نشر موقع «ذا كونفرزيشن» تقريرًا أعدَّه تريفور كيلباتريك وستيفن بيترو، أستاذا علوم الأعصاب بمعهد فلوري لعلم الأعصاب والصحة العقلية، استعرضا فيه الحديث عن متلازمة كوفيد طويل الأمد التي لا ترتبط بالعمر كما في حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19 الذي أشار الكاتبان إلى أنه يؤثِّر تأثيرًا سلبيًّا على الدماغ، وربما يؤدي في بعض الحالات إلى الإصابة بالخَرَف (اختلال العقل)، والتدهور المعرفي، وصعوبات في الحركة والنوم. وخلُص الكاتبان إلى أننا نحتاج إلى مواصلة بذل كل ما في وسعنا حتى نمنع تصاعد حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19.

أعراض طويلة الأمد

يستهل الكاتبان تقريرهما بالقول: أصبح العلماء يساورهم قلق بالغ جرَّاء ظهور متلازمة يُطلَق عليها «كوفيد طويل الأمد»؛ إذ تعاني نسبة كبيرة من المصابين بفيروس كوفيد-19 من أعراض طويلة الأمد.

صحة

منذ شهر
«نيويورك تايمز»: ماذا يحدث للأطفال عندما يصابون بكوفيد طويل الأمد؟

وتشير الدراسات إلى أن الأعراض تظل موجودة لما يناهز 524% من حالات الإصابة المؤكدة بفيروس كوفيد-19، لمدة لا تقل عن ثلاثة إلى أربعة أشهر بعد الإصابة.

ولم يَعُد يُعتقد أن خطورة الإصابة بمتلازمة كوفيد طويل الأمد ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالعُمر أو بحِدَّة مرض كوفيد-19 في المرحلة الأولية. ولذلك لم تزل هناك إمكانية لظهور أعراض متلازمة كوفيد طويل الأمد على الشباب، والأشخاص المصابين بفيروس كوفيد-19 الذي يتَّسِم بتوسُط خطورته في المرحلة الأولية.

ويلمح التقرير إلى أنه سرعان ما تبدأ بعض أعراض متلازمة كوفيد طويل الأمد، وتظل موجودة، بينما تظهر أعراض أخرى بعد مدة لا بأس بها من مرور الإصابة الأولية. وتتضمن أعراض الإصابة بالمتلازمة الشعور بإجهاد شديد، واستمرار ضيق التنفُّس.

وينوِّه كاتبا التقرير إلى أن ما يثير قلقهما بوصفهما عالِمَين من علماء الأعصاب يتمثَّل في أن كثيرًا من الذين يعانون من متلازمة كوفيد طويل الأمد يُبلِغون عن صعوبات في الانتباه والتخطيط، وهو المعروفة باسم «ضباب الدماغ».

كيف يؤثر مرض كوفيد على الدماغ؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، يطرح الكاتبان سؤالًا آخر: كيف ينتقل الفيروس إلى أدمغتنا؟

ويجيبان: هناك دليل يربط بين فيروسات الجهاز التنفسي، بما في ذلك الإنفلونزا، واختلال وظائف المخ. ووفقًا لسجلات جائحة الأنفلونزا الإسبانية التي تفشَّت عام 1918، هناك تقارير كثيرة بشأن الخَرَف (اختلال العقل)، والتدهور المعرفي، وصعوبات في الحركة والنوم.

وتشير الأدلة، المُستمدَّة من تفشِّي المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (السارس) عام 2002، وتفشِّي متلازمة الشرق الأوسط التنفُّسية عام 2012، إلى أن هاتين العدوتين تسببتا في إصابة زهاء 15-20% من الأشخاص المتعافين بالاكتئاب، والقلق، وصعوبات الذاكرة، والإرهاق.

Embed from Getty Images

ووفقًا للتقرير لا يوجد دليل قاطع على أن فيروس كورونا 2 المُسبِّب لمتلازمة الالتهاب الرئوي الحاد الوخيم (SARS-CoV-2)، الذي يتسبب في الإصابة بفيروس كوفيد-19، يمكن أن يخترق الحاجز الدموي الدماغي، الذي عادةً ما يحمي الدماغ من الجزيئات الكبيرة والخطيرة المنقولة بالدم التي تدخل من مجرى الدم. ولكن هناك بيانات تشير إلى أنه ربما «ينتقل» إلى الدماغ عن طريق الأعصاب التي تربط بين أنوفنا وأدمِغتنا.

ويشُكُّ الباحثون في هذا الأمر نظرًا للعثور على المادة الجينية للفيروس في الجزء الذي يبدأ عملية الشم في أنوف كثير من الشباب البالغين المُصابين، تزامنًا مع فقدان الأشخاص المصابين بفيروس كوفيد-19 حاسة الشم.

كيف يؤثر كوفيد-19 على الدماغ؟

يؤكد التقرير أن هذه الخلايا الحسِّيَّة الأنفية تتَّصل بمنطقة من الدماغ تُعرَف باسم «الجهاز الحوفي»، الذي يشارك في العاطفة والتعلُّم والذاكرة.

وفي دراسة أُجريت في المملكة المتحدة وأُصدِرَت بوصفها طباعة مُسبقة عبر الإنترنت في يونيو (حزيران)، وازن باحثون بين صور الدماغ التي التُقِطَت لأشخاص قبل إصابتهم بفيروس كوفيد-19 وبعدها. وأظهر الباحثون أن هناك أجزاءً من الجهاز الحوفي تقلَّص حجمها موازنة بالأشخاص غير المصابين بالفيروس. وقد يشير هذا الأمر إلى قابليتهم للإصابة بأمراض الدماغ في المستقبل، وربما يؤدي دورًا في ظهور أعراض متلازمة كوفيد طويل الأمد.

ويمكن أن يؤثر فيروس كوفيد-19 أيضًا تأثيرًا غير مباشر في الدماغ. كما يمكن أن يتسبب الفيروس في تلف الأوعية الدموية والتسبُّب في حدوث نزيف أو انسداد يؤدي إلى تعطيل تدفُّق الدم أو الأكسجين أو إمداد الدماغ بالعناصر الغذائية، لا سيما المناطق المسؤولة عن حل المشكلات. كما يُنشِّط الفيروس جهاز المناعة. ويؤدي هذا الأمر في بعض حالات الأشخاص إلى إنتاج جزيئات سامَّة يمكن أن تُقلِّل من وظائف المخ.

ويستدرك كاتبا التقرير قائلين: لكن وعلى الرغم من أن الأبحاث التي أُجريَت في هذا الإطار لم تزل في طور الخروج للنور، ينبغي أيضًا مراعاة تأثيرات فيروس كوفيد-19 على الأعصاب التي تتحكم في وظيفة الأمعاء. وربما يؤثر هذا الأمر على عملية الهضم، وصحة بكتيريا الأمعاء، وتكوينها، التي من المعروف أنها تؤثر في وظيفة الدماغ.

ويمكن أن يُضعِف الفيروس أيضًا وظيفة الغدَّة النخامية، المعروفة غالبًا باسم «الغدَّة الرئيسة»، التي تُنظِّم إنتاج الهرمون. وهذا يشمل الكورتيزول، الذي يحكُم استجابتنا للضغط. وعندما تقل نسبة الكورتيزول، ربما يسهم هذا الأمر في الشعور بالإرهاق على المدى الطويل.

وبحسب التقرير، كانت هذه ظاهرة مُعترَف بها في المرضى الذين شخَّصَهم الأطباء على أنهم مصابين بالسارس، وفي موازنة مثيرة للقلق مع فيروس كوفيد-19، استمرت أعراض المرضى لمدة تصل إلى عام واحد بعد الإصابة.

Embed from Getty Images

ونظرًا إلى الإسهام الكبير بالفعل لاضطرابات الدماغ في العبء العالمي للإعاقة، يُعَد التأثير المُحتمَل لمتلازمة كوفيد طويل الأمد على الصحة العامة شديدًا.

أسئلة تحتاج إلى الإجابة عنها

يرى الكاتبان أن هناك أسئلة مهمة لم يُجب عنها بشأن متلازمة كوفيد طويل الأمد وتستوجب التحقُّق منها، بما في ذلك كيفية انتشار المرض، وعوامل الخطر المُحتملَة ومجموعة النتائج، فضلًا عن أفضل طريقة لعلاجه.

ومن المهم أن نبدأ في فهم أسباب التفاوت الكبير في الأعراض. وقد يرجع هذا الأمر إلى عِدَّة عوامل، بما في ذلك السلالة الفيروسية وشِدَّة العدوى وتأثير المرض الموجود مسبقًا، والعمر، وحالة التلقيح، أو حتى الدعم البدني والنفسي المُقدَّم منذ بداية المرض.

ويختتم الكاتبان تقريرهما بالقول: مع أن هناك العديد من الأسئلة المتعلقة بمتلازمة كوفيد طويل الأمد، هناك أمر مؤكَّد، وهو: أننا نحتاج إلى مواصلة بذل كل ما في وسعنا لمنع تصاعد حالات الإصابة بفيروس كوفيد-19، بما في ذلك الحصول على اللقاح حالما تكون مؤهلَّا لذلك.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد