يتيح أحدث نظام تشغيل من «أبل»، «آي أو إس 14.5» المخصص لأجهزة أيفون، للمستخدم الاستفادة من ميزة عدم السماح للتطبيقات الإلكترونية بمتابعة أنشطة المستخدم الرقمية لأغراض إعلانية. ويُشكِّل تتبع أنشطة المستخدمين جزءًا كبيرًا من نموذج الأعمال الذي تعتمد عليه شركة «فيسبوك»، لكن تلك الميزة لن تُحدِث ثورة فيما يتعلق بحماية الخصوصية، بحسب ما يرصده تقرير أعدَّه بول هاسكل دولاند ونيكولاي هامبتون، الأكاديميان في جامعة إديث كوان.

يستهل الكاتبان تقريرهما المنشور في موقع «ذا كونفرسيشن» الأسترالي للأبحاث الأكاديمية بالإشارة إلى دخول تحديث «أبل» المخصص لأجهزة أيفون حيِّز العمل، إذ بات بإمكان مستخدمي «أبل» في جميع أنحاء العالم الاستفادة من أحدث نظام تشغيل من «أبل» «آي أو إس 14.5» المخصص لأجهزة أيفون، والذي يضم مجموعة جديدة إلزامية من الرموز التعبيرية.

ولكن هناك تغييرًا آخر يمكن القول إنه أقل متعة ولكنه أكثر أهمية لعديد من المستخدمين، وهو إطلاق ميزة «أداة شفافية تتبع التطبيقات».

ميزة تزعج «فيسبوك»

ويلفت التقرير إلى أن ميزة «أداة شفافية تتبع التطبيقات» تَعِد ببداية حقبة جديدة لحماية الخصوصية الموجَّهة للمستخدم، ولكن ليس الجميع سعداء بتلك الميزة، وعلى الأخص شركة «فيسبوك»، التي تعتمد على تتبُّع عادات التصفح الخاصة بمستخدمي الويب لبيع الإعلانات المستهدفة. وقد وصفها بعض المُعلِّقين بأنها بدايات نزاع جديد بشأن الخصوصية بين عملاقي التكنولوجيا. وضمَّن التقرير تغريدة لصحيفة «نيويورك تايمز» تقول: ««أبل» في مواجهة «فيسبوك»: تتيح ميزة أيفون الجديدة للمستخدمين منع «فيسبوك» من تتبعهم عبر التطبيقات الأخرى، وهو ما يؤدي إلى تصعيد الخلاف بين الشركتين».

ما هي أداة شفافية تتبع التطبيقات؟

ويوضح الكاتبان أن أداة شفافية تتبع التطبيقات تُعد استمرارًا لمسعى شركة «أبل» لترسيخ أقدامها بوصفها منصة تحمي الخصوصية. وتسمح الميزة الجديدة للتطبيقات بعرض إشعار منبثق يشرح البيانات التي يريد التطبيق جمعها، وما يُقتَرح فِعله بهذه البيانات.

وليس هناك ما يحتاج المستخدمون إلى فعله للوصول إلى الميزة الجديدة، بخلاف تثبيت آخر تحديث لنظام «آي أو إس» على أجهزة أيفون، والذي يتوفر تلقائيًّا على معظم الأجهزة. وبمجرد الترقية، ستعرِض التطبيقات التي تستخدم وظائف التتبع طلبًا للاشتراك في هذه الوظيفة أو إلغاء الاشتراك فيها.

كيف تعمل الميزة الجديدة؟

كما أوضحت «أبل»، ميزة شفافية تتبع التطبيقات هي «واجهة برمجة تطبيقات» جديدة، أو API، مجموعة من أوامر البرمجة التي يستخدمها المطوِّرون للتفاعل مع نظام التشغيل.

Embed from Getty Images

وتمنح واجهة برمجة التطبيقات مطوري البرامج عددًا قليلًا من الوظائف الجاهزة التي تتيح لهم القيام بأشياء مثل «طلب إذن التتبع» أو استخدام مدير التتبع «للتحقق من حالة التفويض» للتطبيقات الفردية. وبعبارات أكثر وضوحًا، تمنح هذه الواجهة مطوري التطبيقات طريقة موحَّدة لطلب أذونات التتبع هذه من مستخدم الجهاز. وهذا يعني أيضًا أن نظام التشغيل لديه موقع مركزي للتخزين والتحقق من الأذونات التي مُنِحت للتطبيقات.

ويلفت التقرير إلى أن ما ينقص الميزة هو عدم وجود آلية مادية لمنع تعقب المستخدم، ذلك أن إطار أداة شفافية تتبع التطبيقات هي مجرد مربع منبثق. ومن المثير للاهتمام أيضًا ملاحظة الصياغة المحددة للنافذة المنبثقة: «اطلب من التطبيق عدم التتبع». وإذا كان التطبيق يستخدم «معرِّفات إعلانات الأجهزة» المشروعة، فإن الإجابة بـ«لا» ستؤدي إلى تعيين هذا المعرِّف على القيمة صفر. وسيؤدي ذلك إلى تقليل إمكانات التتبع للتطبيقات التي تحترم سياسات التتبع الخاصة بشركة «أبل».

ومع ذلك، إذا كان التطبيق مُصمِّمًا على تتبع المستخدم، فهناك عديد من التقنيات التي قد تسمح له بعمل معرِّفات سرية خاصة بالمستخدم، والتي قد يصعب على «أبل» اكتشافها أو منعها.

على سبيل المثال، في حين أن التطبيق قد لا يستخدم «معرِّف إعلانات الجهاز» الخاص بشركة «أبل»، سيكون من السهل على التطبيق إنشاء القليل من «البيانات العشوائية». ويمكن بعد ذلك تمرير هذه البيانات بين المواقع تحت ستار العمليات العادية مثل استرداد صورة مع البيانات المضمَّنة في اسم الملف. وفي حين أن هذا يتعارض مع قواعد مطوري «أبل»، فإن اكتشاف هذا النوع من البيانات السرية قد يكون صعبًا للغاية.

إجراءات صارمة

وألمح التقرير إلى أن شركة «أبل» تبدو مستعدة لاتخاذ إجراءات صارمة ضد المطورين الذين لا يلتزمون بالقواعد؛ إذ تخبر أحدث الإضافات إلى إرشادات متجر التطبيقات من «أبل» المطورين صراحةً بما يلي: يجب أن تحصل على إذن صريح من المستخدمين عبر واجهات برمجة تطبيقات شفافية تتبع التطبيقات لتتبُّع نشاطهم.

واستبعد التقرير أن يرغب مطورو التطبيقات الرئيسون في انتهاك هذه السياسة؛ إذ سيكون الحظر من متجر التطبيقات مُكلفًا. لكن من الصعب تصور أن تعاقب «أبل» لاعبًا كبيرًا حقًا مثل «فيسبوك» أو «تيك توك» دون أن تجري بعض المفاوضات الجادة من وراء الكواليس.

«أبل» في مقابل «فيسبوك».. صراع العمالقة

أوضح التقرير أن «فيسبوك» تتغذى على بيانات مستخدمي الويب، ومن ثم فهي تنظر بالضرورة إلى أي شيء يعترض طريق شبكتها الهائلة المُدرِّة للدخل على أنه تهديد. وفي عام 2020، تجاوزت عائدات «فيسبوك» من الإعلانات ما قيمته 84 مليار دولار أمريكي، بزيادة قدرها 21% عن عام 2019.

Embed from Getty Images

ويرى الكاتبان أن هذه القضايا عميقة الجذور وتعكس نموذجين تجاريين مختلفين للغاية لعملاقَي التكنولوجيا، ذلك أن نموذج أعمال شركة «أبل» يعتمد على بيع أجهزة الكمبيوتر وأجهزة الكمبيوتر المحمول والهواتف والساعات، وهي تستمد نسبة كبيرة من دخلها من النظام البيئي الهائل من التطبيقات والمشتريات الداخلية المُستخدَمة على هذه الأجهزة. وقد بلغت عائدات تطبيقات «أبل» 64 مليار دولار أمريكي في عام 2020.

وفي ضوء مصلحتها الراسخة في ضمان ولاء عملائها وإرضائِهم بأجهزتها، فإن «أبل» في وضع جيد يسمح لها بحماية الخصوصية دون الإضرار بالأرباح.

هل يجب على المستخدمين الاستفادة من هذه الميزة؟

وشدد التقرير على أن استخدام تلك الميزة خيار للمستهلك في نهاية المطاف. ويُقدَّم عديد من التطبيقات والخدمات مجانًا ظاهريًّا للمستخدمين. وغالبًا ما يغطي مطورو التطبيقات تكاليفهم من خلال نماذج الاشتراك أو المشتريات داخل التطبيق، أو الإعلانات داخل التطبيق. وإذا قرر عدد كافٍ من المستخدمين تبني ضوابط الخصوصية، فإن المطورين إما أن يغيروا نموذج تمويلهم (وربما ينتقلون إلى التطبيقات المدفوعة) أو يحاولوا إيجاد سبل أخرى لتتبع المستخدمين للحفاظ على العائدات المُحقَّقة من الإعلانات.

تكنولوجيا

منذ شهر
مترجم: ماذا نعرف حتى الآن عن تسريب بيانات 533 مليون مستخدم للفيسبوك؟

وإذا كنت لا تريد للتطبيقات أن تجمع بياناتك (وربما بيعها لجهات خارجية غير مسماة)، فإن هذه الميزة تقدم طريقة واحدة لتقييد مقدار البيانات التي تُوظَّف على هذا النحو.

ولكن من المهم أيضًا، ووفق ما يستدرك كاتبا التقرير، أن نلاحظ أن تتبع المستخدمين والأجهزة يُعد أداة قيمة لتحقيق الاستخدام الأمثل للإعلان من خلال بناء صورة شاملة لكل فرد. وهذا يزيد من ملاءمة كل إعلان في حين يقلل أيضًا من تكاليف الإعلان (من خلال استهداف المستخدمين المهتمين على الأرجح). ويمكن القول إن المستخدمين يستفيدون أيضًا؛ إذ يرون المزيد من الإعلانات (ذات الصلة) التي تُحدَّد في سياق مناسب لاهتماماتِهم.

وفي ختام التقرير، يخلص الكاتبان إلى أن تلك الميزة قد تُؤدي إلى إبطاء معدل تلقي الإعلانات المخصصة في التطبيقات ومواقع الويب، ولكن هذا التغيير لن يكون نهاية للإعلانات الرقمية المتطفلة. وهذا في جوهره هو الثمن الذي ندفعه مقابل الحصول على هذه الخدمات «مجانًا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد