نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا تُلخّص فيه النقاط الرئيسية لفهم سبب ومستوى تصاعد حدّة أزمة كورونا في الهند مؤخرًا، وكيف تتعامل السلطات المحلية والعالمية على حدّ سواء مع هذا التفشّي الخارج عن السيطرة؟

Embed from Getty Images

ذعرٌ صحي

يتحدث التقرير عن شهر فبراير (شباط) في الهند، وكيف بدا حينها وكأن الهند تنعم بضربة حظّ مفاجئة حيّرت العاملين في مجال الرعاية الصحية وعلماء الأوبئة هناك، وتجلى ذلك بانخفاض عدد حالات الإصابة بفيروس كورونا، وصار الطلب على أجهزة التنفس الاصطناعي معقولًا، ووصل الحال لدرجةٍ توقع الخبراء فيها قدرة البلاد على النجاة من موجة ثانية كبيرة.

بدأت الأحداث تأخذ منحى مختلفًا في شهر أبريل (نيسان)، وصارت الصور المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهِرُ جثثًا مكدسة في محارق مبنيّة على عجل. أصبح إيجاد أسرة مستشفيات للمرضى وأكسجين أمرًا في غاية الصعوبة. لجأ المرضى والأقارب اليائسون إلى السوق السوداء لتحصيل الدواء، فيما يموت الآخرون في المستشفيات لنقص الأكسجين.

Embed from Getty Images

سجّلت الأيام القليلة الماضية أرقامًا قياسية جديدة للإصابة بالعدوى، رغم أن التقرير يرجّح أن الأرقام الحقيقية ما تزال أكبر من ذلك حتى. تجاوز عدد وفيّات الفيروس 200 ألف يوم الأربعاء الماضي، وهو رقم قياسيّ بالنسبة للهند ويحذّر الخبراء من أن الرقم لا يغطي الحقيقة بالكامل. ومع تفشي الجائحة وتخبّط المستشفيات تحت ضغط العمل، ألقى البعض اللوم على حكومة الهند والعالم بأكمله لفشلهم في وقف الارتفاع الكارثي. يضع تقرير واشنطن بوست نقاطًا رئيسية لفهم الموقف وكيف وصلت الهند إلى هذا الحدّ الخطير؟

1- كيف تفشّى المرض بهذا الشكل المريع؟

ما يزال هذا السؤال موضع حيرة الخبراء. بالعودة إلى أوائل فبراير (شباط)، فإن الأمور كانت معاكسة تمامًا آنذاك. تراجعت أعداد الحالات المُحالة للمشافي، وكانت تسجل الهند أرقامًا يومية جديدة تماثل أرقام ولاية نيويورك، على الرغم من أن عدد سكانها يزيد 50 مرة. قال علماء الأوبئة حينها إن انتشار المناعة هو التفسير الوحيد المحتمل لتلك الظاهرة.

غدت الهند الآن بؤرة الوباء العالمي وموضع القلق الدولي الأكبر. أبلغت البلاد عن أكثر من 350 ألف حالة جديدة يوم الإثنين الماضي وحده، محطمةً بذلك رقمًا قياسيًا جديدًا في أرقام الإصابة اليومية وذلك لليوم الخامس على التوالي.

Embed from Getty Images

بدأ الخبراء بالتشكك بمسألة المناعة في الهند التي ربما لم تكن منتشرة سابقًا كما كان يُعتقد. يقول بعض العلماء بأن موجات العدوى السابقة أثرت على الطبقة الفقيرة في المقام الأول، بينما تمتد الطفرة الحالية لتؤثر أيضًا في الأشخاص الأكثر ثراءً ممن عادوا للتو لممارسة التواصل الاجتماعي مرة أخرى بعد التزامهم بالبقاء في المنزل خلال الموجة الأولى.

وربما يعود بعض الدور إلى التجمعات الكبيرة التي كانت تحصل، فقد تعرض رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لانتقادات لرفعه جميع القيود تقريبًا وما تبع ذلك من عقد تجمعات سياسية ضخمة، فضلًا عن المهرجان الديني الذي استقطب عشرات الآلاف من الحجاج الهندوس من جميع أنحاء البلاد ورُبط بصورةٍ مباشرة بأكثر من 100 حالة إصابة.

وصرّح عالم الأوبئة في جامعة برينستون رامانان لاكسمينارايان لمجلة نيتشر بخصوص ذلك موضحًا: «كانت هناك رواية عامة مفادها أن الهند قد انتصرت على كوفيد-19، بدأ الناس بالتراخي أكثر مع إطلاق الهند حملة التطعيم في شهر يناير (كانون الثاني). نتيجة ذلك، تخلى الكثيرون عن حذرهم وعادوا إلى الاختلاط بالآخرين والسفر وإقامة حفلات الزفاف الكبيرة».

2- هل يسوء وضع كورونا في الهند مع السلالات المتحورة الجديدة؟

لم يتضح بعد ما إذا كان وجود تحوّرات جديدة شديدة العدوى يشكل عاملًا رئيسيًا في زيادة سوء حال تفشي المرض في الهند. يتفق العلماء بصورة عامةٍ على احتمالية وجود دور لهذه التحوّرات بسوء الوضع الحالي، ولكن مقدار هذا الدور مثار جدل.

صحة

منذ 4 شهور
10 أسئلة تشرح لك كل ما نعرفه عن سلالة كورونا الجديدة التي ظهرت في بريطانيا

وحسب التقرير، فإن «B.1.1.7» (والذي حُدّد لأول مرة في المملكة المتحدة) هو المتحوّر السائد الآن في ولاية البنجاب الهندية، وهذا أمر في غاية الأهمية لأن العديد من الدراسات خلصت لكون هذا المتحوّر أكثر عدوى بنسبة تتراوح بين 40% إلى 70% مقارنة بالسلالات السابقة للفيروس، ويبدو أنه أكثر فتكًا أيضًا.

كما أصبح متحوّر «B. 1.617» هو المتحور السائد في ولاية ماهاراشترا، وفقًا لما ينقله التقرير عن مجلة نيتشر. يشار له أحيانًا بالـ«المتحور المزدوج» لاحتوائه على طفرتين رئيستين عُثر عليهما في سلالتين أخريين شديدتي العدوى. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن بيانات مؤكدة تشير إلى قابلية انتقال أعلى لدى متحور «B. 1.617» من السلالات المتحورة الأخرى، ولا تقوم الهند بدراسات كافية لتسلسل الجينوم لتحديد ما إذا كان «B. 1.617» يغذّي اندلاع التفشّي الحالي.

وعلاوةً على ما سبق، صرّحت وزارة الصحة ورعاية الأسرة في الهند الشهر الماضي بأن المتحورات التي وجدت لأول مرة في البرازيل وجنوب أفريقيا قد عُثر عليها في الهند أيضًا.

Embed from Getty Images

3- ماذا فعلت الحكومة إزاء التفشي الكارثي؟

يتيح الهند تلقي لقاح فيروس كورونا لأي شخص يزيد عمره عن 18 عامًا اعتبارًا من يوم 1 مايو (أيار)، ويعمل على الحدّ من عدد لقاحات فيروس كورونا التي تصدرها البلاد لتركّز توزيع الجرعات على مواطنيها. أعلنت بعض المدن والولايات عن قيود إغلاق جديدة وإجراءات متعددة، بما في ذلك حظر التجول وحظر السفر والأنشطة غير الضرورية. في غضون ذلك، صرّح رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بأن عمليات الإغلاق يجب أن تكون الملاذ الأخير ورفض فرض الإغلاق الكامل على صعيد البلاد.

تُرسل إدارة مودي ناقلات الأكسجين على متن قطارات «أكسجين إكسبريس» إلى أجزاء من البلاد تواجه عجزًا حادًا، وتحرر المخزونات العسكرية من المعدات الطبية. نُشرت القوات المسلحة في المستشفيات. بالمقابل، وجهت الحكومة إيعازاتها لمنصات وسائل التواصل الاجتماعي بحذف المنشورات الناقدة التي تلفت الانتباه إلى الحالة الكارثية في الهند، وهو ما يراه كثيرون بمثابة ترتيب خاطئ للأولويات.

Embed from Getty Images

4- ما سبب نقص الأكسجين؟

عادةً ما تستخدم المستشفيات والعيادات الطبية في الهند حوالي 15% فقط من الأكسجين السائل المنتج في البلاد. في الآونة الأخيرة، حُول ما يقرب من 90% من إجمالي إمدادات البلاد إلى مرافق الرعاية الصحية، وذلك وفقًا لما صرح به المسؤول الصحي الهنديّ راجيش بوشان للبي بي سي.

لا يوجد مصانع مخصصة لإنتاج الأكسجين في بعض الولايات الهندية، ولذلك على هذه الولايات انتظار وصول الإمدادات بالشاحنات ونقلها من أجزاء أخر من البلاد. يستغرق ملء ناقلة أكسجين ساعتين وفقًا لما ينقله التقرير عن البي بي سي، وهو ما يؤدي لطوابير طويلة خارج محطات الأكسجين. وبمجرد أن تتزود بمخزونها الواجب، يمكن للشاحنات القيادة بسرعة تنيف عن 40 كم بالساعة ويتمّ هذا السفر خلال ساعات النهار.

Embed from Getty Images

مع تزايد الطلب في المستشفيات المزدحمة، يقول بعض النقاد إنه كان ينبغي أن تكون الحكومة أفضل استعدادًا لهذا الوضع. في أكتوبر (تشرين الأول)، أعلنت وزارة الصحة الهندية عن خطة لبناء المزيد من محطات الأكسجين، ولكن حتى اليوم لم يُنشأ سوى 33 محطة من أصل 162. وقد أعلن مودي يوم الأحد الماضي عن خطط لبناء 551 محطة أكسجين أخرى، بحيث يصبح هناك محطة لكل منطقة. ووجه رئيس الوزراء إيعازاته بأن تُشغّل هذه المحطات بأسرع وقت ممكن، حسب البيان الصحفي الصادر من مكتبه، ولكن قد يكون الأوان قد فات بالفعل بالنسبة للعديد من المرضى الذي يلقون حتفهم بسبب نقص الأكسجين العامّ السائد في المستشفيات المنتشرة في مختلف أنحاء الهند.

وينقل التقرير ما صرّح به مدير مصنع أكسجين في ولاية ماهاراشترا لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، حيث تحدث عن أن السلطات قد أخبرتهم بوجوب استعدادهم لزيادة قدرتهم، ولكنهم بحاجة إلى مساعدات مالية لتحقيق ذلك: «لم يكن من المفترض حدوث هذا. كما يقول المثل: احفر البئر قبل أن تشعر بالعطش، لكنا لم نفعل ذلك».

Embed from Getty Images

5- كيف استجاب العالم؟

يقول التقرير إن الدول في جميع أنحاء العالم عرضت مساعدتها. أرسلت سنغافورة وألمانيا والمملكة المتحدة المواد المتعلقة بالأكسجين إلى الهند خلال عطلة نهاية الأسبوع. وسترسل فرنسا وروسيا وأستراليا مساعدات طبية، وقد عرضت الصين وباكستان المساعدة.

ينسق الاتحاد الأوروبي أيضًا مع الدول الأعضاء لتوفير الأكسجين والأدوية، وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس يوم الإثنين إن منظمة الصحة العالمية سترسل موظفين وإمدادات إضافية إلى الهند. وفيما تأتي عروض المساعدة من دول عالمية مختلفة، تصاعد الضغط مؤخرًا على الولايات المتحدة لتقدّم المزيد من جانبها.

Embed from Getty Images

صرّحت إدارة بايدن يوم الأحد الماضي بإنها ستزود سريعًا مصانع اللقاحات في الهند بالمواد الأساسية، وأنها سترسل أجهزة تهوية ومعدات حماية شخصية وإمدادات متعلقة بالأكسجين والأدوية العلاجية إلى الهند. وقال بايدن إنه تحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بشأن مشاركة جرعات اللقاح خلال مكالمة هاتفية يوم الأحد، ومتعهدًا بدعم جهود الهند للتغلب على انتشار الفيروس المتصاعد. كما أعلن البيت الأبيض يوم الإثنين أن الولايات المتحدة ستشارك ما يصل إلى 60 مليون جرعة من لقاح أكسفورد-أسترا زينيكا لفيروس كورونا مع دول أخرى بعد أن يخضعوا لفحص السلامة – وهي عملية قد تستغرق أسابيع أو شهور. وينوّه التقرير أنه من غير الواضح إذا ما كان سيذهب قسم من تلك الجرعات إلى الهند على وجه التحديد.

وبينما تغرق العديد من الدول في أزمات لمواجهة تفشي فيروس كوفيد-19 لديها، تواجه الولايات المتحدة انتقادات جمة لامتلاكها ملايين الجرعات التي يمكنها إنقاذ أرواح كثيرة ولكونها تكدّس اللقاح لديها عبر التزامها بالسياسات التي تحدّ من تصدير اللقاحات والمواد الخام. من جانبها، أشادت منظمة أطباء بلا حدود بقرار الولايات المتحدة التبرع بجرعات أكسفورد-أسترا زينيكا، لكنها حثت الحكومة الأمريكية على مطالبة شركات الأدوية بمشاركة التقنيات والمعرفة مع الشركات المصنعة في جميع أنحاء العالم (تحرير الملكية الفكرية للقاح)، وهو ما قوبل برفض متكرر من شركات الأدوية.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد