قال جان بيير فيليون، أستاذ دراسات الشرق الأوسط في باريس، إن أمريكا لم تفشل فقط في تعلم الدروس من حقبة الاستعمار الأوروبي الكارثي في الشرق الأوسط، ولكنها تعيد أيضًا وبشكل متكرر الأخطاء القديمة في العالم.

وأضاف فيليون في تقرير نشره موقع «Hurst Publishers» أنه من المدهش كما أنه من المحبط أن نشاهد كيف تقع أمريكا في الفخاخ ذاتها التي ابتليت بها التجارب الاستعمارية البريطانية والفرنسية في المنطقة. فباريس ولندن على مدى عقود لعبتا لعبة «فرق تسد» المميتة الطائفية، وتأليب الجماعات العرقية والدينية ضد بعضها البعض من أجل ضمان هيمنتهما الإمبريالية.

مفارقة أمريكية

 

 

اليوم، وبغض النظر عن أن باراك أوباما يريد أن ينأى بنفسه عن سياسة سلفه في الشرق الأوسط، فقد أيد المنطق الطائفي الذي أيده جورج دبليو بوش عندما أطلق هذا الأخير في عام 2003 حملة في العراق لا يمكن وصفها إلا بأنها استعمار.

وقال التقرير: «في الواقع هنا ثمة مفارقة كبرى، حيث أن واشنطن كانت قد تفاخرت دائمًا باعتمادها أوراق المناهضة للاستعمار في منطقة الشرق الأوسط. في عام 1918 دافع وودرو ويلسون عن حق تقرير المصير لشعوب المنطقة، في حين قررت باريس ولندن مصير المنطقة سرًا من خلال اتفاقية سايكس بيكو السرية سيئة السمعة».

التقرير أشار إلى أن «سايكس بيكو» أصبحت رمزًا للخيانة الاستعمارية في فرض «الانتداب أو الولايات» على الأمم: كانت فرنسا تشرف على سوريا ولبنان، في حين منحت المملكة المتحدة نفس النوع من«الولاية» على فلسطين، شرق الأردن والعراق.

وذكر التقرير أن المملكة المتحدة أعادت هيكلة الدولة في مرحلة ما بعد العثمانية في العراق مع التفوق العربي السني الذي وضع العرب الشيعة (حتى أكثر من الأقلية الكردية) في موقف ضعيف وغير مستقر.

وكانت مجموعات أخرى عديدة، بما في ذلك الآشوريين واليهود والتركمان، ومع ذلك، الخاسر الأكبر من هذه الصفقة الثلاثية. في هذه الأثناء قسمت فرنسا وحكمت لبنان من خلال التوزيع الطائفي للسلطة السياسية والعسكرية. في كلتا الحالتين، أصرت القوى الاستعمارية على حماية «الأقليات» من أجل إنكار حق الشعوب العراقية واللبنانية في تقرير المصير.

 

حرب أهلية بالمنطقة

وأوضح التقرير أن الدستور الذي ترعاه الولايات المتحدة في عراق ما بعد صدام شمل أسوأ من تلك السابقتين الاستعماريتين. فالتقسيم الطائفي الثلاثي في العراق كان أكثر جمودًا، مع النتائج الكارثية للمسيحيين واليزيديين، واستبعدوا من صفقات عقدت بين السنة والشيعة والأكراد.

لكن في حين أن الحكام البريطانيين قد روجوا للسنة باعتبارهم الشريك الرئيسي، فإن المندوبين الساميين الأمريكيين استغلوا بشكل كبير بطاقة الشيعة وميزوا العائدين من المنفى على القادة المحليين.

ورجح التقرير أنه كان من الممكن للأمور أن تظل قيد التحكم إذا لم تفرض أمريكا على العراق نظامًا على غرار لبنان من إعادة التقسيم الطائفي للسلطة السياسية والعسكرية. سارع العنف متعدد الأوجه للاحتلال الأمريكي بتهميش الطائفة السنية وعسكرة مختلف الأطراف.

وبينما استغرق الأمر جيلين للإرث الفرنسي من الاستقطاب الطائفي لإشعال حرب أهلية كاملة في لبنان، كانت ثلاث سنوات من حكم الولايات المتحدة تكفي لتوليد تلك الحرب بين السنة والشيعة، بما في ذلك الصراع الذي تسبب في عمليات نزوح للسكان.

وأضاف التقرير أن الجنرال الأمريكي ديفيد بترايوس حاول أن يكفكف موجة التطهير العرقي والإقصاء للسنة من خلال ما دعاها التقرير «صحوة» عام 2007. التحق المقاتلون السنة على نطاق واسع بما يسمى ميليشيات الصحوة ومن ثم نجح بترايوس في الفصل بين سكان محافظة الأنبار والقوات الجهادية (الفرع العراقي لتنظيم القاعدة). لكن بترايوس لم يكن قادرًا على نشر قوات الصحوة في الموصل، لأن القيادة الكردية كانت عازمة على فتح ثاني أكبر المدن العراقية ولم ترد منافسًا سنيًا في وسطها.

لذلك كانت مرحلة ما بعد الاستعمار «طفرة» ناقصة في العراق وتركت فراغًا في السلطة في الموصل ملأه الجهاديون في نهاية المطاف، متنكرين في زي متشددين من جماعة الإخوان المسلمين الصوفية الشعبية.

وفقًا للتقرير، فإن ما حققه بترايوس في محافظة الأنبار تم تفكيكه بشكل منهجي في ظل حكومة نوري المالكي، بين عامي 2008 و 2014. ولم يتم حل ميليشيات الصحوة فقط، ولكن تمت مطاردتها من قبل إدارة شيعية طائفية، تدعم بسخاء المنظمات شبه العسكرية الخاصة بها.

عقيدة أوباما

 

قال التقرير إن أوباما أراد بصدق محو تركة سلفه الكارثية في العراق، ولكن عدم قدرته على كبح سياسة المالكي الطائفية جعلت فقط الرئيس الأمريكي الجديد المتردد، ولكن الدؤوب، تابعًا بالطبع لجورج دبليو بوش المشؤوم.

«الجيش الوطني» العراقي الذي كانت واشنطن تدعمه دون قيد أو شرط كانت للشيعة فيه اليد العليا بامتياز على غرار «الجيش الوطني» الذي أنشأه الحكام البريطانيون في عهد الاستعمار وكان يقوده السنة. هذا الجيش، الذي  يعاني من التحيز الطائفي، ثبتت عدم قدرته على مقاومة هجوم جهادي على الفلوجة في محافظة الأنبار، في يناير (كانون الثاني) عام 2014، وفي الموصل، بعد خمسة أشهر.

وأشار التقرير إلى أن تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) الذي ظهر في العراق وسوريا مع مكاسب إقليمية كبيرة، استفاد أيضًا من إحجام الولايات المتحدة  عن المشاركة في حرب سوريا، خاصة بعد تحدي نظام الأسد بنجاح، مع هجوم كيماوي في أغسطس (آب) 2013 في دمشق، «الخطوط الحمراء» لإدارة أوباما. على كلا الجانبين من الحدود السورية العراقية، صورت الدعاية الجهادية تنظيم داعش كمدافع رئيسي عن القضية السنية، في حين اتهمت الولايات المتحدة بدعم «الطغاة» في شكل المالكي والأسد.

وبدلًا من تجديد السياسة التي أسقطت بشكل كبير جدًا في أيدي داعش، صاغ الرئيس الأمريكي «عقيدة أوباما» التي تحولت إلى نمط كان، سواء كان ذلك إيجابي أو سلبي، مناهضًا للسنة.

واعتبر التقرير أن تجاهل البيت الأبيض أن «استرضاء» إيران ثبت من خلال الاتفاق النووي كان وهمًا قاتلًا، خاصة مع تصعيد الحرس الثوري والميليشيات التابعة له مشاركتهم العسكرية في كل من العراق وسوريا. ولجعل الأمور أسوأ من ذلك، قرر الجيش الأمريكي تقديم الدعم الكثير في سوريا وليس للقوى الثورية ذات الأغلبية السنية، ولكن للميليشيات الكردية.

القوات السنية

وفي هذا السياق، قال التقرير إن السلطة الاستعمارية الفرنسية كانت قد استغلت بالفعل المطامع الكردية في سوريا ضد القوميين العرب في العشرينات والثلاثينات. وكان نظام الأسد، من بداية الانتفاضة الشعبية في ربيع عام 2011، يستغل حزب الاتحاد الديمقراطي، وحزب العمال الكردستاني، ضد التحالف الثوري.

مئات من القوات الخاصة الأمريكية يقاتلون الآن إلى جانب حزب العمال الكردستاني ووحدات الشعب الكردية على أمل استعادة الرقة، معقل تنظيم داعش الرئيسي في سوريا.

وشدد التقرير على أن القوات العربية السنية الوحيدة يمكنها فقط أن تحرر الرقة، وما هو أكثر من ذلك، السيطرة عليها بعد الإطاحة بالجهاديين من المدينة. وينطبق الشيء نفسه مع مدينة الفلوجة العراقية، التي زعمت قوات ذات الأغلبية الشيعية في الآونة الأخيرة «تحريرها».

واختتم التقرير بقوله: «سوف يكون تنظيم داعش هو الفائز الوحيد من تفكك المنطقة إلى سنية، وشيعية، وكردستانية. يمكن أن يؤدي تشكيل إقطاعيات جديدة للميليشيات الطائفية إلى مزيد من العنف والإرهاب، وليس فقط في منطقة الشرق الأوسط».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد