نشر موقع «بيزنس إنسايدر» الأمريكي مقتطفات من كتاب: «في أيدي الجنود: الحرية والفوضى في مصر والشرق الأوسط»، لمؤلفه الصحافي الأمريكي ومدير مكتب صحيفة «نيويورك تايمز» في القاهرة سابقًا دافيد دي كيركباتريك.

ويتحدث الكتاب – الذي ترجمته «عربي21» المقتطفات المنشورة منه – عن علاقة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الإسلام والمسلمين، وكيف تطورت نظرته من «شيطنة الإسلام» إلى أن بات يوصف بـ«الصديق الحقيقي للمسلمين»، في إشارة إلى ما جاء على لسان زعماء عرب.

وتاليًا النص الكامل للمقتطفات التي نشرها الموقع الأمريكي:

– أثناء حملته الانتخابية في عام 2016، قال دونالد ترامب: «إن الإسلام قد يكون عنيفًا من حيث الأصل»، وزعم أن المسلمين في مدينة جيرسي صفقوا وهللوا لهجمات 11 سبتمبر (أيلول)، ووعد بحظر دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة.

– كان مفاجئًا أن يرحب الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، وولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بالرئيس ترامب بإعجاب عميق، وأن يصفاه بأنه «صديق جميع المسلمين».

– من موقعي، كمراسل دولي لصحيفة نيويورك تايمز في مصر، راقبت ترامب يدخل عالم السياسة بالشرق الأوسط في خضم واحدة من أصعب فترات مصر في التاريخ المعاصر. راقبت معظم السباق الرئاسي في عام 2016 من القاهرة، وكان لذلك الموقع المطل الفضل في جعل الحوار حول الشرق الأوسط منعشًا بشكل استثنائي.

كانت عداوة المرشح دونالد ترامب تجاه الإسلام صريحة، ولا لبس فيها. كان الرجل يختار عباراته عن قصد ودراية؛ إذ كان يقول: «الإسلام الراديكالي» بدلًا عن «الراديكالية الإسلامية»، وذلك للتأكيد على أن المشكلة تكمن في الدين نفسه. كما وعد بحظر دخول جميع المسلمين الولايات المتحدة، وزعم أن المسلمين في مدينة جيرسي صفقوا وهللوا للهجمات التي دمرت مركز التجارة العالمي في الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وكان يروي حكايات مختلقة تعظم قتل المحاربين المسلمين باستخدام رصاصات منقوعة في دهن الخنزير، بل لمح إلى أن أوباما نفسه كان مسلمًا يخفي إسلامه.

«السيسي وترامب»

إذًا كيف كان ترامب سيتعامل مع السيسي الذي تعهد بوصفه رئيسًا لمصر بأن يعلم الإسلام ويدافع عنه؟

لقد عشق كل منهما الآخر، فما كان من السيسي إلا أن سارع إلى التماس عذر لما تعهد به المرشح الرئاسي من فرض حظر على المسلمين؛ حيث اعتبر في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» أن ذلك كان مجرد كلام ضمن حملة انتخابية، وكان أول زعيم أجنبي يهنئ ترامب ليلة فوزه بالانتخابات، وعندما تقابلا في البيت الأبيض أمسك السيسي بيد الرئيس الجديد عندما مدها له، وحاله حال المراهق السمج وهو يعبر عن ابتهاجه الشديد بلقاء نجمه المفضل قائلًا: «لطالما أكننت عميق التقدير والإعجاب لشخصيتكم الفريدة».

أما ترامب فقال عن السيسي عندما قابله للمرة الأولى في سبتمبر 2016، ثم مرة أخرى أثناء زيارة الأخير للبيت الأبيض في أبريل (نيسان) 2017: «إنه شخص رائع»ـ ثم أطراه بالقول: «لقد سيطر على مصر، وتمكن فعلًا من فرض سيطرته عليها». وذلك في معرض حديثه عن أن مصر كانت لديها «مشاكل جمة» وفيها «إرهابيون»، قبل أن يأتي السيسي «ويمسحهم من الوجود».

إلا أن مثل هذا الثناء تكذبه الوقائع على الأرض؛ فقد ارتفع بشكل حاد في عهد السيسي عدد المصريين الذين يلقون مصرعهم كل عام في تفجيرات أو إطلاق نيران من تنفيذ المتشددين الإسلاميين، سواء كان ذلك بالمقارنة مع السنة اليتيمة التي كان فيها محمد مرسي في السلطة، أو مع السنوات الأخيرة التي قضاها حسني مبارك في الحكم.

لربما قصد ترامب بكلمة «إرهابيين» جماعة الإخوان المسلمين، التي نجح السيسي فعلًا في دفع أعضائها إلى الاختفاء تحت الأرض (وإن كان لم ينجح في استئصالها). ومع ذلك فقد كان ترامب واضحًا بما فيه الكفاية حين وصف السيسي بأنه رجل قوي، من النوع الذي يعجب به، قائلًا بعد لقائهما في البيت الأبيض: «سوف نصبح أصدقاء ولفترة طويلة من الزمن»، وكانت سعادة حكام السعودية والإمارات بترامب مثل سعادة السيسي به.

استضاف حكام السعودية ترامب في الرياض وأهدوه سيفًا، ورقصوا معه يدًا بيد، ووقف الملك سلمان وبجواره كلٌّ من السيسي وترامب في مركز مكافحة الإرهاب السعودي وهم يضعون أيديهم على كرة بيضاء مشعة لا يعرف لها غرض محدد. بعد ذلك قام الأمير محمد بن سلمان، الابن المفضل للملك ومستشاره المتنفذ، بزيارة البيت الأبيض؛ حيث وصف ترامب بأنه «الصديق الحقيقي للمسلمين».

«سر الانسجام»

ما سر الانسجام بين ترامب والمستبدين العرب؟ كان ترامب قد اختار الجنرال جيمس ماتيس ليكون وزير دفاعه والجنرال مايك فلين ليكون أول مستشار له للأمن القومي، وكلاهما يؤيدان السيسي بحماس شديد ويعاديان جماعة الإخوان المسلمين بشراسة. ثم ما لبث سفير الإمارات، يوسف العتيبة، أن أصبح معلمًا وموجهًا في الشؤون الإقليمية لصهر ترامب ومستشاره في شؤون الشرق الأوسط جاريد كوشنر.

ربما وجد ترامب والمستبدون العرب من الأسباب ما حملهم على تجاهل خوفه من المسلمين، إلا أنني كنت أتساءل عما إذا كان خوف ترامب من المسلمين يشكل عقبة على الإطلاق. كان ذلك جزءً من الرابطة. كان فلين معجبًا بالسيسي بالذات؛ لأنه كان «علمانيًا جدًا»، أو لأنه كان «مسلما معتدلًا».

كان يعتبره واحدًا من الأشخاص الطيبين، وليس مثل الآخرين. وبدا السيسي والمستبدون العرب كما لو كانوا يتفقون فيما بينهم على أن مواطنيهم المسلمين كانوا على درجة من «التخلف» بحيث يتعذر عليهم أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم. وصرح السيسي لمجلة ألمانية في العام 2015 بأن هناك «فجوة حضارية» تجعل المصريين يتخلفون عن الأوروبيين الغربيين، وذلك سعيًا منه لتفسير ضرورة ما وقع من قتل في ميدان رابعة.

لم يفاجئ مثل هذا التحامل والتحيز أصدقائي المصريين الذين كانوا يقولون: «إن الطغاة العرب، ممن هم على شاكلة السيسي، يستغلون التعصب الغربي، لأن ما يعتبره الغربيون داخل أوطانهم حقوقًا إنسانية عالمية لا ينطبق على العرب، بحجة أن الشعب العربي وثقافته يختلفان جذريًا عن الأوروبيين وثقافتهم».

بحلول عام 2016 ساد شعور بأن الأمل في تغيير ديمقراطي في العالم العربي أضحى مجرد خدعة قاسية. كان من السهل تناسي أن ثورات عام 2011 نجحت بالفعل في إيجاد انفراج حقيقي، وأن عساكر مصر باتوا – ولو للحظة – يخشون سخط الرأي العام، أو أن تونس تمكنت من إكمال عملية الانتقال السلمي للسلطة.

لقد نشرت الانتفاضات الفوضى والعنف في أرجاء المنطقة أكثر من أي وقت مضى منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ فقد استعرت نيران الحروب الأهلية في كل من ليبيا واليمن وسوريا والعراق، بينما أمكن الحفاظ على تماسك البحرين بفضل التدخل العسكري السعودي.

ما لبث النضال من أجل الديمقراطية أن تحول إلى نزاعات طائفية. وصار الخصوم والمتنافسون في كل موقع يجندون ليكونوا بيادق في حروب بالوكالة بين السعودية وإيران، أو بين الإمارات وقطر، حليفي الولايات المتحدة الثريين الصغيرين، في نزاع عائلي غاية في الغرابة.

انتاب القلق زعماء تنظيم «القاعدة» في عام 2011 خشية أن تخطف «الحركات من أجل الديمقراطية» الأضواء من جهادهم وتمنح المسلمين ما أطلق عليه أسامة بن لادن «أنصاف حلول». إلا أن الجهاديين ما لبثوا أن عادوا سريعًا بمجرد أن عادت السلطوية وتمكنت. وعادت الولايات المتحدة وانغمست في الحرب في العراق للمرة الثالثة خلال ما لا يزيد على ربع قرن، وانهال اللاجئون الفارون من الصراعات العربية باتجاه الغرب؛ ما أثار رد فعل قومي.

«اضطرابات ساعدت ترامب»

ليس من المبالغة في شيء القول: إن حالة الاضطراب التي سادت أرجاء العالم العربي ساعدت في انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، وخلقت حالة من الرعب لدى البريطانيين دفعتهم إلى اتخاذ قرار بمغادرة الاتحاد الأوروبي.

صدف أن كنت في واشنطن في الذكرى الخامسة للثورة المصرية، أي في الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2016. بهذه المناسبة نظمت مجلة «بوليتكو» ندوة عامة تحدث فيها توم دونيلون، الذي كان يعمل مستشارًا للأمن القومي لدى باراك أوباما منذ بداية الانتفاضة وحتى الأسبوع الأول من الانقلاب العسكري، كان السؤال الأول الذي وجه إليه في الندوة: «ما الذي حدث للربيع العربي؟»

قال دونيلون متحدثًا عن الربيع العربي: «لقد كان سلبيًا بالنسبة للناس في الشرق الأوسط، وكان سلبيًا بالنسبة لأمن الولايات المتحدة. لقد شهدتم انهيار منظومة الدولة في العالم العربي الإسلامي»، حينها تذكرت تحذيرات السيسي من «انهيار الدولة»، ونظرت حولي فرأيت الحضور يهزون رؤوسهم.

وفعلًا كانت الخلاصة التي وصل إليها صناع القرار في واشنطن أن الناس في المنطقة كان من الأفضل لهم لو أنهم لم ينتفضوا بتاتًا، وأن العرب أخفقوا في إنجاز الديمقراطية، وأنهم ربما فضلوا أن يحكمهم رجال أقوياء، وأننا ينبغي علينا أن نشكر السيسي على استعادته للنظام، وأنه يتوجب علينا أن نسايره ونداهنه حتى يفتح الاقتصاد المصري (حيث كانت تلك توصية واشنطن المستمرة)، وأنه يجب علينا الاستمرار في إرسال ما قيمته 1.3 مليار دولار على شكل مروحيات أباتشي وطائرات إف 16 لمحاربة «الدولة الإسلامية» في سيناء (وكأن استيلاء السيسي على السلطة ذاته لم يكن السبب في إشعال حركة التمرد تلك).

كانت الخلاصة هي أن الإسلام السياسي – سواء كان تنظيم الدولة أو جماعة الإخوان المسلمين – يشكل تهديدًا للغرب، وأن السيسي هو رأس الحربة في القتال ضده، فهو «شريك طبيعي» كما قال دينيس روس، الدبلوماسي المخضرم المختص بشؤون الشرق الأوسط، والذي وقف مع أوباما أثناء اتصاله الأخير بمبارك، وذلك في مقال رأي نشرته له صحيفة «نيويورك تايمز» تحت عنوان «الإسلاميون ليسوا أصدقاءنا».

وهذا شبيه بما قاله الجنرال ماتيس في خطاب ألقاه في شهر أبريل (نيسان) 2016 في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (الذي تلقى تمويلًا كبيرًا من دولة الإمارات) حين أكد أن «الطريقة الوحيدة لدعم عملية إنضاج مصر كبلد من خلال المجتمع المدني، ومن خلال الديمقراطية، هو دعم الرئيس السيسي».

وكان ماتيس قد قال قبل ذلك بثلاثة أعوام: إن المصريين إنما أزاحوا مرسي من السلطة بسبب «قيادته الاستبدادية»، ثم يأتي ماتيس بعد ذلك ليقول إننا في ضوء سعي السيسي «لتقليص السلبيات التي تحيط بالدين الإسلامي، أعتقد أنه حان الوقت لأن ندعمه وننحاز إلى جانبنا نحن في ذلك».

«الثورة المصرية»

إلا أن ستة أعوام في مصر أقنعتني بأن الانتفاضات لم تكن بحال مصدر الفوضى؛ فقد كان النظام القديم يتهاوى أمام ناظري منذ اللحظة التي وصلت فيها إلى القاهرة، وقبل وقت طويل من وصول أول متظاهر إلى ميدان التحرير.

شعرت بشكل واضح في عام 2011 – بل حتى بشكل أوضح في عام 2018 – أن إخفاق المنظومة العربية كان السبب في انطلاق الانتفاضة، ولم يكن أبدًا من تداعياتها. كانت الأنظمة المستبدة هشة بقدر ما كان يخشاه حكامها، ولكن ذلك كان بسبب أن اعتمادها على الفساد والإكراه جوفها من الداخل. ولذلك لا يوجد ما هو أكثر سذاجة من الظن بأن تنصيب جندي آخر ليكون الوجه الجديد لمنظومة مستبدة أعيد ترميمها يمكن أن يعطي نتيجة أفضل ويولد حالة أكثر استقرارًا. والحقيقة هي أن 30 شهرًا من الخطوات غير المكتملة نحو الديمقراطية في مصر قدمت على الأقل فرصة لبديل آخر.

يقول كثير من المصريين الآن: «إن نضالهم كان محكومًا عليه بالفشل منذ اللحظة الأولى»، إلا أن الغريب في الأمر أنني، وبعد أن عشت الأحداث كلها، أقنعني الإخفاق المفجع للانتفاضة بأن العكس تمامًا هو الصحيح؛ فالمصريون لديهم قدرة كامنة، مثلهم في ذلك مثل أي شعب، على إنجاز وعود الحرية والديمقراطية التي أنعشت ميدان التحرير وأعادت له الحياة.

لقد شاهدت الآلاف وهم يقدمون حياتهم في سبيل بناء دولة في مصر أكثر عدلًا وأكثر حرية. ولا يقلل من إلهام تضحياتهم أنهم هزموا؛ فقد جاهدوا تحت وطأة ما يزيد عن ستة عقود من المخاوف ومشاعر الاستياء التي طالما استعصت على الحل، في مواجهة طغم مثل القضاة والعسكر، طغم جذورها ضاربة بعمق، ولها مصلحة عليا في بقاء الوضع القديم على ما هو عليه. طوال تلك الشهور الثلاثين، والتي كانت أطول مما يحق لأي امرئ توقعه، أفشل المصريون بنضالهم محاولات متكررة بذلت لاستعادة النظام القديم.

«خطأ مرسي والليبراليين»

انتخب المصريون رئيسًا من الإخوان المسلمين، ولم يحصل ما كان يخشاه البعض من حدوث عملية استيلاء ثيوقراطي على الدولة. لربما كان مرسي رئيسًا من الدرجة الثانية، تنقصه الخبرة والدراية، ولكنه بدا لبعض الوقت مؤهلًا للاستمرار في الحكم إلى أن تخرجه الانتخابات القادمة من السلطة، تمامًا كما حدث مع الإسلاميين في تونس.

لم يكن مرسي مخطئًا حينما تملكته الريبة من عداوة الدولة العميقة له، ولم يكن مخطئًا حين خشي من أن السعوديين والإماراتيين كانوا عازمين على إعاقته والنيل منه، أو من أن واشنطن سيسرها أن تراه يذهب إلى غير رجعة. ولكن مرسي كان خاطئًا حين وثق بالسيسي.

ولم يكن الليبراليون – مثل البرادعي – مخطئين حين خافوا من احتمال تمسك زعماء الإخوان المسلمين بالسلطة، ولم يكن المتظاهرون خارج قصر مرسي مخطئين حينما خشوا من أن تكون وزارة الداخلية ما زالت على حالها، ديدنها القمع والتنكيل.

إلا أن البرادعي والمتظاهرين ارتكبوا نفس الخطأ حين وثقوا بالسيسي وسلموا رقابهم لانقلاب ما لبث أن دمر الشيء ذاته الذي وقفوا أنفسهم من أجله، ألا وهو الفرصة في بناء ديمقراطية ليبرالية. لقد سمح المدنيون لمخاوفهم بأن تفرق صفوفهم وتشتت جمعهم، وكان العسكر لهم بالمرصاد.

«جزء من العالم الثالث»

في صبيحة اليوم الذي انتخب فيه ترامب، التقيت بصديقي حسام بهجت على كوب من القهوة في الزمالك. كان يبلغ من العمر 37 عامًا، ولكنه ما زال يبدو كما لو كان طالبًا حديث التخرج. كان حليق اللحية والشارب، بشعر رأس قصير، ويلبس نظارات بيضاوية، ويعلق على كتفه حقيبة جلدية يحمل فيها ما تيسر له من كتب وصحف.

قبل ذلك بـ15 عامًا، حينما كان في الثانية والعشرين من عمره، أسس بهجت ما أصبح من بعد أهم منظمة حقوق إنسان في مصر أطلق عليها اسم «المبادرة المصرية للحقوق الشخصية». ولعله بذل من الجهود أكثر من أي شخص آخر في توثيق الجوانب المظلمة لنظام الحكم السلطوي: التعذيب، المعاملة السيئة على أيدي الشرطة، التمييز على أساس الجنس، الرهاب من المثليين، الطائفية والفساد.

كان بهجت بالنسبة لجيل كامل من الصحافيين والدبلوماسيين الغربيين مصدرًا لا استغناء عنه. كلما وصل مسؤول كبير من وزارة الداخلية البريطانية إلى القاهرة، كان أول شيء نفعله جميعًا هو ترتيب لقاء له مع بهجت.

ثم سقط مبارك، وانفتحت وسائل الإعلام، وأعاد بهجت صناعة نفسه ليصبح أهم صحافي استقصائي في مصر. بدأ بالكتابة في موقع «مدى مصر» ذي التوجه اليساري، ثم أصبح محررًا له. وطالما ظننت أن بهجت كان واحدًا من أذكى من قابلتهم من الناس، بل وواحدًا من أشجعهم.

لقد أفلت من الاعتقال على الأقل مرتين منذ أن وصل السيسي إلى السلطة. وصلته معلومة في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 بأن الشرطة كانت في طريقها إليه، فاستقل أول طائرة إلى نيويورك حيث قبل زمالة للدراسة في معهد الصحافة التابع لجامعة كولومبيا.

إلا أن بهجت يعشق مصر، كما أنه يكره الجو البارد. فأقنع نفسه بعد عام واحد بأن القاهرة باتت آمنة بما يكفي لأن يعود. استدعته المخابرات الحربية للتحقيق في نوفمبر 2015 حول شيء كان قد كتبه. احتجزه الضباط في مقرهم الرئيس.

بمجرد أن وصلني الخبر كتبت مقالًا لموقع صحيفة نيويورك تايمز ونشرته بأسرع ما يمكن، فما كان من وزارة الخارجية الأمريكية إلا أن عبرت عن فزعها من تردي سيادة القانون وحرية التعبير في مصر. وأصدر أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون مناشدة شخصية، فما مضت ليلتان حتى كان بهجت حرًا طليقًا.

ظننت حينها أن «ماما أمريكا» كان ما يزال لديها بعض نفوذ. إلا أن المخابرات كانت تتحين الفرصة للانقضاض عليه من جديد، وفي مطلع 2016 فتحت النيابة العامة قضية جنائية ضد بهجت بتهمة الحصول على تبرعات أجنبية غير مرخص له بها لتمويل المنظمة الحقوقية التي أسسها. فصدر أمر بمنعه من السفر، وجمدت أمواله (هو وعدد آخر من الناس). وبدأت سلسلة طويلة من المحاكمات.

ثم فاز ترامب في الانتخابات. صباح ذلك اليوم أرسل إليّ بهجت برسالة نصية يقول فيها مازحًا: «من المؤكد أنني الآن سأذهب إلى السجن».

لم يكن بهجت من عشاق هيلاري كلينتون، بل كان يفضل بيرني ساندرز، ولكننا كلانا كنا نعلم أن ترامب لا يعبأ بحقوق الإنسان في أمريكا ناهيك عن أن يعيرها أي اهتمام في مصر، ولم يكن ليضغط على السيسي حتى يفرج عن شخص مثل بهجت.

استمرت محاكمة بهجت طوال عام 2017، وظل طوال الوقت يتحلى بالشجاعة. قال لي ذات مرة إنه وجد شيئًا يجعله يحب ترامب. والذي خطر ببال بهجت هو التالي: لدينا هنا رئيس أمريكي يعين أفراد عائلته مستشارين كبارًا في البيت الأبيض، وتجده مغرمًا بنظرية المؤامرة، ويتهم نقاده بالخيانة، ويتنمر على وسائل الإعلام، ويكذب متيقنًا بأن بإمكانه الإفلات من المساءلة والمحاسبة، ويمقت الأعراف القانونية والإجراءات البرلمانية، ويطرد أعلى مسؤول أمني في البلاد لأن تحقيقاته باتت تهدده، وها هم الأمريكان في اليسار واليمين على حد سواء قد بدأوا يتحدثون عن وجود «دولة عميقة» في بلدهم، عن حكومة دائمة راسخة، إما أنها أعاقت أوباما، أو أنها تعوق ترامب، بحسب الشخص المتحدث.

طالما حارت واشنطن، في سبب تصرف المصريين بشكل مختلف عنا. أما بهجت فقد رأى أننا معشر الأمريكان بدأنا في بعض تصرفاتنا نبدو مصريين. ولذلك غرد بهجت في ربيع 2017 عبر حسابه في «تويتر» قائلًا: «باتت أمريكا جزءًا من العالم الثالث، وبشكل لذيذ».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد