في تقرير نشرته مجلة سيكولوجي توداي الأمريكية، أوضحت أستاذة علم النفس بجامعة ماساتشوستس أمهرست، سوزان كراوس ويتبورن، أن الانسان يقوم بإطلاق الأحكام المتحيزة على الآخرين بناء على دوافعه وعلى علاقته بهم. وقد أعطى التقرير نصائح لإعطاء أحكام عادلة على الآخرين، فهذه الأحكام قد تحدد قرارات هامة كقبول أحدهم في وظيفة أو رفضه.

من المعروف أن الإنسان يكوّن انطباعات وأحكام عن الناس بعد ثوانٍ من مقابلتهم. بمرور الوقت، قد تتغير هذه الانطباعات، لكن الإنسان يظل منحازًا لانطباعه الأول. لذلك يعتبر تقييم شخصيات الآخرين أمرًا هامًا؛ لأنه سيحدد علاقتك بهم فيما بعد. وربما يستغرق الأمر وقتًا أطول حتى تشعر أنك تفهم شخص ما بالشكل الكافي لبناء فهمك الخاص لبعض صفاته، مثل انضباطه أو انفتاحه أو استقراره العاطفي.

يناقش هذا التقرير دراسة جديدة تقارن بين التقييم الذاتي للشخصية وبين تقييم الآخرين، وتعطي نظرة عن كيفية حدوث ذلك، وكيفية تحسين مهاراتك في الحكم.

اقرأ أيضًا: مترجم: 11 شيئًا لا يدرك الآخرون أنك تفعلها لأنك انطوائي

أهمية الحكم على الآخرين

قام الباحث كورنيليوس كونيج وفريقه البحثيّ بجامعة سارلاند الألمانية بدراسة دقيقة عن مدى تطابق تقييم الآخرين للشخصية مع تقييم الشخص لنفسه. ووضع الفريق البحثي تركيزه على تقييم الشخصيات داخل محيط المنظمات، إذ إن هذه الأحكام تؤثر على قرارات المدراء وموظفي الموارد البشرية خلال عملية تقديم الطلب الوظيفي. على سبيل المثال، تعتبر صفة الاجتهاد أو «ما سوف يقوم به هذا الشخص» بنفس أهمية الموهبة أو «ما يستطيع أن يقوم به هذا الشخص».

عادة ما يمر المتقدمون للوظائف باختبارات شخصية لتقييم الذات، ولكن بمجرد تعيينهم يتم تقييم شخصياتهم من قِبل المشرفين عليهم. في بعض الحالات، يُطلَب من المتقدمين للوظيفة تقديم توصية من صاحب العمل السابق، وبالتالي فإن تقييم المشرفين السابقين يمكن أن يكون له دور في عملية التوظيف.

وجد الباحثون أن تقييم المشرفين لمرؤوسيهم كان أعلى من تقييم المرؤوسين لأنفسهم، وهذا يتناقض مع المعروف عن تحيّز التقييم الذاتي. وقد فسّر الباحثون هذه النتيجة بأن الدراسة أجريت في سويسرا، والتي يعتبر التواضع أحد سمات مواطنيها.

وأشار الباحثون الألمان الذين أجروا الدراسة أن تقييم المشرفين السابقين عادة ما يُعتدّ به بشكل أكبر من التقييم الذاتي؛ لأن الإنسان عادة ما يحاول تغطية عيوبه عند قيامه باختبار تقييم الشخصية، خاصّة إذا كان قرار تعيينهم في الوظيفة يعتمد على نتائج الاختبار، في حين يكون المشرفون أقل تحيزًا. على الرغم من ذلك، يمكن للمشرفين أن يزيفوا تقييمهم، خاصة إذا كانوا على علاقة جيدة بالشخص الذي يقيمونه.

وكذلك الحال بالنسبة للأحكام التي تطلقها عند تقييمك للأشخاص الذين تعرفهم، فيمكن أن تتأثر بناء على علاقتك بهم. فإذا كنت تصدر حكمًا على شخص تحبه، فإنك تميل لأن تتجاوز عن عيوبه. وعند إصدارك حكمًا على شخص لا تعرفه جيدًا، فإنك ستتأثر بمظهرهم الخارجي، بما في ذلك جاذبيته وملابسه ولغة جسده، وكثيرًا ما يكون هذا الحكم خاطئًا.

لماذا تنحاز أحكامنا؟

أجرى كونيج وفريقه دراستين على شركات سويسرية طُلِب فيها من المشرفين تقييم شخصيات الموظفين. في الدراسة الأولى، أُخبِر المشرفون بأن عليهم تخيل أن الموظفين سوف يتركون الوظيفة لأسباب شخصية، وعليهم تقييمهم. في هذه الحالة، توقّع الباحثون أن تكون تقييمات المشرفين أكثر إيجابية مما لو كان الهدف هو إعطاء تقييم دقيق. وبعد أسبوعين، طُلِب من نفس المشرفين، إعطاء تقييمات صادقة لنفس الموظفين. في هذه الحالة، لم يكن لدى المشرفين أيّ دافع لتقدير الموظفين بشكل مبالغ فيه، بحسب ما توقعه الباحثون.

كانت الجوانب التي قام المشرفون بتقييمها هي الاجتهاد، ويتضمن السعي لتحقيق الإنجازات والانضباط والحذر، والثقة بالنفس. تضمن التقييم عدة نقاط، مثل «وضع الخطط إلى حيز التنفيذ»، والتي يتم تقييم السعي لتحقيق الإنجازات من خلالها، و«مستعد دائمًا» لتقييم الانضباط، و«يندفع للقيام بالأشياء» لتقييم الحذر، و«ينتظر الآخرين لقيادة الطريق» لتقييم الثقة بالنفس. كان على المشرفين التأكيد على أنهم يعرفون موظفيهم جيدًا بما يكفي لتقييمهم، لكن اختيار أي الموظفين سيقوم المشرف بتقييمه كان مبنيًا على الاسم الأخير، وليس على علاقته بالمشرف.

كما كان متوقعًا، أعطى المشرفون تقييمات أفضل لموظفيهم في الحالة الأولى، لكن الفارق بين التقييمين لم يكن كبيرًا. لم تتضمن هذه الدراسة تقييم الموظفين لأنفسهم، لذلك فإن الاستنتاج الوحيد من هذه الدراسة هو أن المشرفين قد يقومون بالتلاعب في تقييمهم لموظفيهم، مثلما قد يتلاعب الأشخاص بتقييمهم الذاتي.

لتستطيع تقييم الناس بشكل عادل، عليك تزيل أية دوافع من عقلك؛ لأنها قد تجعلك راغبًا في المبالغة بتقدير شخص ما أو التقليل منه. عليك دائمًا أن تفكر في ما قام به هذا الشخص بالفعل، وأن تكون مُحدَّدًا دون التطرق لعوامل خارجية تؤثر على حكمك.

في الدراسة الثانية، تم تصحيح خطأ الدراسة الأولى إذ تضمنت الدراسة تقييم المشاركين، وهم طلاب عاملون، لأنفسهم إلى جانب تقييم مشرفيهم. وقد طُلب من كل من المشاركين والمشرفين إعطاء تقييمات في نفس حالتي الدراسة الأولى.

كانت النتيجة مفاجئة، إذ وجد الباحثون أن تقييم المشرفين لمرؤوسيهم كان أعلى من تقييم المرؤوسين لأنفسهم، وهذا يتناقض مع المعروف عن تحيّز التقييم الذاتي. وقد فسّر الباحثون هذه النتيجة بأن الدراسة أجريت في سويسرا، والتي يعتبر التواضع أحد سمات مواطنيها، لذلك لم يقم المشاركون في المبالغة في تقدير أنفسهم.

اقرأ أيضًا: فن التأثير؛ حيل نفسية للتأثير على الآخرين

تشير نتائج هاتين الدراستين إلى أن حُكم الإنسان على الآخرين –أو على نفسه- يتأثر بشكل كبير بدوافعه، كما ظهر من تقييم المشرفين لموظفيهم. وعلى الأرجح أنك مررت بهذا الموقف من قبل، فربما طلب أحدهم تقييمك لمربية الأطفال التي عملت لديك أو للعامل الذي قام بطلاء منزلك.

ولتستطيع تقييم الناس بشكل عادل، تشير الدراسة التي أجراها باحثو جامعة سارلاند أن عليك تزيل أية دوافع من عقلك، لأنها قد تجعلك راغبًا في المبالغة في تقدير شخص ما أو التقليل منه. وأشار التقرير إلى أنك عليك دائمًا أن تفكر في ما قام به هذا الشخص بالفعل، وأن تكون مُحدَّدًا دون التطرق لعوامل خارجية تؤثر على حكمك. وأوضح التقرير في نهايته أنه في سعيك لإقامة علاقات ناجحة مع الآخرين، عليك البحث عن مجموعة محددة من الصفات الشخصية، وليست الصفات التي تم تقييمها في هذه الدراسة فقط.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد