أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يوم الثلاثاء الماضي، إقالة مستشاره الثالث للأمن القومي السفير السابق جون بولتون.

وكتب ترامب، في تغريدة عبر حسابه الرسمي على «تويتر»: «أبلغت جون بولتون بأننا لم نعد بحاجة إلى خدماته في البيت الأبيض. لقد اختلفت بشدة مع الكثير من اقتراحاته، مثلي مثل آخرين في الإدارة، وبالتالي طلبت منه تقديم استقالته، التي قُدِّمت إليّ هذا الصباح».

وسرعان ما أصدر جون بولتون روايةً للأحداث مختلفة عن رواية ترامب، إذ قال في تغريدة أخرى على «تويتر»: «قدمتُ استقالتي الليلة الماضية، وقال الرئيس ترامب: فلنتحدث في الأمر غدًا». وتواصل بولتون على الفور مع العديد من الصحفيين لمعارضة رواية إقالته عوضًا عن مغادرته المنصب.

وتحت عنوان «هل تؤدي إقالة بولتون إلى تغييرات في سياسة ترامب الخارجية؟»، سلَّطت مجلة «ناشيونال إنترست» الأمريكية – في تقرير للكاتبين هنتر ديرينسيس وماثيو بيتي – الضوء على أن رحيل جون بولتون يبعث رسالة تذكير بأن ترامب هو مُقَرِّر مصير السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

ونوَّهت المجلة بأن إقالة جون بولتون جاءت قبيل ساعات مما كان من المفترض أن يكون مؤتمرًا صحفيًا مشتركًا يضم بولتون، ووزير الخارجية مايك بومبيو، ووزير الخزانة ستيفن منوشين، لإعلان فرع تنظيم القاعدة في سوريا «منظمةً إرهابيةً».

ونقلت المجلة عن الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد نيكولاس هيراس – الذي يتعامل بشكل متكرر مع المسؤولين الأمريكيين الذين يعملون على سياسة مكافحة الإرهاب – قوله: «إن موضوع مكافحة الإرهاب نفسه لا علاقة له بإقالة بولتون، فالولايات المتحدة تفكر في هذه الخطوة منذ فترة».

علاقات متوترة

وعندما سُئِلا – خلال المؤتمر الصحفي – عن إقالة بولتون، ابتسم المسؤولان في الإدارة الأمريكية. وقال بومبيو: «يحق للرئيس اختيار الموظفين الذين يريدهم. وكان محقًا في فعله ذلك». فيما أضاف منوشين: «كانت وجهة نظر الرئيس ترامب ووجهة نظر السفير بولتون بشأن حرب العراق مختلفتين تمامًا». لقد كان بولتون يرتبط بكلا المسؤولين بعلاقة عمل متوترة خلال فترة توليه منصب مستشار الأمن القومي التي دامت 17 شهرًا.

«وقد بلغ التوتر بين الرئيس ترامب وجون بولتون مؤخرًا أشُدّه؛ ما أفضى إلى جدال حول عملية السلام في أفغانستان. ويفضل ترامب الانسحاب من البلاد منذ سنوات، وتشارك الإدارة بالفعل في محادثات مع حركة طالبان منذ شهور. وتراجع ترامب عن اجتماع كان مُخططًا له مع قادة طالبان في المنتجع الرئاسي في كامب ديفيد في عطلة نهاية الأسبوع الماضي»، وفقًا لمجلة «ناشيونال إنترست».

وقال الرائد داني سجورسن الذي خدم في الجيش الأمريكي في كلٍ من العراق وأفغانستان: «من المثير للاهتمام تعقُّب مستشاري ترامب للأمن. لقد كانت هناك مجموعة ثلاثية من الجنرالات، وهم «الراشدون» الذين لم يكونوا كذلك، والذين اعترضوا على الانسحاب من أفغانستان، لكنهم فعلوا ذلك بدعم من وسائل الإعلام، لأنهم راشدون ومسؤولون. وتُمَثِّل المجموعة الثانية من مستشاري الأمن القومي مجدِّدي أفكار المحافظين الجدد، نحن نتحدث عن بولتون وبومبيو، وهما يعارضان فكرة الانسحاب، لأنهما يعارضان أيديولوجيًا أي شيء يتحدث عن الانسحاب الأمريكي أو عدم التدخل».

وانتقد بريت ماكجورك الذي شغل منصب المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف المناهض لتنظيم داعش تحت حكم كلٍ من ترامب والرئيس السابق باراك أوباما، «العملية المخزية» لكلٍ من مجموعتي مستشاري الأمن القومي في عهدي الرئيسين، قائلًا – خلال حدث في معهد بروكينجز الأمريكي – بعد ثلاث ساعات من إقالة بولتون: «لم تكن هناك في الواقع أي عملية أمن قومي لها علاقة بالرئيس».

ولا يعتقد الرائد داني سجورسن أن فرص الانسحاب من أفغانستان قد نفدت حقًا، نظرًا للطبيعة المتقلِّبة للرئيس ترامب، وعدم وجود بولتون عائقًا في هذه الطريق، حيث قال، للمجلة: «أعتقد أن ترامب تلقى خدمات سيئة من مستشاريه للأمن القومي منذ البداية. وأعتقد أن حدسه أفضل من حدسهم، حتى لو كان شخصيةً سخيفةً في مسائل أخرى».

Embed from Getty Images

طفرة دبلوماسية

ورأت مجلة «ناشيونال إنترست» أن رحيل بولتون – وهو أحد صقور السياسة الخارجية طوال حياته وأحد داعمي العمل أحادي الجانب – يفتح المجال أمام احتمالات تحقيق طفرات دبلوماسية في العديد من المناطق.

وقال تريتا بارسي نائب الرئيس التنفيذي لمؤسسة كوينسي للأبحاث: «ربما يُعد رحيل بولتون انعكاسًا لحقيقة أن ترامب يرغب في متابعة الدبلوماسية في مناطق قليلة، وأنه من المرهق للغاية بالنسبة له أن يكون لديه قائد مُخَرِّب على الموظفين، وذلك بأن يكون لديه ثعلب في عش الدجاج. لقد أشار رحيل بولتون إلى عدم إخلاصه لترامب».

وأضاف بارسي: «لقد ترك انهيار محادثات أفغانستان ترامب مع عدد قليل من الانتصارات الدبلوماسية المحتملة في الأفق: لقد فُقِدَت أفغانستان إلى حد كبير، وفُقِدَت إسرائيل / فلسطين بشكل واضح، ولن تُفقد كوريا الشمالية، كما لن تُفقد الصين. قد تكون إيران هي الوحيدة التي يُصَوِّب أنظاره عليها. ولهذا، يحتاج إلى إقالة بولتون».

وأكد بومبيو مجددًا – خلال المؤتمر الصحفي للبيت الأبيض – أن ترامب سيكون منفتحًا للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني.

وقال كين سيلفرشتاين الصحفي السابق في مجلة «هاربرز» الأمريكية: «بدون بولتون، فإن محاولة الإدارة الأمريكية الفاشلة بالفعل لإزاحة حكومة الرئيس نيكولاس مادورو في فنزويلا تصبح أقل احتمالًا، إذ تؤثر إقالته على المجموعة الداعية إلى تغيير النظام. لقد كان أبرز المؤيدين في إدارة ترامب لتغيير النظام في فنزويلا. ولم يخفِ ذلك. لقد كان بالتأكيد أقوى شخصية في الإدارة تنادي بتغيير النظام. لذلك، يمكن أن تُضْعِف إقالته فقط هذ القضية».

وأضاف سيلفرشتاين: «إذا كان ترامب قد تخلّص من بولتون، فلن يختار شخصًا آخر من المحافظين الجدد، ولا يعتقد أحد ذلك. لذلك، فيما يتعلق بفنزويلا، يجب أن يؤدي ذلك إلى تقليل فرصة تغيير النظام».

«وربما يأتي التغيير الأكبر في السياسة الخارجية مع كوريا الشمالية»، بحسب مجلة «ناشيونال إنترست».

وقال المقدم دانييل ديفيز الباحث الكبير في مركز «ديفينس بريوريتيز» (أولويات الدفاع) الأمريكي: «كل شيء ممكن الآن. إنهم (كوريا الشمالية) يريدون بالتأكيد التفاهم معنا، لأن العقوبات المفروضة عليهم قاسية. وإذا كانت هناك أي فرصة تمكِّنهم من التحرك قدمًا مجددًا في طريق المفاوضات، فسوف يستغلونها. لقد شعروا وكأنهم تعرضوا للخيانة في هانوي، لأن الأمور كانت تسير في اتجاه إيجابي للغاية بثبات لأكثر من عام حتى تلك اللحظة. وشعرت كوريا الشمالية بأن بولتون كان السبب الرئيس وراء عرقلة المحادثات» (تشير التقارير إلى أن جون بولتون هو المسؤول عن انهيار القمة بين ترامب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون في هانوي في فبراير (شباط) الماضي، بعد أن أوصى بقائمة مطالب متشددة رفضها كيم).

Embed from Getty Images

خليفة بولتون

لقد طُرِح اسم ستيفن بيغن المبعوث الأمريكي الخاص لكوريا الشمالية من بين المرشحين المحتملين لخلافة بولتون، على الرغم من أن المقدم دانييل ديفيز لا يرجح حدوث ذلك، إذ قال: «الجائزة الكبرى بالنسبة له (ستيفن بيغن) هي تولي منصب نائب وزير الخارجية، وهو ما علمتُ أنه يُجرى النظر فيه بجدية أيضًا. أعتقد أن بيغن سيكون أفضل في منصب نائب الوزير… لا أعتقد أن شخصية بيغن الحكيمة ستنسجم مع ترامب».

وصرَّح الرئيس دونالد ترامب بأنه سيُجرى اختيار مستشار جديد للأمن القومي والإعلان عنه الأسبوع المقبل.

وتحدث الكاتب مارك بيري حول المرشحين المحتملين لخلافة بولتون، حيث قال، للمجلة: «الرهان الأول بالطبع هو فريد فليتز، لكن لا أعتقد ذلك». لقد شغل فليتز منصب رئيس هيئة الأركان في مجلس الأمن القومي خلال العام الماضي تحت رئاسة جون بولتون، ويُعتبر أقرب المقربين إليه. ومن غير المرجح اختيار فليتز ليحل محل مُوَجِّهه.

وأثنى بيري للغاية على دوغلاس ماغريغور الشخص المفضّل لقناة «فوكس نيوز» الذي رُشِّح سابقًا بقوة لهذا المنصب، حيث قال: «أعتقد أن ماغريغور سيكون رائعًا لهذه المهمة. لقد أخرجنا من هذه الحروب، وهو يفهم الجيش جيدًا. لقد خدم في الجيش، وخدم في ساحة القتال، وهو الأمر الذي لا يمكنك بالتأكيد قوله عن جون بولتون. ومع ذلك، فإن أي شخص يوصي بماغريغور، يقضي عليه. هذه هي الطريقة التي تتبعها هذه الإدارة».

وقد أُشِير إلى الجنرال جاك كين أحد الركائز الأساسية في واشنطن العاصمة، على أنه خليفة محتمل لبولتون، على الرغم من أن مارك بيري يعتقد أن كين سيلعب دور صانع الملوك، حيث قال: «الشخص الذي يمتلك حق الاعتراض هنا – حسب فهمي – هو جاك كين، نظرًا لأن ترامب يتباحث معه بانتظام».

وتابع بيري: «من الشروط المطلوبة في خليفة بولتون أن يعمل بانسجام مع وزير الخارجية. لقد قضى بومبيو جزءًا كبيرًا من حياته اليومية في محاولة التخلص من بولتون. إنها مسألة تستغرق الكثير من الوقت، وتسبِّب الكثير من الاستقرار في مؤسسة الأمن القومي. لا نحتاج إلى تكرار ذلك. وأعتقد أن أي شخص يُجرى اختياره، يتعين عليه التعاون مع بومبيو، وفي بعض الحالات يذعن له، حيث يتمتع بومبيو بشخصية قوية للغاية في هذه الإدارة».

«واشنطن بوست»: جون بولتون.. ثاني أخطر رجل في أمريكا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد