قال علي دمرداش في مقال له في مجلة «ناشيونال إنترست» إن الولايات المتحدة – من حيث لا تدري – أخذت على عاتقها تدمير أعداء إيران كافة، بدءًا من صدام حسين، مرورًا بطالبان، ووصولًا إلى داعش.

وأوضح دمرداش أن صقور إدارة ترامب الذين كانوا متحمسين لتغيير النظام في طهران عبر الوسائل العسكرية قد تراجعوا بعد أن أدركوا أنه سيكون مكلفًا للغاية. على الرغم من العقوبات الصارمة التي تفرضها واشنطن، فلا يزال نظام الملالي صامدًا. فقد أقنعت العدوانية الأمريكية شعب إيران بدعم قيادته غير الشعبية، فضلًا عن الدعم المستمر من الصين وروسيا – لا تزال الصين تشتري النفط الإيراني، في حين حذرت روسيا من أي عمل عسكري – ويبدو أن  المرشد الأعلى لإيران خامنئي باقٍ في منصبه. المفارقة في كل هذا، في الثلاثين سنة الماضية، خاضت أمريكا الحروب بالنيابة عن إيران، مما ساعد في بقاء نظام الملالي.

أطلقت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 مشروع الملالي الطموح؛ عالم إسلامي متحد تحت راية الشيعة. كان هذا أكبر كابوس للزعماء السنة، سواء كانوا علمانيين أو متدينين. وكان صدام حسين أول من شعر بالخطر. فعلى الرغم من كونه سنيًا علمانيًا، فقد شعر بالانزعاج من أن ثورة 1979 يمكن أن تشعل حركة مماثلة بين رعاياه الشيعة، الذين يشكلون حوالي 65% من العراقيين، لذلك شن حربًا وقائية ضد طهران.

وعلى الرغم من تدفق الأسلحة والأموال عليه من أنظمة الخليج السنية والولايات المتحدة، إلا أن صدام عجز عن الانتصار على إيران. بلغت الحرب طريقًا مسدودة في عام 1988، مع مقتل أكثر من مليون شخص على كلا الجانبين.

Embed from Getty Images

بيد أن ما أخفق فيه فعله الملالي خلال ثماني سنوات، أنجزته الولايات المتحدة في عام 1991 – يشير دمرداش. ضعُف نظام صدام بشدة في حرب الخليج، مما خفف العبء على النظام الإيراني. ثم أطاحت الولايات المتحدة صدام في عام 2003. وماذا سيُفرح الملالي أكثر من هذا؟ ثم شنت سلطة التحالف المؤقتة عملية اجتثاث عشوائية ضد حزب البعث الذي كان يتزعمه صدام. وتحقق حلم الرئيس جورج دبليو بوش بـ«جلب الديمقراطية إلى العراق».

وبكونهم الأغلبية، فإن الشيعة ومن ورائهم إيران، سيطروا على العراق. ولكن بعد اجتثاث البعث وحرمانه من المشاركة في الحكومة الجديدة، شكل جنرالات صدام السابقون والمتمردون السنة داعش. اعترف ديفيد كيلكولين، المستشار السابق لكل من الجنرال ديفيد بترايوس ووزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس، في عام 2016 بأن «علينا أن ندرك أن جزءًا لا بأس به من المشكلة هو من صنعنا، فبدون شك ما كان سيظهر داعش لو لم نغز العراق».

مثل داعش تهديدًا لإيران ولوكيلها حزب الله ونظام بشار الأسد في سوريا – يضيف دمرداش. تشير حنين غدار من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إلى أن داعش استخدم الخطاب المعادي للشيعة والإيرانيين لتجنيد المقاتلين. قتل التنظيم عددًا أكبر من الشيعة نسبيًا من المجموعات الأخرى. كانت كراهية داعش للشيعة شديدة لدرجة أن المجازر التي ارتكبت ضدهم بلغت حد الإبادة الجماعية.

وأدت الهزيمة المحرجة للجيش العراقي الشيعي على يد داعش في الموصل عام 2014 إلى قيام الإيرانيين بالتصدي للتهديد المتزايد على عتبة دارهم. ومع أن طهران أرسلت منظمة بدر وكتائب حزب الله، إلا أنهم لم تثبت فعاليتهم. صرح باتريك مارتن من معهد دراسة الحرب أن الميليشيات الإيرانية تفتقر إلى القدرة على استعادة الأراضي الحضرية والسيطرة عليها.

مع تصاعد تهديد داعش، جاءت الولايات المتحدة وحلفاؤها مرة أخرى لمساعدة إيران. على الرغم من أن داعش لم يشكل أبدًا تهديدًا كبيرًا للولايات المتحدة، إلا أن واشنطن قضت عليه في عام 2017، مما وفر ارتياحًا كبيرًا لإيران ووكلائها ونظام الأسد.

وبالعودة إلى معمر القذافي، وهو سني علماني كان يطمح إلى أن يكون زعيمًا للعالم العربي، لكنه عانى من مشاكل مع إيران. توترت العلاقات بين ليبيا وإيران بعد أن اختفى الإمام موسى الصدر، وهو زعيم شيعي لبناني وُلد في إيران، أثناء زيارة إلى ليبيا في عام 1978. في عام 2008 – يقول دمرداش – وجهت محكمة لبنانية الاتهام إلى القذافي وأصدرت أمر اعتقال ضده بسبب دوره المزعوم في عملية الاختفاء.

Embed from Getty Images

شكل القذافي تهديدًا لإيران من خلال وجهات نظره القومية العربية، حتى أطيح به من قبل الناتو بقيادة الولايات المتحدة في عام 2011. وقال رامين مهمانبرست المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية آنذاك؛ «ترحب جمهورية إيران الإسلامية بهذا الانتصار العظيم وتهنئ الشعب الليبي المسلم والمجلس الانتقالي الوطني». ويمكن القول إن إيران قد شاركت بالفعل في إقالة القذافي من خلال وكيلها حزب الله. فقد أكد خالد القائم، نائب وزير الخارجية الليبي في عهد القذافي، أن عناصر حزب الله كانوا يقاتلون إلى جانب المتمردين شرق ليبيا في عام 2011، على الرغم من أن الجماعة نفت هذا الاتهام.

أخيرًا، شكل صعود طالبان السنية في أواخر التسعينيات أيضًا تهديدًا للنظام الشيعي في طهران. يقال إن بعض قادة الحرس الثوري الإيراني قاتلوا إلى جانب التحالف الشمالي الذي كان رأس الحربة ضد طالبان في أفغانستان. جادل جويد أحمد من المجلس الأطلسي أن حرب طهران ضد طالبان في التسعينيات كانت مدفوعة بمخاوف من أن الجماعة قد تؤثر على جماعة جند الله الانفصالية، وهي جماعة سنية متشددة تعمل داخل إقليم سيستان-بلوشستان بشرق إيران. في عام 1998، نصب مقاتلو طالبان كمينًا وقتلوا 11 دبلوماسيًا إيرانيًا في مزار شريف، وهي بلدة في شمال أفغانستان.

لم تنتظر إيران طويلًا للانتقام – يؤكد دمرداش – فقد أطاح التحالف الدولي بقيادة واشنطن طالبان عن الحكم. ومع ذلك، فإن التدخل الأمريكي وتصور العدو المشترك سيدفعان إيران وطالبان إلى التعاون. بعد عام 2001، بدأت إيران بدعم طالبان ضد الولايات المتحدة. وفي عام 2017، اعترف شريف يافتالي، رئيس الأركان العامة للجيش الوطني الأفغاني المدعوم من الولايات المتحدة، بأن إيران قدمت أسلحة ومعدات لطالبان في غرب أفغانستان.

واليوم، تسيطر طالبان، جزئيًّا بسبب الدعم الإيراني، على حوالي 70% من أفغانستان كما كانت قبل عام 2001. وفي أغسطس (آب) 2019، تفاوضت الولايات المتحدة مع طالبان في محاولة يائسة للفرار من أفغانستان. ومع الانسحاب الأمريكي الوشيك، تستعد إيران لملء الفراغ.

لقد قُتل أكثر من 7 آلاف جندي أمريكي، وجرح أكثر من 53 ألفا، وأُنفق أكثر من 5.9 تريليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين منذ عام 2001، فقط لتقديم العراق وأفغانستان لإيران على طبق فضي. ويضيف الكاتب في الختام أنه بعد مرور ثماني سنوات، ما زالت واشنطن تحاول معرفة ما يجب القيام به في ليبيا وسوريا. ولكن هناك شيء واحد مؤكد هو أن الولايات المتحدة خسرت الكثير، لكنها منحت إيران انتصارات كبيرة في الشرق الأوسط.

«فورين بوليسي»: الشرق الأوسط يمر بلحظة حاسمة وأمريكا ستقرر شكل مستقبله

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد