تناول تقرير مطول أعده كلٌّ من «ماثيو كامبيل»، و«كيت شيليل»، ونشرته مجلة «بلومبيرج» الاقتصادية، قصة دخول بنك جولدمان ساكس الاستثماري إلى ليبيا، وكيف تمكن من توطيد علاقاته الداخلية بسرعة كبيرة، والحصول على عقود كبرى بمئات الملايين من الدولارات، ثم كيف تبددت تلك الأموال سريعًا فيما بعد لتخسر ليبيا ما يزيد على مليار دولار في فترة قصيرة.

دور القذافي

عام 2008، وتحديدًا بعد تخلي ليبيا عن برنامجها للأسلحة النووية والكيميائية، كانت البلاد على نفس صورتها الصحراوية القديمة غير المتطورة، في حين ملأت اللوحات التي تحمل صور القذافي أنحاء البلاد. في هذا التوقيت، كان أحد العاملين في مؤسسة «جولدمان ساكس» المالية، ويدعى «يوسف قباج» وهو مغربي الجنسية، من بين القلائل الذين تمتعوا بالتنقل إلى خارج البلاد بشكلٍ مستمر، منطلقًا من مقر إقامته، وهو فندق «كورينثيا» الفخم بطرابلس الذي كان نزيلًا معتادًا فيه. كان قباج ضليعًا في العربية والفرنسية والإنجليزية، بجانب خبرته في النظام المالي الدولي.

بحسب التقرير، فإن اتجاه القذافي للاختيار السلمي فتح أبواب البنوك الغربية لليبيا من جديد بعد عقدين من الانقطاع، إذ تملك البلاد ثروات نفطية تبلغ قيمتها 60 مليار دولار، أصبح بالإمكان تناقلها بحرية بعيدًا عن العقوبات الدولية، كما أصبحت جاهزة للتدفق في السوق، وبالتأكيد تحت إشراف هيئة الاستثمار الليبية، وهو صندوق جديد لإدارة الثروة أسسه القذافي. ومن خلال علاقاته في شمال أفريقيا، كان قباج من الأوائل في «جولدمان ساكس» ممن انتبهوا لهذه الفرصة الكبرى، لتصبح هيئة الاستثمار الليبية أكبر عملائه، ويتحول في عام واحد من موظف عادي إلى ربما أهم موظف داخل أكبر بنك استثماري في العالم، وتحديدًا في الـ 31 من عمره.

جولدمان

يوسف قباج

في 23 يوليو/ تموز عام 2008، كان قباج ينتظر مكالمة مهمة داخل غرفته في فندق كورينثيا، وهو ما حدث بالفعل في التاسعة مساءً، ليلتقط قلمه ويدون بعض الملاحظات. على الجانب الآخر من الهاتف، تحدث ميكائيل دافي، المسؤول البارز في جولدمان ساكس في لندن. أشاد دافي بعمل قباج في ليبيا، وقال إنه بعد عدة مفاوضات، قرر البنك منحه 9 مليون دولار. كان ذلك رقمًا مذهلًا، حتى داخل جولدمان ساكس.

في الحال، طلب قباج المزيد، فقد تأكد تمامًا من أهميته في عملية استخلاص أموال هائلة من عميل غير معتاد، أي ليبيا. في ذلك الوقت، كان قباج متأخرًا على شيء ما، وهنا جاء صديقه «نيك بنتريث»، وهو زميل من جنوب أفريقيا تعرف إليه في بداية رحلاته إلى ليبيا، إذ كان يقرع باب غرفته يطلب منه الإسراع، فكان عليهم مقابلة «مصطفى زرتي» في الصباح، نائب رئيس هيئة الاستثمار الليبية، وصديق عائلة القذافي. في ذلك الصيف، لم تكن الأسواق في أفضل حالها، إذ انهار بنك «بير ستيرنز» الاستثماري الأمريكي في مارس/ آذار من نفس العام، كما كان هناك شائعات حول انهيار مجموعة «Lehman Brothers». كان الغرض من اللقاء هو أن زرتي أراد أن يعرف وضع ليبيا داخل جولدمان ساكس.

توجه بنتريث وقباج إلى برج الفاتح، وهو مكان اللقاء المحتمل مع زرتي، وتحديدًا في الطابق الـ22 من هذا البرج. انتظر الثنائي لوقت طويل، وهنا تسلل الشك داخل قباج، قبل أن تتأكد شكوكه عندما دُعي للدخول إلى غرفة اجتماعات بجانب مكتب زرتي، والتي لاحظ فيها وجود ثلاثة مصرفيين من بنك «سوسيتيه جنرال» الفرنسي، والذي يعد المنافس الرئيسي لجولدمان ساكس داخل هيئة الاستثمار الليبية. كان ثلاثتهم يحملون عقود جولدمان وينظرون فيها، فيما ينظرون إلى قباج أثناء دخوله.

جولدمان

نيك بنتريث

تأهب قباج ثم بدأ في الحديث مع زرتي، والذي يبلغ من العمر 38 عامًا، ذلك الرجل ذو الجسم الممتلئ والشعر الأسود، والذي يدخن بشكلٍ مستمر. قال قباج إن جولدمان لديها بعض الأفكار التجارية الجديدة، وهنا قاطعه زرتي غاضبًا، وقال إنه يريد التحدث عن الصفقات التي أُغلِقت من قبل، وليس ما هو قادم. بدأ قباج يكتب على اللوح، متحدثًا عن مبادئ أساسية، فيما تحدث بنتريث عن التفاصيل الفنية.

هنا، قاطعه زرتي من جديد بغضب قائلًا: «يوسف، أنا أسألك»، قالها بصوت مرتفع وبكلمات تمتزج فيها العربية والإنجليزية، إذ اتهم قباج بخداع هيئة الاستثمار الليبية، وتوريطها في صفقات لا تفهمها، كما وصف جولدمان بأنه «بنك المافيا»، وقال إن بإمكانه التصرف مثل المافيا أيضًا. هنا خرج زرتي من الغرفة، تاركًا قباج وبنتريث.

كان الرجلان في حالة صدمة، ما دعاهما ليسألا مساعدي زرتي عما حدث، ولم يكن أيّ منهم يملك الإجابة. بعد عدة دقائق، عاد زرتي من جديد، وكان أكثر غضبًا من ذي قبل. في ذلك اليوم، تواجدت المحامية الأسترالية كاثرين مكدوجال داخل المكتب، وتذكر عن ذلك اللقاء أن كلمات زرتي كانت تدور حول السباب بالأم لقباج وبنتريث، وأنه قال لهم: «اخرجا من البلاد»، وهنا حزم كلاهما أشياءه.

ثم لحقهما زرتي إلى الممر، وقال لقباج إن لم يُعوض هيئة الاستثمار، فسيكون الانتقام من عائلته في المغرب، وبينما انتظرا المصعد للخروج من المبنى، كان زرتي يقول: «ماذا تفعلان هنا؟ اخرجا من المبنى»، كما قال لبنتريث إنه ما لم يخرج من المبنى سريعًا، فسيلقيه من النافذة. كان قباج في حالة صدمة، وخصوصًا من تهديدات زرتي له حول سلامته وسلامة عائلته.

قصة إغواء جولدمان لليبيا يمكن استنباطها من شهادات المحكمة، والمقابلات مع الأشخاص الذين كانوا ضمن هذه العمليات، كانت مكلفة للغاية، إذ خسرت ليبيا في عام واحد قرابة 1.2 مليار دولار، وتمكنت جولدمان من تحقيق أموال لم تتخيل تحقيقها بهذه السهولة.

جولدمان

مصطفى زرتي، نائب رئيس هيئة الاستثمار الليبية

تناول التقرير نظرة تاريخية سريعة على التاريخ الليبي، ووصول القذافي للحكم بانقلاب عسكري، كما تناول ذكرى التأثير الذي أحدثته العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة على البلاد. ونظرًا لخوف القذافي من أن يلقى مصير صدام حسين في العراق، بدأ في التراجع عن برنامجه لأسلحة الدمار الشامل، وهو ما قاد الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات الاقتصادية، وصولًا إلى عودة العلاقات إلى طبيعتها في 2006. وعلى الرغم من أن القذافي بدا كرجل أخرق وطاغية يجبر شعبه على دراسة كتابه الأخضر، إلا أنه كان رجلًا يمكن للغرب عقد الصفقات معه.

دخول جولدمان ساكس

وبالحديث عن عودة ليبيا للمجتمع الدولي، وثرواتها النفطية الكبرى، جاء دور جولدمان ساكس. في نفس العام الذي أسس فيه القذافي هيئة الاستثمار الليبية، حققت جولدمان أكبر أرباح في تاريخ وول ستريت، ودفع البنك لموظفيه مبالغ متوسطها 622 ألف دولار، بينما حصل بعض الموظفين ممن جاءوا بصفقات كبرى على أضعاف هذا الرقم.

انضم قباج لفرع جولدمان ساكس في لندن عام 2006، إذ وُلِد في عائلة ثرية في الرباط، ودرس في مدرسة مرموقة في باريس، قبل أن يحصل على درجة علمية في الهندسة من معهد MIT الأمريكي الأبرز عالميًّا. كان عمل قباج في البداية يتركز حول إنتاج خوارزميات للتداول، إلا أنه أصر على أن يحصل على دورٍ ما في المبيعات، إذ رأى أن بإمكانه تسلق السلم بسرعة من خلال قربه من العملاء، وهنا كانت الفرصة الوحيدة المتاحة في أفريقيا، وهي المنطقة التي لم تكن تدر أيّ دخلٍ تقريبًا على المؤسسة الكبرى.

بحسب التقرير، كان قباج من أوائل الذين أدركوا كم الأموال الموجودة في أفريقيا، وفي المقابل كانت جولدمان تأمل أن تدخل ليبيا كهدف مستقبلي. في ذلك الوقت، تواصل قباج مع هيئة الاستثمار الليبية، وعلم أن زرتي سيكون في زيارة قريبة للندن، وأنه على استعداد ليستمع لما سيقوله. لم يكن زرتي ذا خبرة طويلة في هذا المجال، إلا أنه كان صديقًا مقربًا من سيف الإسلام القذافي، نجل الرئيس الليبي، وهو أفضل ما يمكن أن تفعله للحصول على وظيفة حكومية كبرى في ذلك الوقت.

كان لزرتي سكرتيرة مرموقة تدعى صوفيا ويلزلي، وهي حفيدة دوق ويلينجتون آرثر ويلزلي، وقد ساعدته كثيرًا على الظهور بصورة مرموقة للغاية. ولدى وصول زرتي وويلزلي إلى مقر جولدمان في لندن في 6 يوليو/تموز 2007، حظي كلاهما بمعاملة خاصة؛ إذ تنقل معهما قباج داخل المقر الذي بدا مبهرًا بالنسبة لزرتي. كان زرتي يكرر السؤال حول ما إذا كان يمكنه التدخين، بينما لم يكن ذلك ممكنًا، إلى أن وصل إلى مكتب ذي حوائط زجاجية ليلتقي بإدريس بن إبراهيم المسئول بجولدمان ساكس، والذي يحمل جنسية نمساوية من أصول مغربية، وقد كان معروفًا في العالم العربي، خاصةً بعد تقارير أشارت إلى حصوله على مكافآت بقيمة 54 مليون دولار في 2004.

أعطى بن إبراهيم نبذةً لزرتي عن حجم جولدمان ساكس، إذ يعمل بها 26000 موظف، وتبلغ عائداتها 69 مليار دولار، وأرباحها 9.5 مليار دولار، وهنا علق زرتي مازحًا: «إذا كان لديكم علم فبإمكانكم تكوين دولة خاصة بكم»، ثم وجه الدعوة لجولدمان ساكس للقدوم إلى ليبيا للتفاوض حول ما إذا كان من الممكن أن تستثمر هيئة الاستثمار الليبية جزءًا ما في جولدمان، بين 100 إلى 200 مليون دولار.

جولدمان

إدريس بن إبراهيم

بعد ذلك بفترة قصيرة، انتقلت مجموعة من جولدمان ساكس إلى طرابلس، وضمت بن إبراهيم، وقباج، وآخرين هما: لوران لالو، وإدوارد إيسلر، وجميعهم من البارزين في جولدمان ساكس. نزلت المجموعة في فندق كورينثيا الباهظ الثمن. الانطباعات الأولى للمجموعة عن هيئة الاستثمار الليبية لم تكن مبشرة، إذ إن برج الفاتح لم يبد لهم كمركز لمليارات الدولارات، حيث إن البناء الذي بني منذ 25 عامًا لم يكن به حتى عدد كافٍ من المصاعد، كما لم يبدُ المكان بتلك الجودة كما رأوه، إلا أن تلك الشكوك اختفت عندما شرح محمد لياس -الخبير المصرفي الليبي- للمجموعة عن الطموحات الاستثمارية للهيئة، وأنها على تواصل مباشر مع القذافي.

جولدمان

لوران لالو

أموال ليبيا أكثر من المتوقع

بعد ذلك، كان بن إبراهيم في عطلة جنوب فرنسا في يوليو/ تموز حينما طلب زرتي التواصل معه، ومقابلته على متن يخت متواجد في فرنسا في ذلك الوقت، وحينما صعد بن إبراهيم لليخت، أدرك أنه لسيف القذافي، وبعد حوار قصير، أدرك بن إبراهيم أن ليبيا بها الكثير من الأموال، أكثر مما تظن جولدمان، إذ كانت البلد قد اكتشفت المزيد من حقول النفط والغاز.

طلب بن إبراهيم من قباج التواجد في طرابلس بشكل مستمر، لكي يكون قريبًا من العملاء المحتملين، إذ أخبره أن هذه الفرصة المتاحة أمامه لن يواجهها سوى مرة واحدة في عمره. قبل نهاية سبتمبر/ أيلول من العام نفسه، كان قباج قد سافر إلى طرابلس أربعة مرات بالفعل، كما أصبح من الزوار الدائمين لبرج الفاتح، والذي حصل على مكتب خاص به، وبدأ بتعليم الموظفين الصغار مبادئ المالية والاستثمار، ومن هنا بدأ قباج يوطد علاقاته داخل هيئة الاستثمار الليبية بقوة.

جولدمان

سيف القذافي

بنهاية سبتمبر/ أيلول 2007، كانت هيئة الاستثمار الليبية جاهزة لتقديم أول اتفاقياتها الاستثمارية مع جولدمان ساكس بقيمة 350 مليون دولار مقسمة إلى جزئين، وهنا انتقل بن إبراهيم ومجموعته مجددًا إلى طرابلس في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول في طائرة خاصة. كان ذلك في شهر رمضان، وتناولوا الإفطار في فندق كورينثيا، في حين كان رئيس هيئة الاستثمار الليبية على رأس الحاضرين.

كانت هيئة الاستثمار الليبية تنوي تقسيم استثماراتها بين 20 بنكًا مختلفًا، إلا أن مسئولي جولدمان تمكنوا من إقناعهم بعلاقة أكثر قوة، وأن بإمكان المؤسسة منح الهيئة تدريبات وأبحاث، كما يمكنها أن تضم ليبيا إلى قائمتها الخاصة من المستثمرين، كنوع من الشراكة الإستراتيجية، إذ قال بن إبراهيم للحضور إن بإمكان الطرفين تحقيق الربح. بعد ذلك، عاد بن إبراهيم إلى لندن، وترك جبور وقباج لمناقشة عروض جولدمان للهيئة.

استثمار وهمي

في يناير/ كانون الثاني 2008، كان الليبيون يفكرون في الاستثمار في بعض الشركات، وقد علم قباج من خلال محادثاته مع هيئة الاستثمار أن القذافي يريد محاكاة ما يحدث في قطر، ومن بينها مجموعة Citigroup والتي كانت تلقت استثمارات كبرى قبل ذلك الوقت بأقل من شهرين، إلا أن قباج نجح في توقيع عقدين آخرين بقيمة بلغت 200 مليون دولار، إلا أنها كانت صفقة أكثر تعقيدًا بحسب وصف جولدمان ساكس، تهدف للاستثمار في سيتي جروب بطريق غير مباشر، يعطي لهيئة الاستثمار الليبية تحقيق أرباح مضاعفة في حال ارتفاع أسهم سيتي جروب، في حين تخسر الهيئة الاستثمار بالكامل في حال انخفضت قيمة الأسهم بنسبة معينة.

تواصلت الصفقات بعد ذلك مع توقيع عقد جديد بقيمة 175 مليون دولار، وهنا انتشرت الأحاديث حول أعمال جولدمان في ليبيا، وعلم قباج أن بنك سوسيتيه جنرال الفرنسي يجهز لصفقات كبرى مع هيئة الاستثمار الليبية. أرسل قباج إلى زميل له في طرابلس أن هناك أحاديث حول أن جولدمان ساكس تخدع هيئة الاستثمار الليبية، وطلب منه الإبقاء على الأرقام كأمر سري للغاية.

أنفق قباج المزيد من الأموال على الليبيين، وأهدى بعضهم هدايا قيمة، كما استقبل عددًا منهم في لندن في فبراير/ شباط ليتلقوا تدريبًا في جولدمان، إذ غطت الشركة جميع تكاليفهم، بينما اصطحبهم قباج إلى أفخم مطاعم لندن. بدا واضحًا لقباج ومديريه المستوى الضعيف علميًّا ومعرفيًّا لليبيين فيما يتعلق بهذا المجال.

جولدمان

محمد لياس/ مدير هيئة الاستثمار الليبية

ذكر التقرير أنه كانت لزرتي أهداف متعددة تتجاوز نجاح بلاده، إذ كان يرغب في مساعدة شقيقه الأصغر «هيثم» في تعلم التجارة المصرفية من خلال تدريب في جولدمان ساكس، وبالتأكيد لن يرغب قباج في أن يخذل أفضل عملائه. وجد قباج سهولة في التواصل مع هيثم، ذلك الشاب الذي يبلغ من العمر 25 عامًا، والذي كان خجولًا ولينًا بعكس أخيه. كان هيثم وقباج عازبين، وينحدران من أسر كبرى في شمال أفريقيا، لذا قضيا إحدى العطلات معًا في المغرب في نهاية فبراير/ شباط، قبل أن ينتقلا إلى دبي، حيث عرض قباج على هيثم حضور مؤتمر لجولدمان في أحد الفنادق الفخمة.

بعد وصولهما مباشرة، استخدم قباج هاتف الشركة للتواصل مع إحدى بائعات الهوى والتي تحمل اسم «ميشيلا»، يسألها عما كانت تتذكره، وأنه قد وصل للتو إلى دبي، وما إذا كانت متاحة لقضاء الليلة، ثم تناقشا حول السعر، ليتفقا في النهاية على أن يدفع قباج 300 دولار، بشرط أن يكون صديقه وسيمًا مثله (كما قالت الفتاة). لا يوجد أي سجل لما حدث بعد ذلك، ولكن في اليوم التالي أرسل قباج لهيثم أنه يحتاج للراحة.

أرسل هيثم سيرته الذاتية بعد العودة من دبي إلى قباج، والتي لم تكن ترقى بالتأكيد للعمل في جولدمان ساكس، إذ كان آخر خبرته هو العمل في نادي للفيديو عام 2003، وهنا كان بن إبراهيم يناقش أمر تدريب هيثم في جولدمان، وأنه كان قلقًا من رفضه، والذي يعني بالضرورة إغضاب مصطفى زرتي. وفي أبريل/ نيسان، قدمت جولدمان عرضًا لهيثم لمدة 6-12 أسبوعًا، وفي اليوم التالي كان قباج يناقش مع زرتي صفقات جديدة.

في الشهر ذاته، قضى قباج عطلةً أخرى مع هيثم في مراكش، وأخذه إلى دبي مرة أخرى. قضى هيثم بعض الوقت ملتزمًا بتدريبه في جولدمان، وهنا سأله قباج بعد عدة أيام عن الموعد الذي يحب أن يبدأ فيه العمل لأن أخاه يرغب في أن يحدث ذلك بسرعة، فاختار أن يبدأ من بداية يونيو/ حزيران، ثم سأله عن المدة التي يرغب في قضائها في التدريب، وفي غضون ذلك، وقع زرتي عقدًا جديدًا مع جولدمان ساكس بقيمة 2.4 مليار دولار، وهو من أكبر العقود التي حصلت عليها جولدمان في تاريخها.

بداية السقوط

تزايد حكم أعمال جولدمان ساكس مع ليبيا بشكلٍ ملحوظ، كما أصبح يشار إلى يوسف ربما باعتباره أبرز موظفي المبيعات في جولدمان ساكس عالميًّا، إلا أن سقوط جولدمان في ليبيا بدأ بالتزامن مع وصول كاثرين مكدوجال، وهي محامية أسترالية تعمل في شركة «Allen & Overy» البريطانية، والتي كانت في السادسة والعشرين من عمرها عندما وصلت إلى طرابلس لأول مرة في 1 يوليو/ تموز 2008 للعمل مع هيئة الاستثمار الليبية، ممثلة لمؤسستها. تنقلت مكدوجال من قبل في الشرق الأوسط، إلا أن ليبيا كانت تجربة جديدة بالنسبة لها.

كانت مكدوجال في حالة ذهول من ضعف مستوى موظفي هيئة الاستثمار الليبية، ومن أن مستواهم في التوثيق القانوني للعقود ربما يصل إلى صفر، بحسب ما ذكرته في شهادتها لاحقًا؛ بل ووصفت الأمر أنه كان أشبه بشركة إعلانات ليس لديها أجهزة تلفاز. كان من بين أعمال مكدوجال مراجعة بعض الورقيات الخاصة بصفقات جولدمان مع موظفي هيئة الاستثمار، وهنا لاحظت انبهارهم بقباج، والذي اعتبروه صديقًا لهم، وهنا عرفت بعض التفاصيل عن لقاءاته معهم، وحفلات العشاء الفاخرة التي يدعوهم لها في لندن والمغرب، والتي تغطيها جولدمان بالتأكيد.

أدركت مكدوجال أن هيئة الاستثمار الليبية لم تشترِ أسهمًا حقيقية، وأن حتى موظفي الهيئة لم يدركوا ذلك، وهنا أدركت أنه من الممكن أن تخسر الهيئة كل أموالها. في ذلك الوقت، كانت أسهم سيتي جروب قد انخفضت بالفعل بنسبة 40% منذ بداية العام، وهنا نقلت مكدوجال مخاوفها لزرتي والذي أخذ برأيها في عدة أمور، ليطلب زرتي من قباج العودة إلى طرابلس. في 23 يوليو/تموز 2008، كان قباج يجلس في الطابق الـ22 من برج الفاتح، ويفكر في الـ9 مليون دولار التي سيحصل عليها من جولدمان ساكس، بينما يتساءل لماذا تركه زرتي ينتظر كل ذلك الوقت في الخارج.

بعد الحوار العنيف الذي وجهه زرتي لهم، عاد قباج وبنتريث إلى فندق كورينثيا، وهنا أدركا أن التهديد عندما يأتي من أحد المقربين من عائلة القذافي، يجب أن يأخذ على محمل الجد تمامًا. تواصل قباج مع مسئول بارز في جولدمان في لندن، والذي أخبره أن الشركة ستفعل كل ما بوسعها لتخرجهما من ليبيا بسلام، وأنهم يدرسون طريقة إخراجه، وطلب منه عدم مغادرة الفندق. كان الفندق آمنًا، إذ يقع في محيط السفارة الأمريكية، ويحظى بتأمين كبير من قوات المارينز الأمريكية، وتمكن الرجلان في الصباح التالي من السفر إلى لندن.

بعد ذلك بسبعة أسابيع، جاءت نهاية العالم، إذ وقعت الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي جعلت من الرهانات الليبية على الأسهم بلا قيمة، لتخسر هيئة الاستثمار الليبية 1.2 مليار دولار.  لم تذكر جولدمان من جانبها أرباحها من تلك العملية، في المقابل قالت هيئة الاستثمار أن أرباح جولدمان من الأمر تجاوزت 200 مليون دولار.

لم يحصل قباج على الـ9 ملايين أبدًا، وبعد ما حدث في  ليبيا، أُخبِر بشكل مباشر أنه سيُطرد من وظيفته في حال تواصله مع هيئة الاستثمار الليبية. كان قباج بعد ذلك مسئولًا عن عمان وكوريا الشمالية، وهو ما لم يكن مرضيًا بالنسبة له. في نوفمبر/ تشرين الثاني 2008، هدد قباج بمقاضاة جولدمان ليحصل على ما وُعِد به، وأن حياته كانت في خطر وأنه سمعته قد دُمِرت، وهنا وافقت جولدمان على منحه 4.5 مليون دولار بحسب ملفات المحكمة، بشرطين، وهما أن يغادر جولدمان ساكس، وأن يبقى هادئًا بشأن ما حدث.

الأمر المفاجئ كان استمرار هيثم زرتي في جولدمان بعد قباج، إذ مدد البنك تدريبه لمدة 11 شهرًا. حاليًا، يعمل قباج في مجموعة مالية صغيرة في دبي، والذي أكد في تصريح له في يونيو/ حزيران الماضي، أنه لم يدفع هو أو جولدمان ساكس أية أموال من أجل متع غير لائقة لموظفي هيئة الاستثمار الليبية.

مع سقوط نظام القذافي في 2011، وسقوط طرابلس في يد المعارضة في أغسطس/ آب من العام نفسه، هرب زرتي إلى فيينا. هنا، بدأت القيادات الجديدة في ليبيا طرح الأسئلة حول تعاملات هيئة الاستثمار الليبية، وتوصلت تحقيقات أجرتها مجموعة دولية إلى أن الهيئة وقعت عقودًا مع 70 بنكًا وهيئة استثمارية مختلفة بنهاية عهد القذافي، كان أغلبها عقودًا خاسرة. في 2013، طلب عبد المجيد بريش المدير الجديد للهيئة من مجموعة Deloitte فتح تحقيق لمراجعة الخسائر، وتقصي ما إذا كان يمكن استرجاع أي شيء من خلال المحاكم. قاضت هيئة الاستثمار الليبية جولدمان ساكس للحصول على 1.2 مليار دولار في لندن، وتحديدًا في 21 يناير/ كانون الثاني 2014، ثم قاضت بنك سوسيتيه جنرال لاحقًا.

جولدمان

عبد المجيد بريش، مدير هيئة الاستثمار الليبية بداية من 2013

بدأت جلسات قضية الهيئة وجولدمان ساكس تظهر للعلن في يونيو/ حزيران 2016، في مشهد لم يغب عنه الوضع الليبي الحالي، ووجود حكومتين متضاربتين، ومتمردي الدولة الإسلامية داخل البلاد. فيما تجري حاليًا إجراءات القضية والتحقيقات المالية، والتي قالت فيها هيئة الاستثمار الليبية إن موظفيها لم يفهموا على الإطلاق أنهم لم يقوموا بشراء أسهم، أو أنهم لم يفهموا أي شيء على الإطلاق، وكانوا ضحية لهدايا جولدمان ساكس، كما جاء العديد من الموظفين الصغار في الهيئة ليدلوا بشهاداتهم في القضية.

 

كان رد جولدمان بأن الهيئة تبالغ فيما تقول، وأنه حتى ولو لم يفهم الموظفون تلك الصفقات فهي ليست مشكلة البنك، وأن الليبيين دخلوا ذلك الأمر بمحض إرادتهم، كما أضاف روبرت مايلز -محامي جولدمان ساكس- أن الهيئة كانت على علم بأن قباج هو موظف مبيعات، وأن مهمته هي بيع عقود استثمارية لتربح مؤسسته.

سيصدر الحكم النهائي في أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، وربما عدم اتخاذ جولدمان ساكس لقرار التسوية قد يؤثر في سمعتها، خاصةً مع عرض رسائل داخلية تتحدث عن بائعات هوى، وعن وصف الليبيين بأوصاف سيئة، كما أنه في حال فوز الليبيين بالقضية، ستكون جولدمان عرضة لمزيد من القضايا من عملاء آخرين بنفس الطريقة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد