588

نشر موقع «The Conversation» مقالًا  لفيمك بيسمان – بيجلمان، وهي أستاذ محاضر حول دراسات الإدمان بجامعة أديلايد بأستراليا، ولسارة باراكز، وهي محاضِرة معاونة بجامعة ماكواري في سيدني، عن أثر الصدمات والضغوط في المراحل المبكرة بالعمر على السلوك والصحة العقلية والقدرة على مواجهة الضغوط والمحن في المستقبل.

ويقول المقال: إن التعرض للصدمات في مرحلة الطفولة، قد يؤثر سلبيًا على نمو المخ؛ إذ يكون المخ في هذه المرحلة أكثر قابلية للتأثر.

حالات سوء معاملة الأطفال هي أكثر شيوعًا

وتظهر التقديرات المتحفظة أن أكثر من 45 ألف طفل أسترالي تعرضوا لسوء المعاملة في عامي 2015 و 2016. ويقول المقال: من الممكن أن تشمل الظاهرة في مرحلة الطفولة تجارب مثل الإيذاء العاطفي، والإيذاء البدني، والإيذاء الجنسي، والإهمال، وفقدان أحد الوالدين أو مقدم الرعاية بشكل مفاجئ.

وتعد المحن والشدائد بالمراحل المبكرة من العمر عاملًا خطيرًا ورئيسيًا لتطور المشاكل النفسية والسلوكية في المستقبل. وقد ظهر عند البالغين الذين عانوا من سوء المعاملة بمراحل الطفولة معدلات أعلى من الاكتئاب، والانتحار، واضطرابات القلق، واضطراب ما بعد الصدمة، والسلوك العدواني.

طفل سوري التقطت صورته في إحدى المخيمات المؤقتة للاجئين السوريين في لبنان. مجدل أنجار/لبنان/نوفمبر (تشرين الثاني) 2016

تساهم صدمات الطفولة أيضًا في زيادة نسب تعاطي وإدمان المخدرات، والتعاطي المبكر جدًا للمخدرات. يقول المقال: قد يُزيد التعرض للأحداث الصادمة في مرحلة الطفولة من تأثير الأحداث الصادمة طوال الحياة. وقد يكون الشخص أكثر عرضة لتطور الاضطرابات النفسية أو الإدمان، إذا كان قد عانى من صدمة أو (بطالة أو طلاق والديه) بمرحلة الطفولة. ومع ذلك، يشير التقرير إلى أنه لا يصاب كل الأطفال الذين عانوا من الضغوط بالمراحل المبكرة من العمر بالأمراض العقلية.

ويؤكد المقال على أن قدرتك على التعامل مع التجارب الصدمة لا تتوقف فقط على تجاربك السابقة، ولكن تتأثر أيضًا بجيناتك، واستجابات التكيف وتنظيم المخ لديك. فالمواد الكيميائية بالمخ، مثل الكورتيزول والأوكسيتوسين، مهمة من أجل حالات الضغوط والتنظيم الانفعالي.

ما هو الأوكسيتوسين؟

الأوكسيتوسين هو هرمون ينتجه المخ بشكل طبيعي. ويطلق عليه عادة «هرمون الحب»؛ لأنه يعزز المؤانسة (الرغبة في الاختلاط بالآخرين)، والتنظيم الانفعالي، والروابط بين الأم والطفل، والعلاقات الرومانسية. ويشير المقال إلى أن كمية الأوكسيتوسين في المخ تختلف من شخص لآخر. فيختلف تنظيم الأوكسيتوسين بين النساء والرجال، ولكنه هام في الوظائف اليومية للجسم. ويؤثر التنوع في جين الأوكسيتوسين على كيفية استجابتنا للضغوط.

ويمكن أن تؤثر أيضًا العوامل البيئية على تطوير نظام الأوكسيتوسين، الذي يبدأ تطوره في الرحم، ويستمر في التطور بعد الولادة. ووفقًا لتجاربنا، تحدث تغييرات حاسمة خلال مرحلة الرضاعة، والطفولة، والمراهقة. ويمكن أن تشكل التجارب الإيجابية أو السلبية في مقتبل العُمر نظام الأوكسيتوسين.

ويلفت المقال إلى أن الحصول على الرعاية الجيدة وحب الآباء والأمهات يمكن أن يسهم في تطور نظام الأوكسيتوسين بشكل طبيعي. والتعرض للمحن، مثل الضغوط أو المرض، يمكن أن يؤثر تأثيرًا ضارًا على نمو وعمل الأوكسيتوسين ومستقبلاته.

اقرأ أيضًا:

تأثير الضغوط في فترة الطفولة

علمتنا الدراسات على القوارض (الفئران) كيف تؤثر الصدمة المبكرة على نمو نظام الأوكسيتوسين، يقول المقال، فقد تبين أن الضغوط بمقتبل العُمر تغير مستويات الأوكسيتوسين داخل منطقة ما تحت المهاد واللوزة الدماغية، وهي مناطق هامة بالمخ وتعمل على إنتاج الأوكسيتوسين والتنظيم الانفعالي على التوالي. حتى عمل مستقبلات الأوكسيتوسين يتغير بعد صدمة الطفولة.

وتحدث تغييرات مماثلة واضحة أيضًا للبشر الذين تعرضوا لصدمة الطفولة. فالنساء اللواتي تعرضن لمعاملة سيئة بمرحلة الطفولة انخفض مستوى الأوكسيتوسين لديهن لاحقًا، كما حدث ذلك أيضًا مع الرجال الذين عانوا من صدمات الطفولة. وأيضًا، فقد انخفضت مستويات الأوكسيتوسين لدى الأطفال الذين نشأوا في ظروف مهملة بدار أيتام رومانية.

ويشير المقال إلى أن هذه التغيرات الدائمة تؤثر على النتائج السلوكية. ويؤدي التعرض إلى الضغوط بمراحل مبكرة من العمر إلى زيادة القلق والسلوكيات الاكتئابية لدى القوارض، وهو ما يستمر حتى مرحلة البلوغ.

أظهرت الأبحاث كيف أن الضغوط في المراحل المبكرة من العمر يمكن أن تؤثر على نمو نظام الأوكسيتوسين؛ مما يؤدي إلى ارتفاع القابلية لإدمان المخدرات، وانخفاض قدرة التعامل مع الضغوط.

في المقابل، نظام الأوكسيتوسين جيد التنظيم يمكن أن يدعم مرونة أكبر ضد الاستخدام المفرط للمخدرات والإدمان. الدراسات الحيوانية تظهر أن الأوكسيتوسين يمكن أن يعزز الاتصال الاجتماعي، والحد من تأثير المخدرات، والحد من القلق، وتحسين إدارة الضغوط. لكن يلفت التقرير إلى أننا ما زلنا بحاجة إلى مزيد من البحوث على البشر.

ويؤكد المقال على أن الضغوط في المراحل المبكرة من العمر لا تؤثر فقط على نظام الأوكسيتوسين، بل تغير أيضًا عدد من الأنظمة الأخرى التي تعمل مع الأوكسيتوسين، مثل الناقلات العصبية الهامة ونظام الضغط. وهذا يؤدي إلى تغييرات في كيفية تفاعل هذه النظم ويسهم في تغييرات بنظام الأوكسيتوسين والسلوك.

وفي النهاية يقول المقال: بما أن الأوكسيتوسين ينخرط بشكل حاسم في التنظيم الانفعالي، فإن فهم كيفية تأثر نمو نظام الأوكسيتوسين في المراحل المبكرة من العمر يمكن أن يساعدنا على فهم كيف يمكن للضغوط بالمراحل المبكرة من العمر أن يكون لها تأثير طويل الأمد على الصحة العقلية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

تعليقات الفيسبوك