يُنكر السواد الأعظم من الإسرائيليين جرائم الدولة الإسرائيلية منذ تأسيسها ومن قبلها العصابات الصهيونية، لكن بعضهم ما زال يذكره بل وينتقده، حتى وإن كان يرى وجود الدولة مشروعًا. بعض هؤلاء فنانون وأدباء سعوا لتوثيق انتهاكات وجرائم أبناء جلدتهم في أعمال فنية. لن يصف أمور بشعة كتلك بصدق يعبر للمتلقي سوى من عاشها، فتجد أغلب هؤلاء الفنانين من الجنود السابقين.

كتب ديفيد رمنيك -رئيس تحرير مجلة «نيويوركر»- تقريرًا تحت عنوان: كيف تصور مسلسلًا تيلفزيونيًا في الضفة الغربية؟، يطرح فيه المحاولات الإسرائيلية لنقد الذات في أعمال فنية منذ 1948، ويتضمن لقاءً مع صناع المسلسل الإسرائيلي «فوضى»، الذي أثار النقاش حول أخلاقية الاحتلال بين الإسرائيليين.

رواية «خربة خزعة» المحاولة الإسرائيلية الأولى لنقد الذات

يفتتح رمنيك التقرير بالعودة لعام 1949، عندما نشرت رواية قصيرة بعنوان «خربة خزعة» تدور حول تدمير قرية فلسطينية -شبه حقيقية- قرب عسقلان، وتبعد حوالي 50 كيلومترًا جنوبًا عن تل أبيب. كتب الرواية يزهر سميلانسكي وكان ضابطًا إسرائيليًا سابقًا، وبرلمانيًا قوميًا، وروائيًا شابًا يكتب تحت اسم س. يزهر. يكتب يزهر من وجهة نظر مقاتل إسرائيلي مصدوم -كما يقول الكاتب، ويصف احتلال الجيش للقرية وطرد ما تبقى من سكانها عام 1948، عندما أعلنت إسرائيل دولتها وتبعها انتصارها على خمسة جيوش عربية كانت تأمل في محو الدولة اليهودية الوليدة من على الخريطة.

احتاج الأمر 40 عامًا، حتى ظهر المؤرخون الجدد -من ضمنهم بني موريس وآفي شلايم وسمحا فلابان- واستجمعوا شجاعتهم والأدلة الموثقة لتفكيك الأسطورة القائلة بأن مئات الآلاف من الفلسطينيين قد تركوا مدنهم وقراهم طوعًا. أما يزهر فقد رأي بعينه ما حدث وكتب عن تجربة شخصية، حيث كان ضابط مخابرات في الحرب.

يعود الكاتب للحديث عن الرواية ويقتبس من حديث بطلها الذي يتألم لرؤية فلسطينية تشاهد تدمير منزلها، يقول البطل: «يبدو أنها أدركَت فجأة أنها لن تقف تحت شجرة الجميز لتسمع ماذا يريد اليهود ثم تعود لمنزلها، أدركت أنها نهاية منزلها وعالمها، وأن كل شيء ينهار ويصبح مظلمًا. تلقت فجأةً ما لا تتخيله، أمر فظيع لا يصدق، يحدث أمام عينيها بواقعيته وبشاعته وبكامل تجسده، ولا رجعة عنه». لم يكن قد مر على الهولوكوست سوى عدة أعوام، ما جعل الجندي -بطل الرواية- يتساءل: هل أصبحنا نحن الظلَمة؟ هل سيرسَل العرب للمنفى؟ ولم لا يمكنني الاعتراض؟ في النهاية، أصبحت رواية خربة خزعة تُدرس في مناهج التعليم العام في إسرائيل.

السنوات الأخيرة شهدت عدة أفلام تتناول الصراع بين إسرائيل وفلسطين منها
الروائية مثل «بيت لحم» و«صخرة القصبة» والوثائقية مثل «5 كاميرات مكسورة»
و«حراس البوابة» و«المستوطنون» و«مجدو»، إلا أن صداها في الخارج يكون أكثر
منه في إسرائيل.

ينتقل ريمنيك لنهاية السبعينيات، أي بعد عقد من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة. أخرج حينها مخرج شاب يدعى رام لوفي الرواية في فيلم للتليفزيون الإسرائيلي، وكان أبوه رئيس تحرير سابق لجريدة في مدينة دانسك البولندية قبل هروبه من أوروبا على آخر السفن المتجهة من فرنسا المحتلة لفلسطين. أما لوفي فكان في الخمسينيات مراهقًا مغرمًا بالصهيونية، فخورًا بالدولة التي يبنيها شعبه ولا يشكك في تاريخها الرسمي. لهذا كان يستمع بذهول لقائده في الكشافة عندما قرأ له هو وزملائه رواية يزهر القصيرة. يقول لوفي صاحب الـ77 عامًا للكاتب: «كنت أعلم أن الأمور لم تحدث كما تقول الدعاية الصهيونية بالضبط، هذه القصة فتّحت عقلي».

خاض لوفي معركة بيروقراطية طويلة مع هيئة البث الإسرائيلية لتوافق على طلبه التي رفضته في البداية، نال بعدها تصريحًا وميزانية مناسبة وأكمل الفيلم. كان من المقرر عرضه في 6 فبراير (شباط) عام 1978، لكن صبيحة هذا اليوم اعتذر عن عرض الفيلم مسؤولون من الدولة -يقودهم وزير التعليم.

يسرد الكاتب ردود الأفعال المختلفة بعد هذا القرار. ينقل عن عضو الكنيست اليساري يوسي سريد قوله: «لقد نكّست راية حرية التعبير في إسرائيل». كما قررت القناة التليفزيونية الإسرائيلية -الوحيدة وقتها- ألا تعرض شيئًا في الفقرة المخصصة للفيلم احتجاجًا على رقابة الحكومة، فقط شاشة سوداء لـ48 دقيقة. أما وزراء الحكومة فكانوا يعتبرون مديري هيئة البث خونة، بحسب الناقد الفني لـ«هآرتز» روجل ألفر. أظهر الفيلم أن حرب قيام إسرائيل كانت تتضمن جرائم، رغم بطولاتها على حد زعم الكاتب. هذا ما أزعج الكثيرين، هذا الاعتراف الضمني بالجريمة غير مسموح به على القنوات الحكومية.

عارض الصحفي والسياسي الصاعد تومي لابيد الفيلم بدعوى إثارته لعنصرية العرب ضد اليهود، رغم أنه -الصحفي- لا ينكر ما حدث في 1948. خسر اليمين المعركة في النهاية ولم يملك وزير التعليم سلطة منع الفيلم، وافقت السلطات وعرض الفيلم بعد أسبوع -في الـ13 من فبراير (شباط)- لكن لمرة واحدة فقط.

في أمسية عرض الفيلم، كانت الشوارع قليلة الحركة، شاهد الجميع الفيلم وناقشوه. يقول لوفي للكاتب: «بالطبع، كان بعض اليمينيين يقولون إن طرد الفلسطينيين هو ما كان يجب فعله مع بقيتهم في إسرائيل، وبعض اليساريين يظنون أن الفيلم كان محبِطًا كونه لم يظهر جنودنا أكثر وحشية».

لم يعرض الفيلم بعدها طوال 14 عامًا. ويقول ألفر: «تكرار فيلم مثله في يومنا هذا يعد أمرًا مستحيلًا، ليس لأنك ستسجن، لكن لأنه لا يمكن أن تذكر موضوع النكبة دون تصنيفك على أنك من اليسار». اليسار الذي تراجع في إسرائيل بعد فشل اتفاقية أوسلو والعنف في الانتفاضة الثانية، وأصبحت إسرائيل تتجه نحو القومية أكثر فأكثر، بحسب تعبير الكاتب.

أصبح لفظ الاحتلال أو «كيبوش» بالعبرية يجعل من يستخدمه معاكسًا للتيار العام، وبالنسبة للصحفيين والمذيعين لم يكن مدعاة للتهميش فقط، بل أيضًا رسائل كراهية وتهديدات وحتى مكالمات غاضبة من مكاتب الحكومة. صحفيون بارزون يقولون لرمنيك أنهم يفكرون مرتين قبل استخدام هذا اللفظ، بما فيهم ليبرالية مثل إيلانا ديان وهي مقدمة برنامج تحقيقات يسمى «أوفدا» (بالعربية: حقيقة).

لوفي كان في الخمسينيات مراهقًا مغرمًا بالصهيونية، فخورًا بالدولة التي
يبنيها شعبه ولا يشكك في تاريخها الرسمي. لهذا كان يستمع بذهول لقائده في
الكشافة عندما قرأ له هو وزملائه رواية يزهر القصيرة.

يصف الكاتب «أجرأ لحظات التليفزيون» في الذكرى الـ15 لقيام إسرائيل عام 1998؛ حين عُرضت «تكوما» أو البعث، وهي سلسلة وثائقية من 22 حلقة أثارت انتقادات اليمين لأنها عرضت رواية الفلسطينيين للتاريخ بجانب رواية الصهاينة. تضمنت حلقاتها تقارير عن مذابح واضطهاد وطرد. كتب آرييل شارون لوزير التعليم خطابًا يحتج فيه وطلب بمنع السلسلة من مدارس الدولة، ووصفها بأنها: «تشوه تاريخ بعث الدولة وتضعف أي أساس أخلاقي لتأسيس إسرائيل ولوجودها المستمر».

بعد عقدين من الزمن، أصبح الرأي العام الإسرائيلي أقل تقبلًا لهذا النوع من النقد الذاتي. يضيف الكاتب أن السنوات الأخيرة شهدت عدة أفلام تتناول الصراع بين إسرائيل وفلسطين منها الروائية مثل «بيت لحم» و«صخرة القصبة» والوثائقية مثل «5 كاميرات مكسورة» و«حراس البوابة» و«المستوطنون» و«مجدو»، إلا أن صداها في الخارج يكون أكثر منه في إسرائيل.

تدور القليل جدًا من النقاشات حول الاحتلال أو التهجير الذي سبقه. الاقتصاد جيد والتكنولوجيا مزدهرة وتشكلت تحالفات إقليمية مستقرة نسبيًا مع مصر والأردن ودول الخليج، أما الحياة على الجانب الآخر من الجدار فلا تثير إلا قلقًا عابرًا. سياسة عهد نتينياهو مؤخرًا أصبحت سياسة قصيرة المدى، وتطغى الفضائح المالية المتنوعة للحكومة على المسألة الفلسطينية في نشرات الأخبار. قد يكون الاستقرار وهمًا، لكنه وهم يتغلب على كل محاولات اختراقه يومًا بعد يوم.

«لم تناقش قضية النكبة كثيرًا على الشاشة بعد خربة خزعة»، ويضيف لوفي في حديثه للكاتب: «الموضوع شائك، والمشكلة هي: إن كنّا مسؤولين -ولو جزئيًا- عن نزوح اللاجئين الفلسطينيين، فعلينا أن نفعل شيئًا بخصوص هذا الأمر. الإنكار والإحساس بالذنب هما توأم لا يفترق، نعلم أن ما حدث للسكان القدماء -الفلسطينيين- قد يحدث لنا، والاتكال على وعود الرب يعد مخاطرة».

اقرأ أيضًا: الهزيمة في السينما الإسرائيلية: كيف جسد الإسرائيليون حرب أكتوبر في أفلامهم؟!

«فوضى».. ما كتبه جندي سابق عن أخطر أوقات حياته

ينتقل الكاتب للحديث عن مسلسل «فوضى»، وهو مسلسل إسرائيلي ينطق بالعبرية والعربية. بدأ عرضه في 2015، ويُعرض على شبكة نتفليكس مصحوبًا بالترجمة. اسم المسلسل لا يعبر فقط عن الكلمة العربية «فوضى»، فهو أيضًا نداء للطوارئ تستخدمه القوات الإسرائيلية الخاصة حال خروج مهمتها عن السيطرة. «هناك خدعة ما؟ فوضى! سيارة الهروب غير جاهزة؟ فوضى!».

يحكي المسلسل قصة جندي مكتئب في القوات الإسرائيلية الخاصة اسمه دورن كابليو، ويبدأ المسلسل بانتقاله للعيش وسط كرم عنب صغير بعد تقاعده، يلعب مع طفليه ويعبس في وجه زوجته، ويخمّر النبيذ أحيانًا. يقنعه قائده السابق بالعودة للخدمة عندما يخبره أن «إرهابيًا» مشهورًا من حماس يخطط لعمليات جديدة، وكان كابليو يظن أنه قتله. ينضم الجندي مجددًا لوحدته، في مهمة واحدة أخيرة ينهي فيها ما بدأه.

يرى الكاتب أن المسلسل واعد وسيعرض ما هو أكثر من الخلطة التقليدية لتلك المسلسلات المتمثلة في جمع المعلومات الاستخباراتية ومشاهد الأكشن والعنف ونوبات الحزن والاتهامات المتبادلة. يعد التصوير في هذا المكان نقطة تحول خلال 50 عامًا من الاحتلال، ويعتقد صانعو المسلسل أنه ليس عملًا ترفيهيًا متقنًا فحسب، بل أيضًا دراما تقف على المحرك السياسي للصراع بين فلسطين وإسرائيل.

يتحدث بعدها الكاتب عن أحد صناع المسلسل: ليور راز، الجندي السابق في القوات الخاصة، صاحب الفكرة والذي كتب المسلسل مع صديق قديم هو آفي سخاروف، وهو أيضًا محارب سابق وصحفي شهير. يقول الكاتب: «يلعب راز -صاحب الـ45 عامًا- دور دورون كابليو أيضًا، رغم أنه بالكاد يملك اندفاع الجيل الجديد من الإسرائيليين أو شخصية القيادي. مثله مثل العديد من الرجال الإسرائيليين، يفضل راز حلق شعره على أن يعاني من إهانة زحف الصلع نحو رأسه، لحيته قصيرة ووجهه مستدير، يحظى بندبة على جبينه طولها 7 سنتيمترات -جراء حادث سيارة- تجعله يبدو رجلًا ذا ماضي. صلب مثل مفرمة القمامة، وحين يكون وجهه مسترخيًا يبدو منزعجًا خائب الأمل».

يكمل رمنيك حديثه عن راز ونشأته. يعيش راز مع زوجته وأطفاله في الضاحية الشمالية لتل أبيب، لكنه نشأ بين القدس ومعالي أدوميم، وهي إحدى أكبر المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، يعيش فيها حوالي 40 ألف نسمة ويعاملها الإسرائيليون على أنها المنطقة السكنية للعاملين في القدس، لا على أنها نوع من المستوطنات، وهذا فرق لا يستوعبه كل الفلسطينيين حسب تعبير الكاتب.

تعود أصول راز للشرق الأوسط، فهو مزراحي. ولد أبوه في العراق وولدت أمه في الجزائر. عمل والده ضابطًا في القوات الخاصة وجهاز الأمن الداخلي (شين بيت). كانت عائلته تتحدث العربية في المنزل ويستمعون إلى موسيقى من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وعندما أدار والده مشتلًا فيما بعد، أصبح أصدقاء راز من الأطفال العرب الذين يأتون للعمل من أريحا والعيزرية.

انضم راز لوحدة «دوفديفان» عندما كان في الـ18، وهي وحدة لمكافحة الإرهاب أنشئت عام 1986 وبدأت عملياتها قبل اندلاع الانتفاضة بوقت قصير. «دوفديفان» كلمة عبرية تعني الكرز، نسبة لتفوقها عسكريًا على الباقين فتشبه الكرزة على الكعك. وهي النموذج المماثل للوحدة العسكرية -لم يذكر اسمها- في مسلسل فوضى.

يحكي رمنيك عن مقابلته مع راز قبل فترة، قابله في بلدة جفعات شموئيل قرب تل أبيب، وكان هناك للقاء مدربه للفنون القتالية «نمرود آستل» في صالته. كانت وحدة راز تتمركز خارج رام الله، العاصمة الفعلية للضفة الغربية ومقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية. كانت الروح والتدريبات تشبه القوات الخاصة الأمريكية، قاسية ووحشية وثابتة. لم يكن تجاهل الألم جزءًا بسيطًا من الوصفة، حيث يقول راز: «قضيت 15 شهرًا أتلقى اللكمات في بطني لعدة مرات قبل النوم وفي كل ليلة».

يكمل راز حديثه عن تلك الفترة قائلًا: «كنا في الـ18، ولا تعي حينها ما تفعله. ظننت أننا سنصبح مثل جيمس بوند، نرتدي ربطة عنق سوداء ونشرب مارتيني ونقبض على الأشرار. لكن بدلًا من ذلك وجدنا الفلافل والتعب في رام الله». «تريد أن تكون ضمن أفضل الأشخاص في بلدك، أن تختبر نفسك وأن تكون وفيًا لأصدقائك، تحميهم وتكون جزءًا من عمل الفريق الجماعي»، لهذا تطلع راز ورفاقه لوحدة «دوفديفان» في تجنيدهم الإجباري، وليس لأي سبب أيديولوجي.

يقول الكاتب أن الفرقة الموجودة في «فوضى» تعمل بشكل مشابه لما كانت عليه فرقة راز وآستل. تنصبّ عملياتها على مهمات اقتحام سريعة للبحث عن إرهابيين مشتبهين أو لإحباط عملية إرهابية. كان على أعضاء «دوفديفان» الالتزام بالالتحام لتأدية عملهم بأي طريقة، وفي أي مكان، وفي أي وقت. ينقل الكاتب عن يوري بارليف -أول قائد للوحدة- قوله: «أحيانًا تتنكر في شكل صخرة، وأحيانًا في شكل سائح، وأحيانًا في شكل عربي».

يبدأ المسلسل بأعضاء الوحدة وهم في طريقهم لمسجد قرب رام الله ليختطفوا عميلًا لحماس أثناء الصلاة، وهم يرتدون كالفلسطينيين. في حلقة أخرى، يقنع كابليو طبيبة فلسطينية -تؤدي دورها لتيتيا إيدو – بالتقرب من إرهابي يتعافى من إصابة طلق ناري في المستشفي التي تعمل به. تبدو هذه حيلة سخيفة لكن باقي التفاصيل قريبة جدًا من الواقع.

لا يسترجع أعضاء «دوفديفان» مهامهم السابقة، يجب أن تبقى في الظلام كما يقول راز، لكنهم يمدحون أخلاقية الوحدة وكيف تم اختيارهم بسبب استقامتهم واتزانهم. يقول راز: «اختارونا لنكون هادئين وأخلاقيين وألا نفقد عقولنا وقت الأزمة، لنفكر ولا نتصرف كالحيوانات». تفتخر «دوفديفان» بكفاءة مناوراتها وتجنبها للخسائر الكبيرة.

يقول آستل أنه يسمع عن الطائرة الأمريكية التي ألقت قنبلة على عرس في أفغانستان، والطائرة الروسية التي دمرت مستشفى في سوريا، ثم يلاقي بعدها صعوبة في أخذ النقد الأخلاقي الموجه للإسرائيليين في الضفة الغربية على محمل الجد. يضيف آستل: «كانت مهمتنا أسر المطلوب بهدوء قدر الإمكان، وأن نتفادى قتل أو إصابة أي أحد آخر. بعد كل عملية كان هناك استجواب حول ما حدث، وعليك تحديد إن كنت قد قمت بمهمة قذرة بأنظف طريقة ممكنة».

يتناول الكاتب فترة أخرى من حياة راز، فبعد رحيله من الجيش بـ3 أيام، اتجه إلى لوس أنجلس ومعه 125 دولارًا فقط في جيبه ليعمل حارسًا شخصيًا لـ«ناستازيا كينسكي» ثم «آرنولد شوارزنجر» و«ماريا شيفر». مل راز الأمر سريعًا، فحراسة المنازل مملة خاصة بعد حياة الجيش. عمل راز في اسرائيل عازف طبلة في ملهى ليلي ومخرجًا إبداعيًا لوكالة دعائية. حثته صديقته على السعي خلف طموحه الفني، فأخذ دروسًا في التمثيل وبدأ في الحصول على أدوار متنوعة في السينما والتليفزيون. بدأ بعدها بالتفكير في مشروع مستوحى من أخطر سنين حياته.

لما يزيد عن العقدين، لم يتحدث راز ورفاقه القدماء حول الجانب السيء من عملهم، وهو ما دفع ثمنه الفلسطينيون ودفعوا هم أيضًا الثمن حسب رأي الكاتب. ويضيف راز: «لقد بقى كل شيء موجودًا، في باطن كل واحد منا. شخصيًا، تفيق بعد فترة وتكتشف أنك تعاني من اضطراب ما بعد الصدمة. أنت دائمًا متوتر ومضغوط ولا تنام، قلق ومتأهب طوال الوقت. كنت ألقي محاضرة في أحد شركات التقنية الكبيرة، وعندما شغلت مقطعًا من فيلم عن مسلسل «فوضى»، لم أتحمل صوت الرصاص في المسلسل، وصرت متوترًا فجأة فبحثت عن الباب على الفور. نحن نعيش في مجتمع يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، جميعنا».

لم يكتشف راز السبب الحقيقي وراء حلمه المتكرر حتى بلغ منتصف الثلاثينيات، وكان يحلم أن بندقيته فسدت أو أنه أطلق رصاصة فسقطت من الفوهة لترن على الأرض. «لا تشعر بالضغط وأنت في الوحدة، فأنت في وضعية القتال دائمًا. لاحقًا حين تعود لمنزلك -بعد وقت طويل جدًا- تشعر بالألم في عنقك وفي ظهرك وفي عقلك. يأخذ الأمر منك سنوات لتفهم الوضع. ذهبت لمعالج نفسي قبل 9 سنوات عندما كنت على وشك الزواج، كنت أشعر بضغط نفسي وكنت أريد أن أصبح زوجًا جيدًا. بعد خمس دقائق من المقابلة، أخبرني الطبيب أني أعاني من اضطراب ما بعد الصدمة وأن علينا الحديث بخصوص الأمر».

يقول الكاتب أن راز لم يرتح سوى عندما بدأ في العمل على كتابة «فوضى» مع سخاروف، ويصف راز التجربة بأنها كانت علاجه الحقيقي.

ماذا يشاهد الإسرائيليون على التلفزيون؟

يعاني العمل التلفزيوني في إسرائيل من عيب جلي؛ أن جمهوره بحجم مقاطعة كوينز في نيويورك، حسبما يقول رمنيك. لا يشاهد اليهود المتشددون القنوات التجارية، وعرب الداخل -الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويعيشون في الناصرة وأم الفحم وحيفا وعكا من بين مدن أخرى- يشاهدون القنوات الفضائية العربية.

شركة الإنتاج الأكبر «كشت آند رشت» تعاني كي لا تخسر، وهي تنتج برامج للقناة الثانية -أكبر قناة في إسرائيل. تأمل الشركات في بيع بعض إنتاجاتها في الخارج، ونجح في ذلك مسلسل «سجناء الحرب» أو «حاتوفيم» بالعبرية، ويحكي عن جنديين إسرائيليين عادا لبلدهما بعد 17 عامًا من اختطافهما في لبنان، وقد استوحى مسلسل «أرض الوطن» قصته منه وحقق نجاحًا باهرًا لشركة شو تايم في جوائز الأيمي وكذلك نجاحًا ماديًا لـ«كشت». كذلك أيضًا مسلسل «تحت المعالجة» -أحد إنتاجات «إتش بي أو»- كان مستوحى من مسلسل إسرائيلي. وتعمل «إتش بي أو» مع «كشت» على إنتاج مسلسل حول الحادثة الفارقة في صيف 2014، عندما اختطف ثلاثة إسرائيليون مراهقًا فلسطينيًا وحرقوه حيًا انتقامًا لمقتل ثلاثة إسرائيليين قبلها.

رفضت «كشت آند رشت» مسلسل «فوضي»، فذهب به راز وسخاروف لشركة «يس» التي تدعي وصولها لـ600 ألف مشترك. أخبرتهم الشركة خلال اجتماع للاتفاق على المسلسل أن النص ذكوري جدًا ولن يعجب النساء، ولم تكن المرة الأولى التي يسمع فيها الكاتبان هذا الرأي، لكن الشركة وافقت على النص في النهاية. كان راز منزعجًا من تقديم تجربة أداء للحصول على دور البطولة، ما ذكره بإجبار سيلفستر ستالون على التفاوض على دوره في «روكي»، لكن هذه كانت أقل مشاكله.

عنوان عربي وحوار بالعربي وصورة الإرهابي ليست بالأبيض والأسود. أسباب عددتها دانا سترن، المديرة المسؤولة عن المبيعات والاستحواذ في «يس»، وجعلت تلك الأسباب الشركة تجهز غرفة عمليات استعدادًا لعاصفة من الانتقادات. تملك راز وسخاروف نفس القلق. خافا من اليمينيين الذين سيقولون أنه يؤنسن الإرهابيين، وعلى الجانب الآخر اليساريون والعرب الذين سيقولون أنه أظهر الجنود بمظهر رومانسي سخيف بينما أظهر الفلسطينيين إرهابيين.

يقول سخاروف إن: «مسلسل «فوضى» فتح أعين الكثيرين في إسرائيل لدرجة أظهروا فيها تعاطفهم بشكل ما مع الإرهابي الفلسطيني، أو على الأقل يفهمون لماذا يفعل ما يفعله. أنت تشاهد من يدبر للإرهاب على أنهم بشر يحبون وينجبون، وليس فقط أشرارًا مسطحين في مسلسل حركة». رغم ذلك كان سخاروف قلقًا من أن الموضوع منفر، حيث يقول: «لا أحد يحب أن يناقش أو يشاهد الصراع، فهو أمر ممل».

تعمل «إتش بي أو» مع شركة «كشت» على إنتاج مسلسل حول الحادثة الفارقة في صيف
2014، عندما اختطف ثلاثة إسرائيليون مراهقًا فلسطينيًا وحرقوه حيًا انتقامًا
لمقتل ثلاثة إسرائيليين قبلها.

يقول الكاتب أن «فوضى» يسعى لطرح لوحة مركبة تجمع الوحدة الإسرائيلية والحياة في الأراضي المحتلة، حيث «يقدم للمشاهد العائلة الكبيرة للإرهابي الرئيسي في المسلسل. زوجة تحبه لكنها تضطر للادعاء بأنه ميت، وتلميذه الذي يبجله لكن يَخيب أمله كلما اكتشف قساوته، وامرأة شابة قُتل زوجها يوم زفافهما فتطوعت لتصبح شهيدة وتضع حزامًا ناسفًا من يأسها وغضبها. كلهم فلسطينيون عاديون يعانون تحت الاحتلال البغيض ويحاولون ممارسة حياتهم اليومية قدر الإمكان.

صُورت مشاهد الضفة الغربية في كفر قاسم، وهي مدينة عربية بمحاذاة غرب الضفة الغربية.للمدينة تاريخ مشحون، ففي عام 1956 وأثناء أزمة السويس (العدوان الثلاثي) شهدت المدينة مذبحة للشرطة الإسرائيلية قتلت فيها العشرات من العرب. اعتذر عن هذه الجريمة -في السنوات الأخيرة- سياسيون إسرائيليون مثل شيمون بيريز وروفين روفلين.

يعتبر كل من راز وسخاروف أنه مؤيد للسلام ومع حل الدولتين، لكنهما لا يختلفان كثيرًا عن تيار الأغلبية في إسرائيل كما يقول الكاتب. يتضح من أحد نقاشاتهما الصباحية لعناوين الصحف أن سخاروف يقع على يسار راز قليلًا، وهو أمر طبيعي لأحد الصحفيين السابقين في «هآرتس» -الجريدة ذات الميول اليسارية، لكن سخاروف لم يكن محللًا أو منظّرًا مثل زملائه القدماء. يتفق كلاهما على أن إسرائيل ارتكبت خطأً بقبولها صفقة الإفراج عن جلعاد شاليط مقابل الأسرى الفلسطينيين. ويشتكي راز -بالتحديد- من الاستسلام السياسي الشائع في إسرائيل الآن ويقول: «لا يوجد من نكلمه. عندما انسحبنا من غزة بدؤوا في إطلاق الصواريخ».

سخاروف -صاحب الـ44 عامًا- أكثر معرفة بالقضية الفلسطينية وتاريخ الصراع كما يقول رمنيك. كان يعمل في «هآرتس» والآن يعمل في «تايمز أوف إسرائيل» وموقع «والا نيوز» الإخباري، وغطي لهم الأراضي المحتلة لعدة سنوات. هو مزراحي (يهودي شرقي) مثل راز ويجيد العربية. رأسه يلمع من الصلع ويرتدي حلقًا في أذنه. عمل حارسًا في بار بعد انتهاء دراسته وخدمته العسكرية، ثم مراسلًا متدربًا في الراديو. يملك استيعاب صحفيو الوكالات ويتلذذ بالأحداث المثيرة والتغطيات الصحفية الحصرية. كان يغطي الضفة الغربية وغزة أثناء الانتفاضة الثانية، عندما كان يعيش في القدس. في ذلك الوقت لم يكن هناك جدار ولا سياج فاصل، وكانت المسافة تأخذ 15 دقيقة حتى رام الله؛ حيث قضى ساعات عديدة في الحديث مع المسؤولين الفلسطينيين والنشطاء والإرهابيين، على حد تعبير الكاتب.

يقول سخاروف: «أدين بما وصلت له في مهنتي لياسر عرفات ومروان البرغوثي». أما عن تغطيته للانتفاضة، يصفها بأنها كانت «مهولة ومجنونة ومفاجئة ومليئة بالمغامرات».استمر العنف في الانتفاضة من 2000 حتى 2005 وقُتل فيها حوالي ألف إسرائيلي وأكثر من 3 آلاف فلسطيني. (كتب سخاروف مع المراسل العسكري لـ«هآرتس» عاموس هارل كتابين، الأول عن الانتفاضة الثانية والثاني عن حرب تموز)

نشر سخاروف أكبر تغطياته في 2010 عندما كان يعمل في «هآرتس»، ونشر حينها تقريرًا مطولًا عن مصعب حسن يوسف، وهو ابن الشيخ حسن يوسف قائد حركة حماس في الضفة الغربية. يسمي جهاز الأمن الداخلي (شين بيت) مصعب باسم «الأمير الأخضر»، نسبة إلى راية حماس؛ حيث كان يعمل مع المخابرات الإسرائيلية منذ 1996، وكان ذا نفع كبير لهم. أدلى بمعلومات منعت العديد من العمليات الانتحارية، وقادهم للقبض على أبيه وعلى البرغوثي مؤسس الجناح المسلح لحركة فتح، ويقبع كلاهما في السجن منذ 2002.

يقول أحد رؤساء يوسف في جهاز الأمن الداخلي (شين بيت): «يدين العديدون له بحياتهم حتى من دون أن يعرفوا هذا (…) هناك من فعلوا أشياء أقل منه ونالوا جائزة إسرائيل للأمن، هو يستحقها بجدارة».

تحول يوسف عن الإسلام، وهو الآن في انتظار أن يصبح مواطنًا أمريكيًا. لم يقل سوى مدح بحق سخاروف، وأخبر الكاتب أن سبب حديثه معه هو: «آفي مغامر، وهذه ميزة مهمة جدًأ في الصحفي الناجح». وثق به أيضًا لأنه يتحدث العربية بطلاقة وكان على علاقة قوية بالمصادر الفلسطينية على جميع الجبهات. كان أول اتصال بينهما عندما هاتفه آفي ليوصل له تحيات والده من أحد السجون الإسرائيلية، ويقول يوسف: «أنا من دبر اعتقال والدي لكي أنقذ حياته»، وهو ما لم يعلمه آفي وقتها.

التقى سخاروف وراز عندما كانا يتسكعان في نفس البارات في القدس في شبابهما. ضمن حلقة مبكرة من «فوضى»، كان أحد جنود الوحدة في علاقة حب مع ساقية إحدى البارات، وقتلت لاحقًا في تفجير انتحاري. كانت هذه الحلقة مهداة لـ«آيريس آزولاي» صديقة راز عندما كان في الجيش وحبه الأول على حد وصفه.

يقول راز للكاتب: «كانت واحدة من أجمل النساء في القدس، كانت شخصًا رائعًا. كنت غير واثق بنفسي وقتها ولم أصدق أنها قد تواعدني. يرجع الفضل لها في كل الثقة في النفس التي اكتسبتها في حياتي». رحلت بعد طعن شاب فلسطيني لها في أحد صباحات أكتوبر (تشرين الأول) عام 1980، هاجمها عامر أبو سرحان في حي البقعة بسكين طوله حوالي 40 سنتيمترًا، وكانت في الـ18 من عمرها. حاول شرطي خارج الخدمة أن يوقفه، لكنه نجح في طعنه هو الآخر حتى الموت عندما اقترب للقبض عليه.

يستعيد راز يوم الحادث، ويقول للكاتب: «كان صباح يوم الأحد، وكنت في مستشفى عين كرم لأفحص قدمي التي تعاني من كسور الإجهاد. سمعت من أحدهم عن الهجوم. هاتفني أخو آيريس وأخبرني أنها أصيبت. وبدأت أمشي في ذهول حتى التقطتني أمي من على الطريق».

يعود الكاتب لسرحان، الذي سجن حتى عام 2011، عندما أفرج عنه هو وأكثر من ألف سجين فلسطيني آخر في صفقة التبادل مع جلعاد شاليط. خرج أكثر من مئتي سجين كانوا يقضون عقوبة السجن المؤبد لتهم متعلقة بالإرهاب. سمع راز أن سرحان يعمل الآن في قناة تليفزيونية تابعة لحماس في قطاع غزة، وعندما بدأ في كتابة «فوضى» تلقى رسالة من «الأمير الأخضر» تخبره بأن أخته ستتزوج من عامر أبو سرحان. يقول راز للكاتب: «قابلت مصعب بعدها في العرض الأول لـ«فوضى» في لوس أنجلوس. تعانقنا، لكن لم أعرف ماذا أقول له، أو ماذا سيقول لي».

الحميمية والجيرة بين الندين العدوين هي أحد الجوانب البارزة للصراع في رأي رمنيك. لكن ذلك لم يمنع تسجيل سلسلة من الهجمات بالسكاكين بحق الإسرائيليين، أو مواجهات في الأماكن المقدسة في القدس القديمة. يقول سخاروف للكاتب أن الإسرائيليين قد «وضعوا الأمر خارج تفكيرهم»، ويضيف: «إنهم يلاقون صعوبة في الاستيقاظ كل صباح وهم يعلمون أنهم فعلوا شيئًا خاطئًا، أنهم مسؤولون عن هذا. وهذا أيضًا نتيجة للانتفاضة الثانية، فأغلب الإسرائيليين فقدوا الأمل في السلام. أصبح الإسرائيلي العادي يقول إن الفلسطينيين ليسوا شركاء سلام».

ويستطرد: «كانت الانتفاضة الثانية جرحًا عميقًا لا يمكن شفاؤه. تفكر بها في كل مرة تدخل مركزًا تجاريًا أو حافلة، لا يزال الحراس في كل مكان بسبب التفجيرات الانتحارية. أما الفلسطينيون فيعملون على إجبارنا على الاعتراف بوجودهم. رحلنا عن غزة ولم يدعونا نرحل ونتركها خلفنا. يريد العامة الإسرائيليون دفن الفلسطينيين وراء الجدار، وأن يكونوا في وضعية دفاعية ويعيشوا حياتهم معتمدين على أنفسهم. لكن إلى متي يمكن أن يستمر هذا الحل؟ لا أعلم، لكني أعلم أننا متجهين إلى كارثة. فإما أن نتخلى عن الحلم الصهيوني -وننهي فكرة الدولة اليهودية الديمقراطية- أو سنصبح دولة واحدة لشعبين. عاجلًا أم آجلًا سينفجر الوضع الراهن، لن يصمد. إما أن ينفجر الفلسطينيون أو ينفجر المجتمع الدولي ويقول (لا للفصل العنصري)، وسيراقبوننا بشدة وقتها».

أما صناع «فوضى» فهم يستمتعون بنجاحهم، بحسب الكاتب. استضافهم دان سينور أثناء مؤتمر للجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، واحتفى بهم الحضور كأنهم نجوم روك في حفلة تاريخية. الموسم الثاني في الطريق وتأمل نتفلكس في موسم ثالث. وقع راز وسخاروف في أغسطس اتفاقًا مع نتفليكس، طلبت بموجبه تصوير حلقة عن عملية مشتركة بين الموساد والـ«سي آي إيه»، كما تطور حلقة ثانية عن رجل فقد زوجته في حادث مروري غامض يصل لقصة تجسس سياسي.

يخرج راز من اجتماع إلى آخر في هوليوود، وتلقت «يس» وابلًا من العروض الخارجية تطلب إعادة تنفيذ «فوضى» بلغات وتفاصيل أخرى، في أفغانستان، في الخطوط الأمامية لتجارة المخدرات، وفي المكسيك، وفي العمليات ضد العنصريين البيض من الأمريكيين. يفكر راز الآن في نقل عائلته لهوليوود قريبًا.

اقرأ أيضًا: 7 مسلسلات عربية تحدثت عن القضية الفلسطينية

باقي فريق العمل يستمتعون بالشهرة المفاجئة أيضًا. يحكي الكاتب عن هشام سليمان الذي يقوم بدور الإرهابي الرئيسي في المسلسل. هو من سكان الناصرة العليا، وهي ضاحية -يسودها اليهود- لمدينة الناصرة -التي يسودها العرب- شمال تل أبيب. يقول الكاتب أنه عندما كان في تل أبيب عرضت أخبار المساء لقطات لسليمان وهو يتلقى التحية والمديح والقُبل في أحد أسواق المدينة، يقول سليمان: «هذا جنون. يتكرر الأمر أينما ذهبت».

أما عن الاحتلال أو «كيبوش» بالعبرية، فلا يحب سليمان الحديث عنه. يقول سليمان لرمنيك: «عندما أتحدث عن نفسي أحاول عادة الحديث عن حياتي الفنية، لا عن السياسة. فالصحفيون يبحثون عما يحدث ضجة. أنا حذر جدًا، لكني إنسان وأهتم لكل هذا. لماذا -بعد مئة عام- لا زلنا نقتل بعضنا البعض؟ هذه الأرض جميلة ويجب أن ينتهي الصراع. ويجب أن يكون هناك سلام حقيقي ونهاية للـ«كيبوش». إنها بلد جميلة يمكننا جميعًا أن نجد مساحة للعيش فيها سويًا».

هل ينصف «فوضى» الفلسطينيين حقًا؟

رغم كل هذا النجاح، يبقى السؤال إن كان «فوضى» فعلًا بهذه الجرأة والأهمية. غادي شمني كان جنرالًا سابقًا في جيش الدفاع الإسرائيلي وكان مسؤولا في وقت ما عن القيادة المركزية للضفة الغربية. أثار شمني غضب العديدين العام الماضي، عندما صرح بأن إسرائيل «ارتقت بالاحتلال لمستوى الفن». كانت هذه جدلية معقدة، فجزء من كلامه يقصد به أن الجيش الإسرائيلي والأجهزة الأمنية تعلمت كيف تقلل الانتهاكات والخسائر قدر الإمكان. لكنه أخبرني أن مسلسلًا مثل «فوضى» له مزاياه، لأن العديد من الإسرائيليين كانوا مصممين على تجاهل الحقيقة الأخلاقية للاحتلال.

يقول شمني: «هناك جيل من الإسرائيليين الذين لم يتفاعلوا بأي شكل إيجابي مع الفلسطينيين. يرونهم عندما يأتون للعمل في إسرائيل أو على شاشات التليفزيون عندما يكون هناك حادث طعن أو تفجير انتحاري. الأطفال حتى سن الـ20 في إسرائيل لا يعرفون عن الفلسطينيين سوى ما يشاهدونه في التليفزيون غالبًا. المرة الأولى التي يلتقون فيها بالفلسطينيين تكون أثناء خدمتهم في جيش الدفاع، هذا إن خدموا في الضفة الغربية، في يهودا أو السامرة. لذلك فمسلسل فوضى يعد طريقة أخرى لإعلام المجتمع الإسرائيلي بما يحدث على الأرض من خلال غرف معيشتهم.

هل يعكس تمامًا ما يحدث؟ أو مدى تعقيده بعض الشيء. إنه مسلسل جيد. فمن ناحية، الاحترافية جيدة وتقلل الضرر. ومن ناحية أخرى، هل هذه الخبرة التي نحتاجها؟ نحن نفعل هذا بشكل جيد جدًا، بأقل احتكاك أو خسائر، الجنود مدربون جيدًا، وليسوا فقط مدربين على القتال بل أيضًا مدربين عقليًا على الاحتلال؛ يفهمون تعقيد ما هم فيه».

أما ديانا بوتو، وهي محامية عملت مستشارة قانونية لمنظمة التحرير الفلسطينية، شاهدت المسلسل مؤخرًا وتصف التجربة بأنها مربكة. على عكس ازدواجية شمني، كان نقدها لـ«فوضى» مقنعًا، حيث تقول: «نحن لا نرى الاحتلال في المسلسل. إنه غير مرئي، تمامًا كما هو في عقول الإسرائيليين. في الحقيقة نحن لا نسمع حتى الكلمة، لا نرى حاجزًا أمنيًا واحدًا، أو مستوطنة أو مستوطنين، أو منازل تدمّر. لا نرى أي منازل تؤخذ من أصحابها، ولا أراضٍ تصادر أو أي شيء من هذا القبيل. نرى جدارًا جميلا غير الجدار العالي ذي الـ8 أمتار، وهو العلامة الوحيدة التي تشير لكوننا في الضفة الغربية».

تكمل بوتو نقدها قائلة: «الأسوأ من كل هذا، هي الاغتيالات -أو التصفيات غير القانونية- تظهر وكأنها عادية. إن لم تكن حذرًا فستجد نفسك تتعاطف مع مجموعة من القتلة وتفكر أن أفعالهم جيدة بدلًا من أن تراها غير قانونية. تجد نفسك تقبل فكرة أنه لا بأس في اصطياد الفلسطينيين، وقتل عدد من الآخرين أثناء عمليتك. يعتبر الكتاب هذه معركة عادلة وليست احتلالًا، مجرد لعبة تدور حول من الأذكى أو الأقوى تكنولوجيًا. وهذا بالطبع ليس الواقع الذي نعيش فيه».

يقول الكاتب أن راز وسخاروف أخبراه عدة مرات عن مديح تلقوه من العرب في الضفة الغربية ولبنان ومصر والخليج. وعلى عكس رواية خربة خرعة ليزهر أو الفيلم المستوحى منها للوفي، فمسلسل «فوضى» ترفيهي لأبعد مدى.

يقول زيف سميلانسكي، ابن يزهر، أن أباه كان يعد بطلًا عند نشره لروايته لأول مرة. ويضيف في حديثه مع الكاتب: «إحساس الثقة بالنفس كان قويًا جدًا في إسرائيل حينها لدرجة تجعلها تتقبل النقد والأشياء التي كتبها والدي، وكانت كتبه مقروءة. كان والدي صهيونيًا مخلصًا وقع في حب دراما بناء الدولة، لكنه كان صادقًا فيما يرى في أعماقه أنه خطأ واضح. أما الآن فنحن منقسمون، وانعدمت قدرتنا على رؤية الأمور بوضوح. يصعب أن شابًا يعرف اسم أبي، كتبه لم تعد جزءًا من المناهج، ولا يتذكره سوى كبار السن».

مات يزهر سميلانسكي عام 2006، وكان قد قال في لقاء صحفي قبل وفاته بعام: «لقد نظرت للصورة العامة، وهي جزء مهم من شخصيتي، ووجدت فيها العرب». لكن« نيتزا بن آري» زوجة ابنه ومعلمة الأدب قالت لي: «لم نعد نراهم. إن سألتني كيف تبدو الضفة أو غزة اليوم فلن أعرف، مع أنهم -فعليًا- جيراننا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد