty Images

ومن الأمثلة البارزة التي يستشهد بها المقال: نازانين زاغاري راتكليف (موظفة بريطانية – إيرانية في مؤسسة طومسون رويترز اعتقلت في عام 2016 أثناء زيارتها لوالديها، واتهمت «ببمحاولة الإطاحة بالنظام الإيراني») وكافوس سيد إمامي (أستاذ علوم اجتماعية إيراني – كندي ساعد في تأسيس مؤسسة التراث الفارسي للحياة البرية، ويُفترض أنه مات منتحرًا أثناء احتجازه)، وشيوي وانغ، طالب دراسات عليا صيني – أمريكي قبض عليه في عام 2016 أثناء إجرائه بحثًا أوليًا في إطار أطروحته حول سلالة قاجار، وحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات بتهمة «التجسس»،

وأُطلق سراحه في عام 2019 بموجب صفقة تبادل أسرى مقابل إطلاق سراح مسعود سليماني، العالم الإيراني الذي وجهت إليه لائحة اتهامات في الولايات المتحدة لمحاولته تصدير سلع غير مصرح بها إلى إيران.

وهل توجد سياسة أكثر قدرة على تشويه صورة إيران أمام بقية دول العالم، وعرقلة جهودها لهدم جدار عزلتها، من هذه السياسة. إنها سياسة تمنح المعارضين الذين يعيشون في بلدان أخرى وسيلة سهلة لضرب نظام الملالي، وحين يعود بعض ضحاياها (مثل شيوي وانغ) في النهاية إلى ديارهم فإنهم يصبحون معارضين لاذعين للنظام (لأسباب مفهومة تمامًا). وفيما يتعلق بالمصالح الأوسع لإيران، يرى الكاتب أن اضطهاد أشخاص مثل وانج أو نازانين هو سوء تصرُّف مذهل على الصعيد الدبلوماسي.

5 أسباب تفسر هذا السلوك

يتابع المقال: لنكون واضحين؛ ليست الصين وإيران بِدْعًا من الدول التي تمارس هذا النهج. فها هي تركيا التي احتجزت عددًا من الأجانب لأسباب مشكوك فيها، وسعت إلى استخدامهم كأوراق ضغط، كما اعتقلت الولايات المتحدة أو اتجزت عددًا من الأشخاص لأسباب مشكوك فيها في بعض الأحيان، ودعونا لا ننسى جوانتنامو.

Embed from Getty Images

ماذا يجري هنا؟ لماذا تستخدم الدول الأفراد كبيادق على رقعة الدبلوماسية، على الرغم مما ينطوي عليه ذلك من مخاطرة تجعلهم يبدون قساة، وتقوض جهودهم لكسب المزيد من الاحترام والإعجاب الدوليين؟ يطرح الكاتب خمسة أسباب على الأقل تفسر هذا السلوك:

أولًا؛ قد يكون المعتقلون مذنبين في حالات قليلة. ذلك أن الدول تتجسس على بعضها البعض طوال الوقت، ومن غير المنطقي الاعتقاد بأن كل الأشخاص الذين اعتقلتهم قوى أجنبية أبرياء من ارتكاب أي مخالفات.

ومع ذلك، إذا كان هذا هو الحال، فإن المرء يتوقع من الحكومة التي تحتجزهم بذل جهود كبيرة لإجراء محاكمة قضائية عادلة، وتقديم الأدلة بتفاصيل واضحة ومقنعة. لكن بدلا من ذلك، يخيم غموض شديد على الإجراءات القضائية في العديد من هذه القضايا؛ مما يعزز التصورات بأن هؤلاء الضحايا مستهدفون لأسباب سياسية.

ثانيًا؛ قد ينشأ جزء من المشكلة نتيجة خلاقات حقيقية حول تحديد ما يرقى إلى مرتبة «التجسس» أو يشكل «تهديدًا للأمن القومي». فما يعتبره الآخرون صحافة شرعية أو بحثًا علميًا أو أنشطة أخرى تبدو بريئة قد تعتبره السلطات المحلية تدخلًا خطيرًا (أو أسوأ). ويرجح أن تنشأ هذه المشكلة عندما تكون الحكومة المعنية غير آمنة ولديها سبب للاعتقاد بأن دولًا أخرى تتآمر ضدها.

في حالة الصين، على سبيل المثال، كان الرئيس شي يشن حملة قمع بعيدة المدى ضد المعارضة في الداخل، وضد الحركة المؤيدة للديمقراطية في هونغ كونغ، وضد أقلية الإيجور، وضد أي شخص آخر يشعر أنه قد يتحدى سلطته أو سلطة الحزب الشيوعي الصيني. بالنظر إلى هذه العقلية، من المتوقع أن يكون هناك تعريف فضفاض «لتهديدات الأمن القومي»، وبالتالي يبدو أن الأجانب يتجاوزون الخطوط المسموح بها حتى لو كانت أنشطتهم بريئة تمامًا.

ولأن الولايات المتحدة أيدت علانية تغيير النظام في إيران، ودعمت حركات المعارضة في الماضي، وشنت هجمات إلكترونية على برنامج إيران النووي، واغتالت جنرالًا إيرانيًا كبيرًا العام الماضي، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يميل الإيرانيون أكثر إلى النظر بعين الارتياب إلى أي نشاط ولو كان بريئًا. هذا لا يبرر الظلم ضد الأبرياء، لكنه قد يساعد الآخرين على فهمه.

Embed from Getty Images

السبب الثالث للقبض على الضحايا الأبرياء بالطبع، هو: المنطق المألوف «العين بالعين والسن بالسن». من الواضح أن احتجاز الصين للمواطنَيْن الكنديَيْن مايكل كوفريج ومايكل سبافور هو عمل انتقامي للرد على فرض كندا الإقامة الجبرية على المديرة المالية لشركة هواوي الصينية، وابنة مؤسها، منج وانزو. يهدف هذا الرد إما إلى الحصول على ورقة ضغط يمكن التفاوض بها لاحقًا – مقابل إطلاق سراح الشخص المحتجز- أو تكبيد الجانب الآخر ثمنًا يردعه عن اتخاذ إجراءات مماثلة في المستقبل.

رابعًا؛ يمكن أن يكون احتجاز الرهائن بهذه الطريقة أيضًا وسيلة قسرية لاكتساب نفوذ. يستشهد الكاتب على ذلك باستخدام حركة حماس الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط كوسيلة ضغط للإفراج عن أكثر من ألف سجين فلسطيني في عام 2011، لكن الأجانب المسجونين قد يُنظر إليهم أيضًا على أنهم مصدر محتمل للضغط في نزاعات سياسية أوسع.

على سبيل المثال، اعتقلت الصين مؤخرًا المذيع الأسترالي تشنغ لي في سياق التدهور الحاد للعلاقة بين كانبيرا وبكين، وقد يكون المقصود من هذا الإجراء هو إظهار مدى قوة التصميم الصيني، وتذكير أستراليا بطرق العقاب الأخرى التي يمكن أن تستخدمها الصين ضدها.

حقوق إنسان

منذ 3 شهور
«المونيتور»: كيف ستتعامل إدارة بايدن مع قضية تعذيب محمد سلطان؟

أخيرًا؛ الدول ليست جهات فاعلة موحدة وعقلانية تمامًا، بل يمكن أن تستخدام الاعتقالات التعسفية للدفاع عن مصالحها المحلية الضيقة بدلًا عن تعزيز موقف الدولة ككل. وفي بعض الحالات، يمكن للفصائل المتشددة – التي تخشى من أن يقوض التقارب مع العالم الخارجي سلطتها ومكانتها – أن تحتجز الرهائن من أجل عرقلة جهود التسوية.

ويمكن أن يؤدي احتجاز الأجانب أيضًا إلى وضع المعتدلين في موقف حرج لأنه يجعلهم يبدون أقل وطنية من المتشددين، الذين يدَّعون أنهم يدافعون عن الأمة ضد أعدائها الخارجيين الأشرار. ويكاد يكون من المؤكد أن هذه الديناميكية تؤتي ثمارها في إيران، حيث استخدم المتشددون احتجاز الأجانب كوسيلة لتعقيد جهود التسوية وتأخيرها. (وبالطبع، غالبًا ما يمارس معارضو التسوية في الولايات المتحدة وأماكن أخرى استفزازاتهم الخاصة من أجل تحقيق الهدف نفسه إلى حد كبير).

وبالتالي، فإن ما قد يبدو مبدئيًا أنه سلوك استفزازي بلا داعٍ وبلا جدوى، قد يكون مدفوعًا بمنطق معين، على الأقل في بعض الأوقات. ومع ذلك، يشدد الكاتب على أن تكاليف هذا النوع من السلوك عادة ما يفوق فوائده. ذلك أن استخدام الأبرياء كبيادق سياسية لا يؤدي إلا إلى إظهار الحكومة بمظهر سيئ، ويزيد من مخاوف الأجانب بشأن موثوقيتها ونزاهتها ونواياها طويلة المدى.

Embed from Getty Images

وفي معظم الحالات، لا ينتج عن سجن الأبرياء، واحتجازهم دون محاكمة، وإدانتهم بتهم زائفة، والإفراج عنهم في نهاية المطاف، بعد فترات طويلة في الأسر، سوى تشويه صورة الدولة التي ترتكب هذا التصرف. وفي النهاية ينصح الكاتب الحكومات التي تريد أن يثق بها العالم بأن تفكر مليًًا قبل استخدام هذا التكتيك القاسي والمثير للاشمئزاز، قائلًا: كم كان بلينكن محقًا حينما لفت الانتباه إلى ذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد