بالتزامن مع الاحتجاجات التي تشهدها دولة لبنان حاليًا، سلطت الكاتبة كريستين ماتاموروس الضوء على الطريقة التي تُدار بها البلاد، موضحة الأسباب التي أدت لاندلاع التظاهرات واستمرارها حتى الآن.

وقالت الكاتبة في مستهل مقال لها على موقع «يورو نيوز» إن «قادة لبنان يتعرضون لضغوط لإجراء تغييرات جذرية على الطريقة التي تُدار بها البلاد؛ إذ تسببت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والغضب من الفساد الحكومي المُتَصَوَّر في احتجاجات واسعة النطاق. وتحكم البلاد بموجب نظام لتقاسم السلطة يهدف إلى ضمان التمثيل السياسي لجميع الطوائف الثمانية عشرة في البلاد»، متسائلةً: «لكن هل ينجح النظام؟»، دعونا نلق نظرة.

كيف تُقسّم السلطة؟

صُممت الحكومة اللبنانية لتوفير تمثيل سياسي لجميع الجماعات الدينية اللبنانية، بموجب ما ورثته من الحكم الاستعماري الفرنسي. والموارنة المسيحيون، والمسلمون السنة، والمسلمون الشيعة، هم أكبر ثلاث طوائف في البلاد.

مظاهرات لبنان

ويقسّم عدد المقاعد في البرلمان بالمناصفة بين المسيحيين والمسلمين، ويقسّم أيضًا بالتناسب بين الطوائف المختلفة لكل دين. كما توزّع المناصب الحكومية ومناصب القطاع العام بين طوائف الأغلبية. 

وأوضحت كريستين أنه وفقًا لهذا التقسيم، فإن الرئيس اللبناني يجب أن يكون مسيحيًّا مارونيًا، ورئيس الوزراء سنيًّا، ورئيس البرلمان شيعيًّا.

«لكن هذا النظام تسبب في انقسامات راسخة بين الطوائف الدينية الثمانية عشرة المعترف بها؛ لأن كل ممثلي تلك الطوائف استخدموا مناصبهم في الحكومة لخدمة مصالح الطائفة ومصالحهم الشخصية فقط بدلًا من المصلحة الوطنية»، كما تقول لينا خطيب، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس. 

 كيف يؤدى كل دور تنفيذي؟

يتمتع الرئيس بصلاحية وضع القوانين التي أقرها البرلمان موضع التنفيذ، وطلب إصدار لوائح إضافية لضمان تنفيذ القوانين والتفاوض بخصوص المعاهدات أو التصديق عليها.

وانتخب البرلمان ميشال عون رئيسًا للبنان في أكتوبر (تشرين الأول) 2016. وهو مؤسس الحزب السياسي للمسيحيين الموارنة «التيار الوطني الحر».

وأشارت كريستين إلى أن البرلمان يلعب دورًا مهمًّا عندما يتعلق الأمر بالشئون المالية، وتشمل مسؤولياته اعتماد الميزانية.

ورئيس الوزراء الحالي سعد الحريري هو رجل أعمال مسلم سني، ويشغل هذا المنصب منذ عام 2016. وبعد اغتيال والده رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري في عام 2005، انخرط في السياسة وأنشأ «تيار المستقبل».

Embed from Getty Images

من اليمين: رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري (مسلم سني). الرئيس اللبناني ميشال عون (مسيحي ماروني). رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (مسلم شيعي)

 كيف تبدو الحكومة الآن؟

وتابعت كريستين: «في وقت سابق من هذا العام، تمكنت الفصائل اللبنانية من الاتفاق على حكومة جديدة بعد شهور من عدم اليقين؛ إذ كانت الجماعات السياسية المتناحرة على خلاف بشأن مستقبل تشكيل الحكومة. وفي النهاية، حقق حزب الله الشيعي مكاسب كبيرة، بينما خسر تيار الحريري أكثر من ثلث مقاعده. وللمرة الأولى، تولى حزب الله وزارة الصحة، التي تمتلك إحدى أكبر الميزانيات، وظلت وزارة المالية في أيدي رجل يعتقد أنه حليف لحزب الله، وهو علي حسن خليل». 

وكان قد ضم أربع وزيرات، ومضاعفة تمثيل النساء، من اللحظات التاريخية في مسيرة الحكومة.

هل يلعب الدين دورًا في السياسة اللبنانية؟

وتجيب كريتسين مستشهدة بما قالته لينا: «نعم، لأنه حتى لو كان النظام السياسي اللبناني يعتمد على نظام المحاصصة الطائفي- وهو نظام حكم عبارة عن مزيج قانوني من الدين والسياسة- فإن الدين يتجلى أداةً للقوة السياسية بدلًا من أن دوره العقائدي».

وبحسب لينا، لا تشهد الحياة السياسية اللبنانية الحالية الكثير من النقاشات حول المعتقدات الدينية، وبدلًا من ذلك يدور النقاش حول أي مجموعة دينية يمكنها الحصول على المزيد من السلطة وخدمة مجتمعها أكثر، لسوء الحظ على حساب المجتمعات الأخرى والمصلحة الوطنية في كثير من الأحيان.

فيمَ أخطأت الحكومة؟

عجّلت المشكلات الاقتصادية العميقة في لبنان جزئيًّا بعملية انتخاب حكومة جديدة؛ إذ خرج المتظاهرون إلى الشوارع منتقدين التأخير في تشكيل الحكومة. 

وبعد تشكيل الحكومة الجديدة، أخبر الحريري وسائل الإعلام أن الاقتصاد سيكون هو الأولوية. وقال: «لم يعد هناك وقت لنضيعه. نحن مدينون للبنانيين باعتذار عن التأخير، خاصة للشباب والشابات الذين ينتظرون بصيص أمل لتحسين الأوضاع». ووافق لبنان يوم الاثنين على حزمة طارئة من الإصلاحات الاقتصادية، شملت تخفيض رواتب الوزراء والمشرعين إلى النصف.

التقشف في لبنان

وأعلن رئيس الوزراء سعد الحريري أنه خلال الأسابيع الثلاثة المقبلة، ستوافق الحكومة على المرحلة الأولى من برنامج استثمار رأس المال، الذي تعهد المانحون بتمويله بمبلغ 11 مليار دولار، بشرط تنفيذ لبنان للإصلاحات.

وأشارت كريستين إلى أن الحريري أكد اعتماد الحكومة أيضًا لميزانية 2020 دون فرض ضرائب جديدة، وبعجز يبلغ حوالي 0.6% مقارنة بالمستوى المستهدف لعام 2019 البالغ حوالي 7%.

وستُلغى وزارة الإعلام ومؤسسات عامة أخرى جزءًا من تدابير خفض النفقات. وستُدمج مؤسسات أخرى لتوفير المال. كما وافقت الحكومة على إنشاء لجنة لمكافحة الفساد.

كما ستُسرَّع الإصلاحات التي طال انتظارها في قطاع الطاقة الذي تديره الدولة، والذي يكبد الخزينة العامة مليارَيْ دولار سنويًّا، رغم فشله في توفير الطاقة الكافية للبنانيين الذين يعتمدون على المولدات الخاصة لسد الفجوة. جدير بالذكر أن لبنان مثقل بأحد أعلى مستويات الدين الحكومي مقارنة بالناتج الاقتصادي في العالم.

لماذا تستمر احتجاجات اللبنانيين؟

ما يزال كثير من الناس غير مقتنعين بوعود السياسيين؛ فالقضاء على الفساد المستشري مطلب أساسي للمتظاهرين، الذين يتهمون قادة البلاد باستغلال مناصبهم لإثراء أنفسهم لعقود.

واستشهدت كريستين بما قالته المعلمة مايا مهنا لرويترز، في أثناء استماعها إلى الخطاب في وسط بيروت مع متظاهرين آخرين: «ما زلنا في الشوارع، ونحن لا نصدق كلمة واحدة قالها».

وقال متظاهر آخر رفض الإفصاح عن هويته: «الأكاذيب والأكاذيب والأكاذيب. لقد حكموا لفترة طويلة. وإن أرادوا، كان بإمكانهم فعل أي شيء». 

وفقًا للينا، سيستغرق الأمر الكثير من الجهد لتغيير النظام السياسي الحالي جذريًّا. مضيفة: «تتشبث النخب السياسية بذلك النظام؛ لأنه يضمن لهم امتيازات سياسية واقتصادية. لكن الإحباط الشعبي من النظام يتزايد، وهذا هو المحرك الرئيسي وراء الاحتجاجات الحالية في لبنان».

مترجم: سيناريو مخيف يجب أن يحذره اللبنانيون في احتجاجاتهم

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد