نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا للباحث والصحافي الخبير في شؤون السودان جيروم توبيانا، يتحدث فيه عن استخدام الرجل القوي في البلاد إقليم دارفور لتعزيز حكمه.

ويبدأ توبيانا مقاله الذي ترجمته «عربي21» بالقول: «قابلت حسام في وقت سابق من هذا العام في مخيم للاجئين في الصحراء في شمال النيجر، لقد كان من بين ألفي باحث عن لجوء من منطقة دارفور في السودان، ومنذ أن ترك دارفور قبل عامين قطع حسام – الذي حجب اسم عائلته – خطي حدود دوليين، وفقد زوجته التي اختطفها مهربو البشر في ليبيا، ويخطط لقطع المزيد من الحدود ليصل إلى أوروبا».

ويشير الكاتب إلى أنه «عندما كان حسام طفلًا أحرقت قريته، مثل العديد من القرى غير العربية في دارفور، من مليشيات الجنجويد، وهي المليشيات العربية في دارفور التي سلحتها الحكومة السودانية لمحاربة الثائرين غير العرب والمجتمعات المدنية، وخلال الهجوم تم اختطاف إحدى أخوات حسام، وعمرها 14 عامًا، وتم اغتصاب أخته الأخرى البالغة من العمر 10 سنوات، وبعد ذلك انتقلت عائلته إلى مخيم للنازحين في شمال دارفور، وتمكن حسام من التسجيل في مدرسة المخيم، ثم الالتحاق بجامعة في العاصمة الخرطوم».

ويلفت توبيانا إلى أنه «في الوقت الذي كان يدرس فيه هناك حاولت المخابرات السودانية تجنيده للتجسس على الطلاب الآخرين، وهددوا بقتله إن لم يفعل، لكنه ظل يرفض ذلك، ولم يكن أساتذته أكثر ترحيبًا به، حيث كانوا يقولون له إنه ليس كالطلاب الآخرين؛ لأنه ليس عربيًا، ولأنه من دارفور، (لقد كان معظم التلامذة في فصله من المجتمعات المستعربة وسط السودان، والقليل كانوا من أطراف السودان مثل دارفور وكردفان)».

وينوه الباحث إلى أنه «حسام، مثل الكثير من الطلاب، انضم في عام 2013 إلى المظاهرات الواسعة ضد حكومة الرئيس عمر البشير، وكان القمع عنيفًا، وقتل ما لا يقل عن 200 متظاهر، بينهم أخوه محمد، وبحسب منظمات حقوق الإنسان فإن الطلاب من دارفور كانوا مستهدفين».

ويفيد توبيانا بأن «الاستياء انتشر ثانية في عام 2016، وتم اعتقال العديد من الطلاب، خاصة القادمين من دارفور، وقضى حسام سبعة أشهر في سجن كوبر سيئ السمعة، وعندما أطلق سراحه قرر هو وزوجته المغادرة إلى ليبيا؛ أملًا في الوصول إلى أوروبا، وكان هناك الآلاف مثله على مدى الأعوام القليلة الماضية».

ويقول الكاتب: «عندما بدأت ما تسمى الثورة العام الماضي في السودان، شارك فيها عدد قليل من دارفور ومن الأطراف التي مزقتها الحروب، وأحد الأسباب واضح: ففي الجولات السابقة من المظاهرات كانوا هم المستهدفين من القمع، بالإضافة إلى أن دارفور نزفت حتى جفت، ومع أنه في الماضي كان الكثير من شباب دارفور يؤيدون أو يشاركون في المجموعات المعارضة المسلحة، إلا أن عددًا متزايدًا منهم، مثل حسام، يئسوا من التغيير، وبدلًا عن ذلك فإنهم يغادرون أو يخططون للمغادرة».

ويشير توبيانا إلى أنه «ديسمبر (كانون الأول) 2018 وصف النظام المظاهرات بأنها مؤامرة مدبرة من ثوار دارفور مدعومين من الغرب، لكن نظريات المؤامرة التي أطلقها النظام تفتقد المصداقية، فلم تكن المظاهرات محدودة في مناطق الحروب فقط، لكن في السنوات الأخيرة أصبح البشير شريكًا مقربًا من أمريكا ومن الاتحاد الأوروبي».

ويفيد الباحث بأن «رد المتظاهرين على دعايات النظام كان بالشعار (البلاد كلها دارفور)، وكان ذلك جزئيًا فيه استغلال، وكان في جزء منه صرخة صادقة، فعندما بدأت المظاهرات في أبريل (نيسان)، تتحول إلى اعتصام ضخم، خرج الناس من دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق لدعم الحركة، وأيضًا لتذكير الجموع في الخرطوم بالرعب الذي واجهوه».

ويستدرك توبيانا بأنه «كانت هناك مجموعة أخرى، معظمهم من دارفور، تجمعت في شوارع العاصمة في الوقت ذاته: قوات الدعم السريع، وهو الاسم الرسمي لمليشيات الجنجويد، التي كانت مسؤولة عن العنف في دارفور وما حولها، (وجرب حسام عنف قوات الدعم السريع مرتين، خلال المظاهرات عام 2013، وعندما عبر من السودان إلى ليبيا حيث تم ضربه وسلب ما معه)».

ويبين الكاتب أنه «على خلاف مظاهرات 2013، فإن قوات الدعم السريع بدت كأنها تؤيد المظاهرات، وقد ترفع قائدها محمد حمدان دفلو (حميدتي) إلى منصب نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي، الذي حل محل البشير الذي أطيح به في 11 أبريل، ومع أن قرار حميدتي أن يعصي أوامر البشير بإطلاق النار على المتظاهرين أكسبه شعبية بين المتظاهرين في العاصمة، إلا أن أهالي دارفور وغيرها من المناطق التي مزقتها الحروب ظلوا متوجسين».

ويعلق توبيانا قائلًا: «ربما ذلك هو السبب الذي يجعل حميدتي يحاول أن يقلب السياسة السودانية رأسًا على عقب، ففي الماضي كانت استراتيجية الجنجويد قائمة على رؤية مبسطة لكنها فعالة للسودان، التي تنقسم إلى ثلاثة أجزاء: المركز (وسط السودان)، وغير العرب في الأطراف، والعرب في الأطراف، كان المركز والعرب في الأطراف مصطفين بالمصالح والتقارب الإثني ضد غير العرب كلهم».

ويؤكد الباحث أن «دور حميدتي في سقوط البشير جعل له شعبية في المركز، لكن شهر العسل انتهى في 3 يونيو (حزيران)، عندما قامت قوات الدعم السريع بقيادة فض الاعتصام، ومنذ ذلك الحين بدا حميدتي، الذي أصبح بحاجة ماسة لتوسيع قاعدته أوسع من عرب دارفور، مستعدًا لعقد شراكة مع السودانيين كلهم في الأطراف ضد المركز».

ويلفت توبيانا إلى أن «أمير الحرب يقدم نفسه على أنه الرجل الأول من أطراف السودان الذي يصل إلى مثل ذلك المنصب الرفيع، ويقول إنه يمثل المناطق المهمشة كلها، ولأن أجهزة المخابرات والمتظاهرين يهيمن عليهما سكان المركز، ويشعر سكان الأطراف بأن المخابرات قامت بقمعهم، والمتظاهرون أهملوهم، فإن هناك ما يجعل بعضهم يتعامل مع حميدتي، الذي لقي مؤشرات ترحيب من المعارضة المسلحة، فقال قائد الثوار الدارفوري ميني ميناوي بأنه بالرغم من أن قواته خسرت الكثير من حربها مع قوات الدعم السريع، إلا أن العدو هو المركز».

ويفيد الكاتب بأن «ذلك كله جاء قبل 5 يوليو (تموز)، عندما اتفق المجلس العسكري الانتقالي مع ممثلي حركة الاحتجاج على سلطة انتقالية يشاركون فيها، ورفضت قيادات فصائل ثوار دارفور الرئيسة تلك الصفقة، التي انتقدوها على أنها إعادة لإخراج الوضع السابق، حيث يسيطر المركز على الأطراف، ما يفتح الباب أمام استمرار مفاوضات منفصلة مع حميدتي».

ويقول توبيانا: «حتى الثوار المتشككين من حميدتي قد لا يكون أمامهم خيار سوى العمل معه، الذي لطالما قامت قواته بقتل قواتهم، وإن لم يتمكنوا من التوصل إلى صفقة معه الآن في دارفور، فإنهم قد يخاطرون بضياع فرصة الاستفادة من غنائم الثورة، وبالذات احتمال أخذ المزيد من أراضي دارفور، ما قد يمنحهم قوة ضغط أكبر في أي مفاوضات مستقبلية».

ويذهب الباحث إلى القول: «قد يكون نظام البشير ذهب، لكن إرثه لمجتمع سوداني منقسم بسبب خلافات سياسية وقبلية عميقة مستمر، وعادة ما تسارع الاطراف الدولية التي تدرك التوترات القائمة في البلد إلى دعم الجيش خشية وقوع الفوضى وتحت اسم (الاستقرار)، لكن أولئك الذين لا يزالون يؤمنون بتحول ديمقراطي ممكن يجب عليهم أن يقلقوا بشأن قطاع من المجتمع (المركز) الذي لا يزال يسيطر على القطاع الآخر (في الأطراف)، ولذلك قد تكون السودان بحاجة إلى عمليتي انتقال: واحدة من الحكم العسكري إلى الحكم المدني، والثانية من الحكم المركزي إلى حكم الدولة الوطنية الحقيقية».

ويختم توبيانا مقاله بالقول: «قبل أن تقوم قوات الدعم السريع بقمع الاعتصام في الخرطوم، كان لدى حسام وزملائه الباحثين عن اللجوء في النيجر بصيص أمل، فكتب لي على (واتس آب) قائلًا: (بعضنا سعيد جدا بسبب الوضع في السودان.. ويقولون إنهم يريدون العودة للسودان)، لكن آخرين ظلوا قلقين، فقال حسام: (نأمل أن يكون هناك تغيير حقيقي.. لأننا نحتاج لبلدنا)».

«ناشيونال إنترست»: هل يمكن أن ينجح حل ديمقراطي في السودان؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد