تطبيقًا للدستور، كان من المفترض أن تنتهي حالة الطوارئ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، لكن أُعلنت على الفور حالة طوارئ جديدة لكنها لم تدخل حيز التنفيذ حتى 13 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

عاش المصريون أيامًا معدودة خلال الشهر الجاري أكتوبر (تشرين الأول) -للمرة الأولى خلال ستة أشهر- خارج حالة الطوارئ. وكانت المحكمة الدستورية العليا في البلاد أصدرت حكمًا باختصاص المحاكم العادية –وليست العسكرية- بالحكم في قضايا اختراق قانون الطوارئ في التظاهرات.

كانت هذه هي الكلمات الافتتاحية لتقرير أعده كل من ناثان جيه. براون –مدير معهد الشرق الأوسط للدراسات في جامعة جورج واشنطن وهو زميل غير مقيم في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي- ومي السعدني –زميلة غير مقيمة للتحليل القانوني والقضائي في معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط.

يقول التقرير الذي نشر في صحيفة «واشنطن بوست»، أنه رغم ما يبدو أنه فوز لصالح الشعب، فإنه في الواقع ليس إلّا انتصارًا للدولة الأمنية. فهذه الخطوات تم اتخاذها بطريقة ساخرة من مطالب انتفاضات العرب في عام 2011، وكشفت عن عمق التدابير السلطوية التي زرعت في نظام القانون المصري.

عودة إلى دولة الطوارئ المستمرة

أثناء كتابة دساتير ما بعد انتفاضة المصريين في 2011، ضغط الإصلاحيون بشدة لتحجيم قانون الطوارئ –يشير التقرير- آخذين في الاعتبار أنه استخدم لحكم البلاد في وقت كان فيه عدد من التدخلات أو المعوقات، إذ أنه –قانون الطوارئ- تم إعلانه مع بداية الحرب العالمية الثانية. إن وثيقة الحكم الحالية (الدستور) أعلنت في 2014، في وقت كانت المؤسسات الأمنية تعيد سيطرتها على البلاد، وبالتالي حافظت على القليل من أفكار هؤلاء الإصلاحيين.

ويقول التقرير إن دستور عام 2014 وضع حدودًا على الحكَّام فيما يخص قانون الطوارئ، إذ أنهم في الماضي كان بإمكانهم إعلان حالة الطوارئ لسنوات تنتهي بتجديدات دورية، لكن الدستور ألغى ذلك، وأصبح إعلان الطوارئ يتطلب ليس فقط موافقة برلمانية وإنما يجب أن ينتهي خلال ثلاثة أشهر كحد أقصى. ومع ذلك يمكنهم التجديد لكن لمرة واحدة فقط، ويتطلب ذلك موافقة أغلبية البرلمان.

إن حالة الطوارئ التي بدت دائمة في مصر تحت حكم النظام القديم، انتهت في 2012 –يؤكد التقرير- ومنذ ذلك الحين، أعلن بعض الرؤساء حالة الطوارئ، لكن غالبًا كان يخص ذلك مناطق معينة ولفترة زمنية محددة يفرضها الدستور. وفي أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت حالة الطوارئ في عموم البلاد، وتمت الموافقة عليها برلمانيًا كما هو متبع. وفي يوليو (تموز) الماضي، تم تجديد الطوارئ، ولاقى هذا التجديد موافقة من النواب مرة أخرى. ثم تطبيقًا للدستور –يشير التقرير- فإنه كان من المفترض أن تنتهي حالة الطوارئ في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، لكن وبطريقة مثيرة للجدل –وربما غير مفاجئة- أعلنت على الفور حالة طوارئ جديدة لكنها لم تدخل حيز التنفيذ حتى 13 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري.

كان هذا الالتفاف، بالطبع، خرقًا واضحًا لروح الدستور –يقول التقرير- ويمكن القول أنه خرق لنص الدستور أيضًا، إذ أنه من الواضح أن الإعلان التجديدي تم تجهيزه وصياغته قبل انتهاء مدة الطوارئ الموجودة بالأساس. ويضيف التقرير أن هناك دليلين قويين على ذلك وهما أولًا، السرعة التي أعلن بها عن التجديد، والآخر هو الخطوة الاستباقية التي اتخذت قبل وقت قصير جدًا من انتهاء مدة حالة الطوارئ الموجودة بالفعل، إذ منحت أقسام الطوارئ بمحاكم أمن الدولة العليا تنشيطًا لصلاحياتها. فهذه الهيئات لا تعمل أو تحكم في الجرائم المرتكبة إلا تحت حالة الطوارئ. ولم يكن هناك داعٍ من تنشيط هذه الأقسام أو منحها صلاحية العمل إلا إذا كانت هناك حالة طوارئ أخرى سيتم فرضها.

اقرأ أيضًا: أرقام صادمة: حصاد 5 أشهر من فرض حالة الطوارئ في مصر

قانون التظاهر والمحاكم العسكرية

يشير التقرير إلى الحكم الذي صدر عن المحكمة الدستورية العليا هذا الشهر، والذي أسند صلاحية الحكم في قضايا خرق قانون التظاهر إلى المحاكم العادية بدلًا من المحاكم العسكرية. كان المعارضون للمحاكمات العسكرية للمدنيين حاولوا باستماتة ضمان كتابة ما يحمي المدنيين من هذه المحاكمات في دستور عام 2014، لكن مناشاداتهم رفضت بشكل قاطع.

يتساءل التقرير إذا ما كانت المحكمة الدستورية العليا تريد تراجعًا للمحاكم العسكرية عن طريق ذلك الحكم الذي أصدرته مؤخرًا، لكنه يعود ويجيب عن السؤال: «بالطبع، لا».

يوضح التقرير أن القضية لم تكن دستورية بالأساس، فهي كانت نزاعًا على الاختصاصات القضائية بين محكمتين، إذ كانت المحكمتين المدنية والعسكرية تحاول كل منهما إسناد القضية للأخرى، ويؤكد أن المحاكم العسكرية لم تكن تتوقع أو أنها طلبت من الأساس صلاحيات الفصل في تلك القضايا.

علاوة على ذلك –يشير التقرير- وبغض النظر عن هذا الحكم، فهناك على الأقل تشريعين يضمنان للمحاكم العسكرية استمرار تمتعها بسلطات واسعة بغض النظر عن الكيفية التي تلتزم بها المحاكم العادية في إجراءاتها. فقد حافظ دستور عام 2014، بشكل عام، على حماية وجود العملية القضائية العسكرية، وسمح بعدد من السيناريوهات الفضفاضة التي يحاكم فيها المواطن المدني عسكريًا.

ويضيف التقرير أن المرسوم الرئاسي الصادر عام 2014، نص على أن المرافق العامة والممتلكات سيقوم بحمايتها الجيش المصري، كما نص على أن أي جرائم ترتكب من قبل مدنيين في تلك المرافق والممتلكات ستتم محاكمتهم أمام المحاكم العسكرية. مما أدى إلى توسع كبير في الأسباب التي قد يقدم بسببها أي مواطن عادي يوميًا للمثول أمام محكمة عسكرية.

وفي حين كانت المحكمة الدستورية العليا تخطو لتجريد المحاكم العسكرية من القضايا التي لم تكن ترغب في نظرها بالأساس، فإن حالة الطوارئ استخدمت لتوسيع اختصاصات محاكم أمن الدولة العليا-طوارئ. وقد أعاد المرسوم الرئاسي الصادر 8 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، إحياء اختصاصات هذه المحاكم، ما يسمح للنيابة العامة بتوجيه عدد كبير من القضايا مباشرة إليها، وهي على سبيل المثال لا الحصر: قضايا الجنايات والجنح «التي تضر بالحكومة داخليًا»، والتحريض على قلب نظام الحكم، والجرائم الاقتصادية بموجب قانون السلع التموينية وقانون التسعير الإلزامي وتنظيم الأرباح، بالإضافة إلى قضايا إهانة رئيس الدولة، وخرق قانون التظاهر، وعدد آخر من الجرائم بموجب قانون مكافحة الإرهاب الجديد.

حالة الطوارئ أصبحت هي الحالة العادية

يقول التقرير إنه بهذه الطريقة التي يتم بها توسيع السلطات لأداة قضائية كانت منوطة فقط بالعمل في حالات «الطوارئ»، فإن السلطات المصرية بذلك جعلت الحكم الأخير للمحكمة الدستورية العليا لا جدوى له تقريبًا، كما أنها تحجِّم من تأثير نظام المحكمة العادية، بل إنهم بذلك يركزون جهودهم لخلق عملية قضائية موازية تضمن الخروج بأحكام لصالح الدولة الأمنية.

ويختتم التقرير أنه مع حالة الطوارئ الجديدة فإن السلطات الأمنية أصبح لديها سلطات أخرى أوسع، من ضمنها اعتراض الاتصالات الشخصية، ومراقبة الرأي العام، بالإضافة إلى تجاوز الكثير من الإجراءات القانونية. إن حالة الطوارئ في مصر أصبحت هي الحالة العادية الجديدة، وبكلمات أخرى، فإن العادي الذي كان سائدًا في عهد قديم لم يعيدوه إلى الحياة فقط، لكنه أصبح متجددًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد