نشر موقع «كوارتز» مقالًا لسام رين لويس، أستاذ الفلسفة بجامعة نوتنجهام البريطانية؛ يناقش فيه تجارب الدول في البحث عن سعادة مجتمعاتها، ويطرح وجهة نظره حول الأسلوب الأمثل لتحقيق السعادة الحقيقية للشعوب والمجتمعات المختلفة.

بدأ الكاتب بالقول: «تخيل مجتمعين مختلفين؛ يميل أفراد أحدهما لأن يكونوا مُجهَدِين ومتوترين، ومضطّربين، ومشتَتين، ومنشغلين بشؤونهم الخاصة؛ بينما يميل أفراد المجتمع الآخر إلى أن يكونوا مرتاحين ومطمئنّين وترتسم البسمة على شفاههم بسرعة ومنفَتحين وواثِقين من أنفسهم».

وأوضح الكاتب أن الفرق بين هذين السيناريوهَين المتخيّلين كبير جدًّا؛ فليس من المرجح فقط أن تكون أكثر سعادة في السيناريو الثاني؛ بل ستكون – غالبًا- أكثر أمنًا وصحة وتتمتع بعلاقات اجتماعية أفضل أيضًا. والفرق بين المجتمعات السعيدة والمجتمعات غير السعيدة ليس تافهًا؛ ذلك أننا نعلم أن السعادة أهم من مجرد شعورنا بالراحة.

فلسفة

منذ 8 شهور
هل تبحث عن معنى لحياتك؟ هذا الحل الياباني القديم قد يساعدك

كيف يمكن أن نؤسس مجتمعات سعيدة؟ 

يتساءل الكاتب: «كيف يمكن أن نؤسس مجتمعات سعيدة؟» ليجيب: «كان البوذيون في بوتان أول مجتمع يحدد سياسته بناءً على سعادة مواطنيه؛ إذ أعلن ملك بوتان في مقولته الشهيرة عام 1972 أن السعادة القومية الإجمالية (GNH) كانت مقياسًا أكثر أهمية للتقدم من إجمالي الناتج المحلي (GDP).

منذ ذلك الحين، حذت العديد من الدول الأخرى حذو بوتان؛ متطلعة إلى ما هو أبعد من إجمالي الناتج المحلي ليكون مقياسًا للتقدم الوطني. على سبيل المثال: وضعت المملكة المتحدة برنامجًا وطنيًّا للرفاهية عام 2010، وأصبحت منذ ذلك الوقت تقيس رفاهية الشعب عبر عشرة مجالات، لا تختلف كثيرًا عن نهج بوتان.

Embed from Getty Images

وفي الآونة الأخيرة، استحدثت نيوزيلندا أول «ميزانية للرفاهية» مع التركيز على تحسين رفاهية المواطنين الأضعف في البلاد.

يرى سام أن مثل هذه المبادرات تميل إلى الاتفاق على نطاق واسع حول الشروط المطلوبة ليكون المجتمع سعيدًا. وفقًا لتقرير السعادة العالمي، هناك ستة مكونات أساسية للسعادة الوطنية: الدخل، ومتوسط العمر الصحي المتوقع (HLY)، والدعم الاجتماعي، والحرية، والثقة، والكرم.

تميل البلدان الإسكندنافية – التي تتصدر عادة تصنيفات السعادة العالمية (فنلندا هي الأولى حاليًا) – إلى تحقيق نتائج جيدة في جميع هذه المقاييس، وفي المقابل؛ فإن البلدان التي مزقتها الحرب مثل: جنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى، وأفغانستان تميل إلى تحقيق نتائج سيئة.

هل تعتمد السعادة على هذه المكونات الستة الرئيسية؟

يجيب سام: لا أظن ذلك؛ فهذا النهج في نهاية المطاف مفرط في البساطة، حتى إنه ربما يصبح ضارًّا، والمشكلة أن هذا النهج يركز على ماهية السعادة وليس كيفية تحقيقها.

من الواضح أن أمورًا مثل متوسط العمر الصحي المتوقع والدعم الاجتماعي والثقة هي أمور جيدة بالنسبة لنا، ولكن كيفية الوصول إلى هذه النتيجة ربما تكون أكثر أهمية من النتيجة ذاتها.

على سبيل المثال: كيف نعرف أننا نقيس العامل الأكثر أهمية؟ تعتمد تصنيفات السعادة العالمية إلى حد كبير على قياس مدى الرضا عن الحياة، لكن ذلك أبعد ما يكون عن الوضوح إذا كانت مثل هذه القياسات قادرة على تفسير الاختلافات المهمة في الرفاهية النفسية.

يتابع سام: «بدلًا من ذلك، يمكننا أن نسأل الناس عما يعتقدون أنه مهم. اتبع تطوير البرنامج الوطني للرفاهية في المملكة المتحدة هذا النهج؛ إذ أجرى أبحاثًا نوعية لتطوير المجالات العشرة للسعادة، لكن هذا النهج ملتبس أيضًا؛ فكيف نعرف أن أيًّا من هذه المجالات العشرة هو الأهم؟ فربما لا تكون المكونات الأهم لمجتمع ما هي نفسها بالنسبة لمجتمع آخر. سؤال الناس فكرة جيدة، لكن لا يمكننا فعله لمرة واحدة ثم نفترض أن المهمة قد أُنجزت».

يستدرك الكاتب: «لا تسيئوا فهمي، أعتقد أن هذه الأنواع من المبادرات هي تحسين لقياس التقدم الوطني، لكن بطرق أكثر محدودية، مثل: التركيز الحصري على الدخل وإجمالي الناتج المحلي (GDP)، لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نتجاهل أخطاءها».

ويلفت المقال إلى أن هناك أوجهًا للتشابه هنا مع السعي لتحقيق السعادة على المستوى الفردي، فنحن نمضي في حياتنا وفي رؤوسنا قائمة من الأشياء التي نظن أنها ستجعلُنا سعداء؛ لو أننا فقط نحصل على هذه الترقية، أو نحظى بعلاقة حب، وما إلى ذلك. من المؤكد أن الحصول على هذه الأشياء يمكن أن يحسّن حياتنا، وربما يجعلنا حتى أكثر سعادة. لكننا نخدع أنفسنا إن اعتقدنا بأنها سوف تجلب لنا السعادة الدائمة.

ويخلص الكاتب إلى أن «الحياة أكثر تعقيدًا بكثير من ذلك، ذلك أننا مخلوقات ضعيفة وغير آمنة، وسنصاب حتمًا بخيبة الأمل والخسارة والمعاناة. وبتركِيزنا الحصريّ على الأشياء التي نظن أنها ستجعلنا سعداء، فإننا نعمي أنفسنا عن الأشياء الأخرى المهمة في الحياة».

مبادئ السعادة

يقول سام إن علماء النفس قد بدأوا تركيز اهتمامهم ليس فقط على مكونات السعادة الفردية، ولكن أيضًا على القدرات التي يحتاجها الناس ليكونوا سعداء، في ظروف لا محالة هشة وغير آمنة.

Embed from Getty Images

فمثلًا، ما يسمى بـ«الموجة الثانية» من علم النفس الإيجابي تهتم بفوائد المشاعر السلبية بقدر اهتمامها بفوائد المشاعر الإيجابية، وفي الوقت نفسه، تحثّ ثورة اليقظة الذهنية الناس على تجاوز مفاهيم الخير والشر وتعلم قبول الأشياء كما هي.

وتولي هذه الأساليب اهتمامًا أقل بالظروف التي تجعل الناس سعداء، وتهتم أكثر بكيفية استطاعة الناس السعي للسعادة في ظل ظروف محفوفة بانعدام الأمان واللايقين.

يضيف الكاتب: «كلما ركزنا على قائمة الأشياء التي نتمناها، فشلنا في رؤية الأشياء المهمة حقًّا؛ فعندما نكون متأكدين من الأشياء التي تجعلنا سعداء، ونحاول الحصول عليها بإلحاح، فإننا نفشل في تقدير قيمة الأشياء التي لدينا بالفعل، والفرص المجهولة الكثيرة التي لم نكتشفها بعد. وعندما تسوء الأحوال حتمًا في حياتنا، فإننا نلوم الآخرين أو أنفسنا بدلًا من التعلم مما حدث».

السعادة الحقيقية في التواضع واليقين والرحمة

بدأ علماء النفس في فهم حدود هذا الأمر؛ إذ يميل الأفراد السعداء إلى (امتلاك مزيج من) التواضع واليقين، والفضول والإلحاح، والرحمة واللوم. يمكننا تطبيق هذه الدروس نفسها على المستوى الوطني، فإنشاء مجتمع أكثر سعادة لا يتطلب فقط تعزيز الأمور المهمة، بل أيضًا تعزيز القدرات لاكتشاف ما هو مهم.

نحن نعرف هذا على المستوى المؤسسي؛ ففي التعليم مثلًا، نعلم أنه من المهم تعزيز الفضول وحب التعلم بقدر أهمية الحصول على نتائج جيدة في الامتحانات سواءً بسواءٍ، كما يوضح الكاتب.

وفي الأوساط الأكاديمية، نعلم أنه على الرغم من أننا نستطيع اكتشاف حقائق علمية مهمة، فإن كل نظريّاتنا العلمية الحالية تقريبًا ربما تتجاوزها نظريات أخرى، ويجب علينا أن نبقى منفتحين. نعلم أن جاذبية المؤسسات الدينية وأهميتها يعتمدان على الموازنة بين التعاليم العقائدية والغموض والفضول؛ بين النظام والإيمان من جهة والانفتاح والمرونة من جهة أخرى.

يرى الكاتب أن إنشاء مجتمع سعيد لا يعتمد فقط على تهيئة الظروف المناسبة، بل يعتمد أيضًا على إنشاء المؤسسات والعمليات المناسبة لاكتشاف تلك الظروف، والمفارقة هي أن أعضاء المجتمع السعيد الذي وصفه الكاتب في بداية المقال – الذين يميلون إلى أن يكونوا مرتاحين، ومطمئنّين، وسريعي الضحك، ومنفَتحين، وواثقين من أنفسهم– ربما يكونون أقل تركيزًا على ما يجعلهم سعداء، وأكثر تركيزًا على اكتشاف ما يهم حقًّا، بالتواضع والفضول والرحمة.

يختم سام مقاله بقوله: «لإنشاء مجتمع سعيد؛ نحتاج إلى: تدابير ومؤسسات تفعل الأمر نفسه».

فلسفة

منذ سنة واحدة
«مناظرة القرن» بين جيجيك وبيترسون.. هل الماركسية أم الرأسمالية تُحقق السعادة؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد