في مقال لـ«آندريا كانديل تايلور» و«إيريكا فرانتز» لمجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، تحاول الكاتبتان تفسير اجتياح التيار الشعبوي للعالم، إذ تعتقدان بأن السبب الرئيسي في ذلك هو الصعوبات الاقتصادية التي تمر بها الدول، والتي جعلتها لا ترغب في المزيد من العولمة والمهاجرين، وهو ما انعكس في صورة تأييد متزايد من الشعوب لأحزاب، وقادة يعتقدون بأن لديهم القدرة على الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية لمجتمعاتهم.

في أوروبا، يهيمن هذا النوع من الأحزاب على البرلمانات في العديد من الدول كاليونان، والمجر، وإيطاليا، وبولندا، وسلوفاكيا، وسويسرا، كما يعتبر جزءًا من الائتلاف الحاكم في فنلندا، والنرويج، وليتوانيا. بالنظر أيضًا إلى جنوب شرق آسيا، نجد أن الرئيس الفلبيني رودريجو دوتيرتي يحمل أجندة شعبوية أيضًا. وهو ما لا يختلف كثيرًا عما يحدث في الولايات المتحدة مع وصول دونالد ترامب للحكم.

هدف الأنظمة الشعبوية

 

ترى الكاتبتان أن أهداف هؤلاء القادة والأحزاب ليست بالجديدة، ولا تختلف كثيرًا عن أسلافهم تاريخيًّا في أمريكا اللاتينية وأوروبا، إذ يفضلون نمط قيادة قويًّا وحاسمًا يرفض المؤسسات القائمة، ويظهر تشككًا كبيرًا في النخب القائمة. ومع ذلك، تضيف الكاتبتان أن التكتيكات التي يستخدمها أصحاب المنهج الشعبوي في يومنا هذا لتنفيذ رؤيتهم المتمثلة في الحكم الحديدي قد تطورت عن السابق.

بدلًا من إحداث تغييرات مفاجئة عن النظام الديمقراطي ربما تتسبب في إدانات محلية ودولية، يتجهون اليوم إلى التعلم من دروس بعض الرموز الشعبوية، مثل هوجو تشافيز في فنزويلا، وفلاديمير بوتين في روسيا، ورجب طيب أردوغان في تركيا، فهذه النماذج التي جاءت بعد الحرب الباردة تبنت نموذجًا بطيئًا وثابتًا لتفكيك الديمقراطية.

وصل هؤلاء القادة إلى الحكم بانتخابات ديمقراطية، قبل أن يقوموا بتهميش المعارضة، وتقويض دور المؤسسات، وإضعاف المجتمع المدني، وقواعد اللعبة هنا واضحة ومباشرة: تثبيت الموالين لهم في المناصب الرئيسية للسلطة (خاصة القضاء والمؤسسات الأمنية)، وتحييد وسائل الإعلام عن طريق شرائها، وفرض الرقابة عليها، وهي الطريقة التي تصفها الكاتبتان بالخطر الأكبر على الديمقراطية في القرن الحادي والعشرين.

اقرأ أيضًا: كيف تساعد وسائل التواصل الاجتماعي الدكتاتورية؟

خطر الانقلابات يتراجع

 

يصف المقال عملية التفكك المستمر للمعايير، والممارسات الديمقراطية على يد هؤلاء القادة الذين انتخبوا «ديمقراطيًّا» بالأساس بأنها تمثل تغيرًا عميقًا في الطريقة التي سقطت بها الديمقراطيات عبر التاريخ. يظهر لنا من خلال مراجعة تاريخ الأنظمة الاستبدادية، أنه حتى وقت قريب، كان الخطر الأكبر على الديمقراطية الانقلابات العسكرية.

في الفترة من 1946 وحتى 1999، فشلت 64% من الديمقراطيات بسبب هذه الانقلابات. أما في العقد الأخير، تزايدت نسب الحكم الاستبدادي القائم على الشعبوية ليمثل 40% من أسباب فشل التجارب الديمقراطية، في الفترة من 2000 وحتى 2010، كما أصبح أمرًا متكرر الحدوث يوازي تمامًا حدوث الانقلابات العسكرية. وإذا استمرت الأرقام الحالية، ستصبح الشعبوية هي الطريق الأكثر شيوعًا للوصول إلى الاستبداد.

تقول الكاتبتان إن التغييرات التي يحدثها القادة الشعبويون من الصعب للغاية ملاحظتها ورؤية أثرها على النظام الديمقراطي ككل، نظرًا لكونها تدريجية وغير واضحة تمامًا، دون وجود نقطة بعينها يمكن أن تجتمع حولها المعارضة للوقوف ضدها بالكامل.

حتى في الحالات التي تتحد فيها الأصوات المعارضة، ما يفعله القادة الشعبويون هو ببساطة وصفهم بـ«الطابور الخامس» أو بـ«العملاء»، وغيرها من الأوصاف التي تتهمهم بالسعي وراء زعزعة الاستقرار. في هذا الوقت، تموت الديمقراطية تدريجيًّا، وتصبح المعارضة مقسمة تمامًا.

بخلاف ذلك، ونظرًا لأن هذا النوع من القادة يحظى بدعم شعبي كبير، وهو ما يمكنهم بسهولة من حصد دعم كبير لما يقترحون من تغييرات، وهو ما يتكرر في أكثر من نموذج، آخرها كان النموذج التركي، والذي وصل فيه أردوغان وحزبه العدالة والتنمية للحكم من خلال الانتخابات الوطنية عام 2002، واستمر في جذب أصوات الناخبين بشكل متزايد في جميع المناسبات الانتخابية التالية.

يؤكد المقال أن الأنظمة الشعبوية الاستبدادية يصعب هزيمتها، بل وإنها تعطي الفرصة أيضًا لظهور «ديكتاتورية فردية»، تجعل السلطة في يد شخص واحد. وبالعودة إلى الأرقام السابقة التي تناولناها، فنسبة الأنظمة الديكتاتورية التي قادت إلى حكم فردي في الفترة من 1946 إلى 1999 لم تتجاوز 50%، في حين ارتفعت النسبة في الفترة من 2000 إلى 2010 لتصل إلى 75%.

في أغلب الحالات، يصل القادة الشعبويون إلى الحكم من خلال دعم حزب سياسي ما، إلا أنهم دائمًا ما يقومون بعد ذلك بتهميش الأصوات المعارضة داخل الحزب، وهو ما تكرر في روسيا وتركيا وفنزويلا، بل وفي نماذج أخرى مثل ألبرتو فوجيموري في بيرو، ودانييل أورتيجا في نيكارجوا، ورافاييل كوريا في الإكوادور.

لا يختلف الحال كثيرًا في الدول التي يقودها الاتجاه الشعبوي دون التحول إلى الاستبداد بالكامل، مثل المجر وبولندا، إذ يحظى القادة فيها كفيكتور أوربا، وياروسلاف كاتشينسكي بقدر كبير من السلطة بما يفوق مناصبهم.

ويعد صعود الديكتاتوريات الفردية هو مصدر القلق الأكبر، إذ يظهر بحث موسَّع في العلوم السياسية أن هذا النوع من الأنظمة ينتج عنها أنظمة تميل إلى التقلب والعدوانية في السياسة الخارجية، وتتبنى مشاعر الكراهية لكل ما هو أجنبي، كما تصبح العودة إلى مسار الديمقراطية صعبة للغاية في هذه الحالة، حتى بعد سقوط النظام الديكتاتوري.

كيف تصل الأنظمة الشعبوية للحكم؟

 

ترى الكاتبتان أن القوى التي تؤدي إلى صعود المزيد من الأنظمة الشعبوية لن تختفي قريبًا، خاصةً مع ضعف الأنظمة الاقتصادية، وانتشار حالة من خيبة الأمل لدى الكثير من الشعوب، ووجود الفساد، وحالة عدم الرضا عن أداء الحكومات، وهذه هي الأسباب الرئيسية التي تقودنا نحو مزيد من الأنظمة الشعبوية عالميًّا.

لهذا السبب، علينا ألا نتجاهل خطر الشعبوية على النظام الديمقراطي وتطوره. ربما يكون تأثر الديمقراطية الأوروبية على سبيل المثال بهذا النموذج منحصرًا فقط في المجر وبولندا، وذلك نظرًا لقوة الجذور الديمقراطية في أوروبا وقوة مؤسساتها، إلا أن خطر الأنظمة الشعبوية أكبر بكثير في الدول حديثة العهد بالديمقراطية.

أحد الأمثلة على هذا الأمر ما يقوم به رودريجو دوتيرتي حاليًا في الفلبين، إذ يقدم نموذجه القائم على الخطاب الحماسي القوي كحل لخيبة الأمل التي تنتاب الشعب بسبب معدلات الجريمة، والفقر، والفساد المرتفعة في البلاد. ومنذ وصوله إلى الحكم في يونيو/ حزيران الماضي، سريعًا ما تحول دوتيرتي لقمع منافسيه وبسط سيطرته بالكامل، مع وعود بتحويل السياسة الخارجية للبلاد لتكون أقرب إلى روسيا والصين، بدلًا من الولايات المتحدة.

في نهاية المقال، تقول الكاتبتان إن السبيل إلى مواجهة تهديد الأنظمة الشعبوية يتطلب بالأساس حالة من اليقظة والتنسيق بين قطاعات المجتمع، كما أن معرفة، وفهم الطرق التي يستخدمها هؤلاء الزعماء لتعزيز قبضتهم على الحكم هو الخطوة الأولى لإيقاف هذه السيطرة. وعلى الرغم من أن الديمقراطيات الهشة تواجه خطرًا أكبر من غيرها، إلا أن الديمقراطيات العريقة ليست في مأمن من الخطر أيضًا.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد