يحدد مخطط التحيز الإعلامي الصادر عن مؤسسة Ad Fontes Media مدى تحيز المؤسسات الإخبارية القديمة والبديلة أو موثوقيتها.

حول هذا الموضوع، نشر موقع بيج ثينك مقالًا للكاتب الصحفي كيفن ديكنسون، استهله بالقول: كانت صحيفة نيويورك تايمز تشهد تراجعًا حتى غيرت نموذج أعمالها، وركزت على نهج استقصائي يتتبع أخطاء ترامب. وكان على قناة فوكس نيوز التخلِّي عن شعارها «عادل ومتوازن»؛ لأنه دعاية مضللة. وينبغي إعادة تسمية شبكة سي إن إن لتصبح شبكة «ألا تعرف شيئًا». أما متابعي موقع إنفور وورز فهم يفتقرون إلى العقلانية.

إذا كنتَ قضيتَ أي وقت على مواقع التواصل الاجتماعي، أو شاركتَ بالحضور الحتميِّ في تجمعات العائلة الممتدة؛ لا بد وأنك سمعتَ شخصًا ما يصب جام نقده على مصادر الأخبار التي يختلف معها، باستخدام عبارات تشبه تلك المذكورة آنفًا. والشكوى الرئيسية لمثل هذا الناقد، بالطبع، تدور حول مدى انحياز تلك المصادر الإخبارية، وافتقارها إلى الإنصاف، مقارنةً بالمصادر الأخرى التي يفضلها، ويراها مصادر موثوقة وقائمة على الحقائق.

يضيف ديكنسون: في حين أن هذا الموقف يكون مجرد لحظة مزعجة، فإن مثل هذه العقليات أصبحت مشكلة اجتماعية واسعة الانتشار. ونحن كمجتمع نحتاج إلى إجماعٍ على الحقيقة؛ حتى نستطيع اتخاذ قرارات اجتماعية سليمة. والأخبار أحد حراس بوابة الوقائع الصحيحة المطلوبة لبلورة هذه الحقائق.

عندما يبدأ المحتوى الإخباري في إعطاء الأولوية للآراء والاتجاهات المتعصبة لاتجاه معين، ويضعها قبل النزاهة الصحفية؛ فإن غيوم الشك تخيِّم على المشهد الإعلامي بأكمله، ويتعمق الاستقطاب السياسي، ويُسمح للقراء بتجنب الأدلة التي لا تروق لهم، طالما أن لديهم روايات بديلة.

يحذر المقال من مثل هذه الحالة، والتي قد تكون ضارة في أوقات الرخاء، ولكن في الأوقات العصيبة، مثل تفشي جائحة فيروس كورونا، يمكن أن يكون انتشار المعلومات غير الموثوق بها مصدر قلق قاتل.

ويتناول المقال كيفية التوصل لإجماع تعطي المصادر بموجبه الأولوية للحقائق المجردة، بعيدًا عن  فقاعات تصفية (تقنية تستخدمها محركات البحث لتحديد النتائج المعروضة للمستخدمين) أو ما يعرف بالانحياز التأكيدي؛ أي الميل إلى المعلومات التي تتوافق مع معتقدات المرء وافتراضاته، وعدم إيلاء اهتمام مماثل للمعلومات المناقضة، ومن ثم الاغترار بالنفس، و الشعور بالتفوق الأخلاقي.

الإجابة التي تقدمها مؤسسة Ad Fontes Media على هذا السؤال هي: البحث، والتحليل، ورسم مخطط تفاعلي واحد.

إنشاء مخطط للانحياز الإعلامي

في عام 2016، وسط هتافات «احبسوها!» (شعار أنصار ترامب ضد هيلاري كلينتون) وعبارة التوبيخ «سلة من البائسين» (التي وضعت فيها هيلاري كلينتون نصف مؤيدي ترامب)، خلُصَت المحامية فانيسا أوتيرو إلى أن هناك مشكلة حقيقية في كيفية استقبالنا للأخبار.

كتبت فانيسا: «لدينا مشكلة كبيرة في مشهدنا الإعلامي الإخباري، تتمثل في: ضخ كمية هائلة من القصص التافهة. ومثلما تتسبب الأطعمة غير المفيدة في انتشار الأوبئة الصحية في مجتمعنا، فإن الأخبار غير المفيدة تتسبب هي الأخرى في انتشار وباء الاستقطاب على نطاق واسع».

Embed from Getty Images

حللت فانيسا مصادر الأخبار لتحديد التحيز والموثوقية، ثم وضعت النتائج التي توصلت إليها في مخطط بياني. وأصبح مشروعها الجانبي هو النسخة الأولى من مخطط التحيز الإعلامي. وفي عام 2018، أسست شركة منفعة عامة أطلقت عليها Ad Fontes Media، وهو اسم مستمد من عبارة لاتينية تعني «العودة إلى المصدر». وبعد حملة تمويل جماعي ناجحة، جمعت فانيسا محليين إضافيين لسبر أغوار المحتوى الإعلامي وصولًا إلى الأعماق.

اليوم، وصل مخطط التحيز الإعلامي إلى الإصدار 5.1. وكل نتيجة توصل إليها مدعومة الآن بتحليل لمقالات متعددة، وهو عبارة عن متوسط مُرَجَّح لهذه النتائج الخام للمقالات، وتصنيفات تحليلية متعددة مستمدة من أشخاص عبر الطيف السياسي. (يقدم موقع Ad Fontes إطلالة متعمقة على نموذجه التقييمي ومنهجيته هنا).

وقالت فانيسا خلال مقابلة مع موقع Newsy: «أريد أن أجعل الأشخاص الذين يتلقون الأخبار أذكى، ووسائل الإعلام الإخبارية نفسها أفضل، وهي أمور سامية حقًّا، لدرجة أنها قد تعد بعيدة المنال، لكني أعتقد أنها قابلة للتنفيذ. هناك بعض الأشخاص الذين إذا توفرت لديهم هذه المعلومات، فإنهم سيتخذون خيارات أفضل كمتابعين لوسائل الإعلام أولًا، وكمواطنين ثانيًا».

رسم خريطة مثلثة للمشهد الإخباري

الأخبار

تتوزع شعارات وسائل الإعلام الإخبارية على الرسم البياني السابق؛ لتشكل مثلثًا عملاقًا. في أعلى الوسط، تتربع مصادر الأخبار شديدة التوازن والموثوقية. ومع انزلاق ضلعي المثلث إلى الأسفل على الجانبين، اليسار واليمين، نجد المصادر الإخبارية المنغمسة في مستنقعي التحزُّب والتشهير.

يقيس المحور Y (الخط العمودي) مدى الموثوقية على مقياس من صفر إلى 64. ووفقًا لموقع Ad Fontes، تعد درجة الموثوقية عند مستوى 24 أو أعلى مقبولة، بينما تعد درجة الموثوقية عند مستوى 32 أو أعلى جيدة.

ويقيس المحور X (الخط الأفقي) مدى الحيادية على مقياس من -42 إلى 42. والدرجات القريبة من الصفر تعني وجهات النظر الحيادية والمتوازنة. وكلما أظهرت المنظمة الإعلامية ميلًا محافظًا، زادت نقاطها على يمين الصفر، حتى تصل إلى أقصى دجة عند مستوى 42.

ويلفت الكاتب إلى أنه لا داعي لأن يستشيط أحد غضبًا لأن مصادر الأخبار التقدمية تقاس بالأرقام «السلبية»، بينما تقاس مصادر الأخبار اليمينية بالأرقام «الإيجابية»؛ فهذه ببساطة طريقة القياس المتبعة في الخطوط الأفقية.

ما مصادر الأخبار الأكثر نزاهة وتوازنًا في هذه القائمة؟

وفقًا لمخطط التحير الإعلامي، فإن مصادر الأخبار الأكثر توازنًا هي: أسوشيتد برس، ورويترز. إذ حصلت أسوشيتد برس على درجة موثوقية عند مستوى 51.98، وكان مستوى تحيزها عند درجة -1.06، أما رويترز فحصلت على درجة موثوقية عند مستوى 51.64، وكان مستوى تحيزها عند درجة -0.95.

وكما يشير الموقع الإلكتروني، فإن هذه النتائج لا تعني أن كل مقال تتوفر فيه سمات الصحافة الاستقصائية. ولكن في المتوسط، يُنتِج هذان المصدران صحافة تتمتع بالجودة وقائمة على الحقائق.

أما المصادر الإخبارية الأقل موثوقية فهي: صحيفة ناشيونال إنكوايرر، وشبكة وورلد تروث تي في. والمصدر الأخير يعلن بفخر أنه يقدم أخبارًا بديلة تستند إلى «المعرفة المقدسة». وكلاهما حصل على درجة موثوقية 9.65 و7.41 على التوالي، على الرغم من عدم تحيُّز أي منهما على وجه الخصوص.

وأكثر المصادر المحافظة تحيزًا هو: موقع جيتواي بانديت، وموقع إنفور وورز، إذ سجلا 28.55 و31.05 على التوالي. وفي المقابل، كانت المصادر التقدمية الأكثر تحيزًا هي: مدونة بالمر ريبورت، وموقع وونكيت، وسجلا -29.37  و-31.15.

وفيما يلي خلاصة سريعة لبعض مصادر الأخبار الجديرة بالنظر:

يمكنك الاطلاع على المزيد من الدرجات على مخطط التحيز الإعلامي التفاعلي هنا. مع الوضع في الاعتبار أن النتائج ربما تتغير في الإصدارات المستقبلية؛ نظرًا إلى إمكانية تحليل المزيد من المحتوى، وإسهام المزيد من المحللين.

اتخاذ خيارات إخبارية أفضل

يضيف الكاتب: يوفر مخطط التحيز الإعلامي طريقة سهلة لاستيعاب المشهد الإعلامي المعقد. ويقيِّم الموقع أيضًا مقالات أسبوعية، حتى يتسنى للقراء فحص كيف تتناول مصادر الأخبار المختلفة قصة اليوم الرئيسية.

ومع ذلك، فهذه ليست سوى أداة واحدة فقط، تتطلع إلى طيفٍ معين من التحيزات في وسائل إعلامنا. وهناك المزيد من مظاهر التحيز. على سبيل المثال، يحدد كاتب العمود في صحيفة نيويورك تايمز، ديفيد ليونهاردت، ستة أشكال من التحيز الإعلامي.

بالإضافة إلى التحيزات السياسية اليمينية واليسارية، يستعرض الكاتب: التحيز الوسطي (يجب توجيه قدرٍ متساوٍ من اللوم إلى الجانبين بغض النظر عن الظروف)، والتحيز الثري (الصحافي الوطني يميل إلى أن يكون أكثر ثراء من المتوسط)، والتحيُّز إلى الجديد (الأحداث الجديدة تبدو أكثر أهمية)، والتحيز الاجتماعي (الجنس، والعنصر، والعمر، وما شابه ذلك).

للكشف عن التحيُّز والمعلومات المشوهة، توصي مجموعة «فير» للمراقبة الإعلامية (الإنصاف والدقة في إعداد التقارير) بطرح الأسئلة التالية المتعلقة بمحتوى الأخبار والمصادر التي تحتوي عليها:

– ما المصادر؟

– هل هناك نقص في التنوع؟

– ما وجهة النظر التي يُعرَض الخبر انطلاقًا منها؟

– هل هناك معايير مزدوجة؟

Embed from Getty Images

– هل الصور النمطية تشوه التغطية؟

– ما الافتراضات التي لا تقبل الطعن؟

– هل اللغة المستخدمة انفعاليَّة؟

– هل هناك فجوة تجعل السياق ناقصًا؟

– هل تتطابق العناوين مع القصص؟

– هل تُعرض القصص المتعلقة بالقضايا المهمة بشكل بارز؟

يختم المقال بالقول: لا يمكننا تحمل استيعاب الأخبار من خلال القبول السلبي. وعلى غرار ما فعلت فانيسا، نحتاج إلى تطوير منهجيات شخصية لتحليل موثوقية المصدر أو انعدام موثوقيته نتيجة تحيزه، خاصة تلك المصادر التي تسوقنا إلى الشعور غير المبرَّر بالرضا عن الذات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد