أسابيع قليلة تفصلنا عن دخوله البيت الأبيض ليكون رئيس الولايات المتحدة الجديد. لكنه أثار فزع قطاع الأعمال الأمريكي بالفعل. دونالد ترامب الملياردير المشاكس الذي تعهد بإعادة أمجاد الولايات المتحدة – حسب قوله – سبَّبَ موجة من القلق لدى المديرين التنفيذيين وملاك الشركات بعد أن أطلق وعودًا – أقرب إلى تهديدات – بإدخال تشريعات صارمة وخفض للضرائب وزيادة الاستثمار في البنية التحتية. وبات بطلًا في نظر العمال بسبب هجومه على كبرى الشركات بسبب الوظائف.

يرصد تقرير في مجلة الإيكونومست الأمريكية مستقبل الاقتصاد الأكبر في العالم في عهد الرئيس الجديد فيقول إن السيد ترامب قد هاجم بعنف شركة أبل بسبب لجوئها إلى الصين لإنتاج معظم محتويات هاتفها آيفون. وكذا فعل مع شركة فورد بسبب اعتزامها نقل مصنع إنتاج سيارات لنكولن الرياضية إلى خارج البلاد. ولم تسلم منه شركة بوينج لإنتاج الطائرات بسبب انتقادها العلني لسياسة التجارة الوقائية التي يعتزم ترامب انتهاجها. ومثلما استخدم العصا، لم يتورع ترامب عن التلويح بالجزرة، إذ إنه قد تملق شركة كارير لإنتاج مكيفات الهواء حتى لا تنقل مصنعها في ولاية إنديانا إلى المكسيك.

لعل تلك الإستراتيجية الواعدة تكسبه الشعبية، يقول التقرير، لكنها تحمل في طياتها مخاطر جمة. وعد السيد ترامب بإصلاح نظام الضرائب على الشركات، والاستثمار في البنية التحتية. لكن الخطر ينبع من طريقة تعامله مع الشركات، ولجوئه للرشوة تارة والهجوم عليها تارة أخرى. إن عظمة أمريكا تنبع من تطبيق القانون. وإذا ما جرى استبدال نهج السمع والطاعة للملك ترامب بالقانون، فسينهار الاقتصاد الأمريكي.

مساعدة الأقلية على حساب الأكثرية

أعلن ترامب اعتزامه فرض ضرائب قدرها 35% على منتجات الشركات الأمريكية التي تُنتج خارج البلاد، لأن ذلك أضر بسوق العمالة الأمريكية. لكن ذلك سيرفع من سعر البضائع على المستهلكين، وسيحد من التنافسية والاستثمارات، مما سيضر في نهاية المطاف بأجور العمال على مستوى البلاد.

يقول التقرير إن الكثيرين يعتقدون أن ترامب لن يُقدم على شيء كهذا لأنه يدرك حجم المخاطرة. وأنه إذا تمكن من إقناع العمال بأنه يعمل لصالحهم ببعض التغريدات والصفقات المشبوهة فلن تكون هناك حاجة لفرض أي ضرائب. وكل ما يتعين على المديرين التنفيذيين عمله هو كسب ود الرئيس.

قد تؤدي إستراتيجية ترامب إلى زيادة عجز الميزان التجاري. وقد يعجز الكونجرس عن إثناء الرئيس عن فرض الضرائب. ولكن قبل كل هذا، فإن فكرة رشوة الشركات وتهديدها تبدو غير لائقة بالمرة.

لكن الولايات المتحدة لها باع طويل في التدخلات السياسية في الأسواق، كما يقول التقرير. فقد سبق أن هاجم جون كنيدي شركات الحديد في الستينيات، وفي 2009، تدخل أوباما لإنقاذ شركات السيارات من الإفلاس.

وعلى الصعيد الدولي، تعهدت رئيس الوزراء البريطانية بإقناع عملاق صناعة السيارات الياباني نيسان بالبقاء في بريطانيا على الرغم من استفتاء البريكست. ولا تتورع الحكومة الفرنسية عن مهاجمة الشركات للحفاظ على الوظائف. وإبان الكساد العظيم، أجبر كل من هوفر وروزيفلت الشركات على اتخاذ خطوات يعتبرانها في مصلحة البلاد، وكذا فعل أوباما مع البنوك إبان الأزمة المالية العالمية في 2009. كل التدخلات السالفة حدثت في زمن الأزمات، لكن لا وجود لأزمات اليوم. لذا سيعتبر تدخل ترامب سابقة جديدة.

ويرى التقرير أن الشركات قد بدأت تغير من نهجها وجعلت من عدم إثارة غضب ترامب أولوية قصوى. فبعد شن هجوم عنيف عليه وقت حملته الانتخابية، بادر العديد من كبار المديرين التنفيذيين إلى الانضمام إلى المجلس الاستشاري الخاص به. وقد يُضطرون إلى المساهمة في المشاريع الخاصة بترامب وعائلته. والمثير للسخرية، وفق التقرير، أن ترامب كان قد تعهد بالقضاء على مجموعات المصالح الخاصة، إلا أن سياساته تلك ستدعم نموها.

لا يعرف مدى الضرر الذي سيسببه هذا التحول على المدى المنظور، لأن آثار الإصلاحات الاقتصادية ستغطي عليه في البداية. لكن مع تزايد انخفاض مستوى التنافسية وانحسار جاذبية الولايات المتحدة أمام المستثمرين، فإن أول من سيعاني هم العمال الذين وعد السيد ترامب بمساعدتهم. لهذا، إذا أراد بحق إعادة أمجاد أمريكا، عليه صرف النظر عن السياسة الوقائية والكف عن مهاجمة الشركات.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد