هذا المقال مقتطفٌ من كتاب Twilight of the Money Gods: Economics as a Religion and How it all Went Wrong (أفول شمس أرباب المال)، للصحافي المؤلف المتخصص في الاقتصاد السياسي John Rapley. نُشِر المقتطف للمرَّة الأولى في صحيفة الجارديان البريطانية، ونُترجِمه هنا بإذنٍ من المؤلف.

لدى بريطانيا كنيسةٌ راسخةٌ، لكنَّ القليل من البريطانيين اليوم يوليها اهتمامًا. إنَّهم يتبعون دينًا أقوى من الكنيسة، دينًا طوَّعنا حياتنا لتتوافق معه: الاقتصاد.

فكِّر في الأمر. يُقدِّم الاقتصاد عقيدةً شاملةً لها قانونٌ أخلاقيٌ يعِدُ أتباعه الخلاص في هذه الدنيا؛ فالاقتصاد أيديولوجيةٌ بلغت من الفتنةِ مبلغًا يحمل المؤمنين بها على إعادة تشكيل مجتمعاتٍ كاملةٍ لتتوافق مع مطالبها. للاقتصاد غنوصييه، ومتصوِّفته، وسحرته الذين يجلبون المال بتلويحةٍ بعُصيِّهم، مستخدمين تعويذات مثل «مشتقات» أو «وسيلة استثمار مُركَّبة». ومثل الديانات القديمة التي أزاحها الاقتصاد، فإنَّ له أنبياءه وإصلاحييه وأخلاقييه، وقبل كل شيء كهنته العليين، الذين يحفظون قواعده وسُنَّته في مواجهة البِدع.

بمرور الزمن، تولَّى الاقتصاديون المتعاقبون الدور الذي انتزعناه من رجال الكنيسة في الماضي: دور الهداية إلى طريق الأرض الموعودة، وفيرة المواد، أرض الرضا الأبدي. ولمدةٍ طويلةٍ، بدا أنَّهم يُحقِّقون هذا الوعد؛ إذ نجحوا في تحقيق ما لم تقدر عليه سوى أديان قليلةٌ غير الاقتصاد، فزادت دخولنا آلاف الأضعاف؛ مما فجَّر وفرةً من الاختراعات الجديدة، والعلاجات، ومباهج الحياة.

منذ انهيار عام 2008، شاهد معظمنا مستويات معيشتنا وهي تنخفض. وفي الوقت نفسه، بدا أنَّ الكهنوت انسحب إلى الأديرة، وبدأت المشاحنات بشأن من كان مُخطئًا. وليس من المُستغرب أنَّ إيماننا بـ«الخبراء» قد تبدَّد.

كانت هذه فردوسنا، وقد جَزينا عليها أعضاء الكهنوت الاقتصادي خير الجزاء، بالمكانة المرموقة، والثروة، والسلطة على تشكيل مجتمعاتنا وفقًا لرؤيتهم. في نهاية القرن العشرين، وسط ازدهار اقتصادي شهد وصول الاقتصادات الغربية إلى مستوى ثراءٍ أعلى ممَّا عرفته البشرية في تاريخها، بدا أنَّ الاقتصاد قد غزا العالم. وبدخول كل بلدٍ تقريبًا على كوكب الأرض في دين السوق الحرة، وبتوافد طلاب الجامعات أفواجًا ليحصلوا على درجاتٍ علميةٍ في هذا التخصُّص، بدا أنَّ الاقتصاد قد نجح في تحقيق الهدف الذي لم يبلغه أي دين آخر في تاريخ البشر: تحويل الكوكب بأكمله إلى عقيدته.

ومع ذلك، إن كنَّا قد تعلَّمنا أي درسٍ من التاريخ، فهو أنَّ الاقتصاديين متى أحسُّوا بأنهم قد وجدوا الكأس المُقدَّسة للسِلم والازدهار الأبدي، فإنَّ نهاية النظام القائم تكون وشيكةً. عشية انهيار وول ستريت في عام 1929، نصح الخبير الاقتصادي الأمريكي إيرفينج فيشر الناس بشراء الأسهم؛ في الستينات من القرن الماضي، قال الاقتصاديون الكينزيون: إنَّه لن يحدث أي ركود آخر؛ لأنهم أتقنوا أدوات إدارة الطلب.

ولم يكُن انهيار عام 2008 مختلفًا. فقبلها بخمسة أعوام، في 4 يناير (كانون الثاني) 2003، قدَّم روبرت لوكاس، الحائز على جائزة نوبل، خطابًا رئاسيًا مفعمًا بنشوة الانتصار أمام رابطة الاقتصاد الأمريكية. ذكَّر روبرت زملاءه بأنَّ الاقتصاد الكلي قد وُلِد في الركود على وجه التحديد لمحاولة منع حدوث كارثة كتلك مرةً أخرى على الإطلاق، وأعلن أنَّه وزملاؤه قد وصلوا إلى نهاية تاريخهم: «لقد نجح الاقتصاد الكلي بهذا المعنى الأصلي». هكذا قال أمام حضور الاجتماع المُغلق، وأضاف: «لقد حُلَّت المُعضلة الأساسية لمنع حدوث ركود (جديد)».

وكلَّما أقنعنا أنفسنا بأنَّ الكهنوت الاقتصادي قد كسر اللعنة القديمة أخيرًا، عاد ليطاردنا جميعًا: فالعزَّة دائمًا تذهب قبل السقوط. منذ انهيار عام 2008، شاهد معظمنا مستويات معيشتنا وهي تنخفض. وفي الوقت نفسه، بدا أنَّ الكهنوت انسحب إلى الأديرة، وبدأت المشاحنات بشأن من كان مُخطئًا. وليس من المُستغرب أنَّ إيماننا بـ«الخبراء» قد تبدَّد.

الغطرسة، التي هي ليست بالأمر المحمود عمومًا، قد تكون أمرًا خطيرًا في الاقتصاد خصوصًا، لأنَّ علماءه لا يلاحظون قوانين الطبيعة فحسب، بل يساهمون في ابتداعها. إذا قرَّرت الحكومة، مُسترشدةً بكهنوتها، تغيير هياكل الحوافز في المجتمع لكي تتماشى، مثلًا، مع افتراض أنَّ الناس يتصرفون بأنانية، فسيبدأ الناس بالتصرُّف بأنانيةٍ، كما لو كان هذا أمرًا يدعو إلى العجب. إنهم سيُكافأون على التصرُّف بهذه الطريقة، وسيُعاقبون لو تصرَّفوا بغيرها. إن كنت قد تربيت على الاعتقاد بأنَّ الجشع أمر جيد، فغالبًا ما ستعيش وفقًا لهذه القناعة.

الغطرسة في الاقتصاد ليس مصدرها نقيصةٌ أخلاقيةٌ متفشيةٌ بين الاقتصاديين، بل مصدرها اقتناعٌ خاطئ: الاعتقاد بأنَّ مبحثهم يُعَدُ علمًا. إنَّ الاقتصاد ليس عِلمًا، ولا يُمكن أن يكون، ودائمًا ما كانت أموره تجري بطريقة الكنيسة. انظر فقط إلى التاريخ لتتبيَّن هذه الحقيقة.

تأسَّست الجمعية الاقتصادية الأمريكية، التي قال روبرت لوكاس كلمته أمامها، في عام 1885، حين بدأ الاقتصاد يُعرِّف نفسه بأنَّه مبحثٌ مستقلٌ. في أوَّل اجتماع للجمعية، اقترح مؤسسوها مبادئ تقول: إنَّ «الصراع بين العمالة وأصحاب رؤوس الأموال قد سلَّط الضوء على عددٍ من المشكلات الاجتماعية التي يستحيل حلُّها دون توحُّد جهود الكنيسة والدولة والعِلم». ستكون الطريق طويلةً من تلك البداية إلى التبشير بالسوق الحرة في العقود التي تلتها.

ولكن حتى في ذلك الوقت، أثار هذا النشاط الاجتماعي الجدل. ألقى أحد مؤسسي الجمعية، هنري كارتر آدمز، خطابًا في جامعة كورنيل، دافع فيه عن حرية التعبير عن المتمردين، واتهم الصناعيين بإثارة كراهية الأجانب لإلهاء العمال عن الظلم الذي يتعرَّضون له. كان بين الحضور هنري سيج، ملك الخشب في نيويورك الذي يقدِّم لجامعة كورنيل هبات كبيرة، وهو الأمر الذي لم يكُن يعرفه هنري كارتر. وبمجرد الانتهاء من المحاضرة، اقتحم سيج مكتب رئيس الجامعة، وأصرَّ على أنَّ «هذا الرجل يجب أن يذهب، فهو يُخرِّب أسس مجتمعنا». وعندما جرى وقف منح أدامز درجة أستاذ دائم في الجامعة في وقتٍ لاحقٍ، وافق على تخفيف حدة وجهات نظره. وبناءً على ذلك، شُطِبت من المسودة التأسيسية النهائية للجمعية الاقتصادية الأمريكية الإشارة إلى اقتصاد السوق (بشعاره «دعه يعمل») بأنَّه «خطرٌ سياسيًا ومَعيبٌ أخلاقيًا».

وهكذا أقِر نمطٌ استمرَّ إلى يومنا هذا. وساعدت المصالح السياسية القوية، التي ضمَّت تاريخيًا الصناعيين الأغنياء ومعهم الناخبين أيضًا، على تشكيل شريعة الاقتصاد، التي فرضها من ثمَّ مجتمعه العلمي.

بمجرَّد أن يتمَّ تأسيس مبدأ على أنًّه هو المبدأ القويم، يُفرَض اتِّباعه بالطريقة نفسها التي تحافظ بها العقائد الدينية على سلامتها: بالقمع أو بمجرد اجتناب البدع. في كتابها «النقاء والخطر»، لاحظت الأنثروبولوجية ماري دوجلاس الطريقة التي تعمل بها المُحرَّمات (التابوهات) لمساعدة البشر في فرض النظام على عالم يبدو أنَّ الفوضى والعشوائية هي سماته. لم تعمل فرضيات الاقتصاد التقليدية على نحوٍ مختلفٍ عن هذا. ويتفق مع ذلك روبرت لوكاس بالإشارة إلى أنَّه بحلول أواخر القرن العشرين، كان الاقتصاد قد طهَّر نفسه من الكينزية إلى الحد الذي جعل «الجمهور يبدأ بالهمس والضحك فيما بينهم» عندما يُعبِّر أحدٌ عن فكرة تنتمي إلى مبادئ الكينزية في الندوات. وقد ساعدت هذه الردود على تذكير ممارسي الاقتصاد بتابوهاته، وقدَّمت توجيهًا رفيقًا إلى الأكاديميين الشباب بأنَّ مثل هذه الشعارات قد لا تُظهِر الواحد منهم بمظهرٍ جيدٍ أمام لجان تثبيت الأساتذة في الجامعات. هذا الهمُّ بفرض النظام والاتساق قد يكون صفةً شائعةً بين ممارسي الاقتصاد أكثر من كونه وظيفةً يفرضها الاقتصاد نفسه. واكتشفت دراسات للسمات الشخصية المُشتركة بين مختلف التخصُّصات أنَّ الاقتصاد، مثل الهندسة، يجذب الناس الذين يحملون تفضيلًا استثنائيًا للنظام ونفورًا من الغموض.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: لماذا يُصبح دارسو الطب والهندسة فريسةً سهلةً للجهاديين

ومن المفارقة أنَّ الاقتصاد، في تصميمه على جعل نفسه عِلمًا قادرًا على التوصُّل إلى استنتاجات صلبة سريعة، اضطر إلى التخلِّي عن المنهج العلمي في بعض الأحيان. مبدئيًا، يعتمد الاقتصاد على مجموعة من المُقدِّمات بشأن العالم، ليس كما هو في الواقع، بل كما يرغب الاقتصاديون في أن يكون. وكما أنَّ الانضمام إلى أي دينٍ يستوجب اعتناق عقيدةٍ بعينها، فإنَّ العضوية في كهنوت الاقتصاد تستوجب أن يحمل الإنسان بعض القناعات الأساسية بشأن الطبيعة البشرية. من بين أمور أخرى، يعتقد معظم الاقتصاديين بأنَّنا – البشر – أنانيون، وعقلانيون، ومجبولون على الفردانية، ونحب أن يكون لدينا أموالًا أكثر. قواعد الإيمان هذه تؤخذ على أنَّها بديهية. في عام 1930، وصف الاقتصادي الكبير ليونيل روبنز مهنته بطريقة ظلَّت منذ ذلك الحين بمثابة القاعدة الأساسية لملايين الاقتصاديين. جاءت الفرضيات الأساسية لتخصُّص الاقتصاد من «الاستنتاج من الافتراضات البسيطة التي تعكس حقائق أولية أساسية مصدرها التجربة العامَّة» وعلى هذا النحو فهذه الافتراضات «عالمية مثل قوانين الرياضيات أو الميكانيكا، ولها المناعة ذاتها من التعطيل».

إنَّ استنتاج القوانين من الفرضيات التي تُعَد أزليةً ولا شكَّ فيها هو أسلوب مُعتمدٌ منذ القديم. على مدى آلاف السنين، أقام الرهبان في أديرة العصور الوسطى هياكل دراسيةٍ ضخمةٍ للقيام بذلك فقط، وذلك باستخدام طريقة أتقنها توماس الأكويني، تُعرَف باسم المدرسية. ومع ذلك، هذه ليست الطريقة التي يستخدمها العلماء، الذين يميلون إلى اشتراط أن تكون افتراضاتهم قابلةً للفحص تجريبيًا قبل أن يُمكن بناء نظريات منها.

لكن الاقتصاديين سيُصرُّون على أنَّ هذا بالضبط هو ما يفعلونه، وأنَّ ما يميزهم عن الرهبان هو شرط اختبار فرضياتهم مقابل الأدلة. حسنًا، نعم، ولكن هذا القول، في الواقع، أكثر إشكاليةً ممَّل قد يدرك العديد من الاقتصاديين العاديين. الفيزيائيون يحسمون جدالاتهم بالنظر في البيانات، التي يتفقون عليها بشكلٍ عام. أمَّا البيانات التي يستخدمها الاقتصاديون فهي أكثر جدلًا. مثلًا، أصرَّ روبرت لوكاس، على صحة فرضية الأسواق الفعَّالة ليوجين فاما (التي تؤكد أنَّه نظرًا لأنَّ السوق الحرة تُرتِّب جميع المعلومات المتاحة للتُجَّار، فإنَّ الأسعار التي تنتجها لا يُمكن أن تكون خاطئةً أبدًا)، على الرغم من «فيض الانتقادات» المًوجَّهة إليها، ولوكاس، حين فعل ذلك، فعله بقدرٍ من القناعة والأدلة الداعمة يساوي ما كان لدى زميله الاقتصادي روبرت شيلر في رفض الفرضية. وعندما كان على البنك المركزي السويدي أن يُقرر من سيفوز بجائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2013، تمزَّقت الأصوات بين ادعاء شيلر بأنَّ الأسواق كثيرًا ما تنتج سعرًا خاطئًا، وإصرار فاما على أنَّ الأسواق دائمًا ما تُنتج السعر الصحيح. وهكذا اختار البنك حلًا وسطًا وأعطى الرجلان الميدالية مناصفةً، في مشهد من الحكمة السليمانية كان ليثير موجةً من الضحك لو حدث في جائزة علمية. في النظرية الاقتصادية، في كثيرٍ من الأحيان، تُصدِّق ما تريد تصديقه، وكما هو الحال مع أيٍ من أفعال الإيمان، سيحمل أي قرارٍ تتخذه قدرًا من الميل العاطفي يساوي ما فيه من حساباتٍ علميةٍ.

ومن المعروف للكافة أنَّ البيانات التي يستخدمها الاقتصاديون وعلماء الاجتماع الآخرون نادرًا ما تُنتِج إجابات لا جدال فيها؛ فهي بيانات بشرية. على عكس البشر، لا تكذب الجسيمات دون الذرية في استطلاعات الرأي أو تغيِّر آراءها بشأن الأمور. وإدراكًا منه لهذا الاختلاف، تبنَّى واسيلي ليونتيف، الحائز على جائزة نوبل، نبرةً متواضعةً في خطابه الرئاسي أمام الجمعية الاقتصادية الأمريكية منذ ما يقرب من نصف قرن. ذكَّر ليونتيف جمهوره بأنَّ البيانات التي يستخدمها الاقتصاديون تختلف اختلافًا جذريًا عن تلك التي يستخدمها الفيزيائيون أو علماء الأحياء. وفي ما يخص علماء الأحياء، حذَّر من أن «مقدار معظم المؤشرات ثابت عمليًا»، في حين أنَّ الملاحظات في الاقتصاد تتغيَّر باستمرار؛ فيتعيَّن تحديث مجموعات البيانات بانتظامٍ لكي تظل مفيدة. كانت بعض البيانات سيئةً ببساطة. ويستلزم جمع البيانات وتحليلها من موظفي الخدمة المدنية مهارةً عاليةً ووقتًا طويلًا، وهو ما قد لا يتوفَّر في البلدان الأقل تقدمًا اقتصاديًا. فعلى سبيل المثال، في عام 2010 وحده، أعادت حكومة غانا، التي لديها ربَّما واحدةٌ من أفضل قدرات جمع البيانات في إفريقيا، حساب ناتجها الاقتصادي لتجد فرقًا بلغ 60%. إنَّ اختبار فرضيتك قبل هذا النوع من المراجعة وبعده سيؤدي إلى نتائج مختلفة تمامًا.

أراد ليونتيف من الاقتصاديين قضاء المزيد من الوقت للتعرُّف على بياناتهم، ووقتًا أقل في النمذجة الرياضية. ومع ذلك، كما اعترف بأسى، فإنَّ التيَّار يسير في الاتجاه المعاكس. اليوم، الاقتصادي الذي يتجوَّل في قريةٍ ليُكِّن فهمًا أعمق لما تكشف البيانات هو مخلوق نادر. بمجرَّد أن يكون النموذج الاقتصادي جاهزًا للاختبار، ينتهي الأمر بالحسابات وهي تُجرى، في الأغلب، في أجهزة الحاسب الموصولة بقواعد بيانات ضخمة. إنَّها ليست بالطريقة التي تُرضي المُشكِّكين. تمامًا كما يُمكنك العثور على آيةٍ في الكتاب المقدس لتبرير أي سلوكٍ تقريبًا، يُمكنك العثور على بيانات بشرية لدعم أية مقولةٍ تريد التدليل عليها بشأن الطريقة التي يسير بها العالم.

هذا هو السبب الذي يجعل الأفكار في الاقتصاد مُعرَّضة لأن تكون تارةً مُسايرةً للموضة وتارةً خارجها. يسير التقدم العلمي بصورةٍ خطيةٍ في العموم؛ فأي بحثٍ جديدٍ يؤكد النظريات القائمة أو يحل محلَّها، كل جيلٍ يبني على الجيل الذي سبقه. أمَّا الاقتصاد فيسير في دورات. فيُمكن وهناك عقيدة معينة يمكن أن ترتفع، تسقط ومن ثم ارتفاع في وقت لاحق مرة أخرى. وذلك لأنَّ الاقتصاديين لا يؤكدون نظرياتهم بالطريقة نفسها التي يستخدمها الفيزيائيون، بمجرَّد النظر في الأدلة. بدلًا من ذلك، كما يحدث مع الدعاة الذين يجمعون حولهم مريديهم، يصعد نجم مدارس الاقتصاد بجمع أتباعٍ حولهم، من كلٍ من السياسيين والجمهور الأوسع.

على سبيل المثال، كان ميلتون فريدمان أحد الاقتصاديين الأقوى تأثيرًا في أواخر القرن العشرين. لكنَّه كان موجودًا لمدة عقودٍ قبل أن يذيع صيته. لربَّما ظلَّ فريدمان قابعًا في الظل لولا أنَّ سياسيين مثل مارجريت تاتشر ورونالد ريجان ساروا في ركاب إيمانه بمناقب السوق الحرة. باع السياسيون تلك الفكرة للجمهور، وانتُخِبوا، ثم أعادوا تشكيل المجتمع وفقًا لتلك التصميمات. الاقتصادي الذي يجمع حوله أتباعًا يحصل بالتالي على منبرٍ لترويج أفكاره. ومع أنَّ العلماء، على النقيض من ذلك، قد يُناشدون الرأي العام أحيانًا لتدعيم حياتهم المهنية أو جذب تمويل لأبحاثهم، بصرف النظر عن العلوم الزائفة، فإنَّهم لا يكسبون دعمًا لنظرياتهم بهذه الطريقة.

إذا كنت تعتقد بأنَّ وصف الاقتصاد باعتباره دينًا يهدم أُسسه، فأنت على خطأ. نحن بحاجة إلى الاقتصاد. يمكن أن يكون قوةً هائلةً تدفع إلى الخير، وقد كان كذلك أحيانًا. ولكن فقط إذا حافظنا على غرضه في الاعتبار، وتذكَّرنا دائمًا ما يمكنه القيام به وما لا يمكنه.

يُعرّف عن الأيرلنديين أنَّهم يصفون بلادهم الكاثوليكية بشكلٍ استثنائيٍ بأنَّها بلادٌ رُسِمت فوقها قشرةٌ مسيحيةٌ رقيقةٌ على الوثنية القديمة. ويُمكن أن يُقال الشيء نفسه عن التزامنا بـالأرثوذكسية النيوليبرالية اليوم، التي تؤكد الحرية الفردية، والحكومة المحدودة، والسوق الحرة. وعلى الرغم من التقيُّد الظاهري بمذهب راسخ، فإنَّنا لم نتحوَّل تمامًا إلى الحيوانات الاقتصادية التي يُفترض بنا أن نكونها. مثل المسيحي الذي يحضر المواعظ والصلوات في الكنيسة، لكنَّه لا يحفظ الوصايا دائمًا، تتصرَّف كما تتوقَّع منَّا النظرية الاقتصادية فقط عندما يلائمنا ذلك. وخلافًا لمبادئ الاقتصاديين التقليديين، تُشير الأبحاث المُعاصرة إلى أنَّه بدلًا عن السعي دائمًا إلى تحقيق أقصى قدر من المكاسب الشخصية، ما يزال البشر يتمتَّعون بالإيثار وإنكار الذات بقدرٍ معقولٍ. وليس من الجلي أنَّ تراكم الثروة بلا نهاية يجعلنا دائمًا أكثر سعادة. وعندما نتخذ قرارات، لا سيما القرارات المتعلقة بالمبادئ، يبدو أنَّنا لا نضع في حساباتنا «تعظيم الاستفادة» العقلانية التي تتبنَّاها النماذج الاقتصادية التقليدية باعتبارها من المُسلَّمات. والحقيقة أنَّنا لسنا ملتزمين بالنموذج في معظم حياتنا اليومية.

اقرأ أيضًا: «الجارديان»: العالم الآن يشهد موت النيوليبرالية

على مدى عقود، أجاب مُبشِّرو النيوليبرالية على هذه الاعتراضات بالقول إنَّه من واجبنا جميعًا التكيُّف مع النموذج الذي يعدُّونه ثابتًا لا يتبدَّل. يذكر المرء، على سبيل المثال، تصوير بيل كلينتون للعولمة النيوليبرالية على أنَّها «قوة من قوى الطبيعة». ومع ذلك، في أعقاب الأزمة المالية عام 2008 وما ترتَّب عليها من ركود، كان هناك تحوُّل ضد العولمة في معظم أنحاء الغرب. وعلى نطاق أوسع، كان هناك تنكُّر واسع «للخبراء»، وعلى الأخص في انتخابات رئاسة الولايات المتحدة 2016 والاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

سيكون أمرًا مُغريًا لأي شخص ينتمي إلى طبقة «الخبراء»، وإلى كهنوت الاقتصاد، نبذ هذا السلوك بوصفه صراعًا بين الإيمان والحقائق، صراعٌ لا بد للحقائق فيه أن تفوز في النهاية. لكن الصراع، في حقيقته، هو بين عقيدتين متخاصمتين، أو بالأحرى بين حكايتين أخلاقيتين مختلفتين. وكان من مبلغ شغف المدعوين خبراءً بسُلطتهم العلمية أنَّهم أعموا أنفسهم عن حقيقة أنَّ سرديتهم للتقدم العلمي كانت مغروسةً في حكاية أخلاقية. هذه السردية لا تنتهي نهايةٌ سعيدةً، إلَّا لأولئك الذين يروونها؛ لأنَّها تُكرِّس قصة وضعهم المريح نسبيًا بوصفه مكافأةً لهم من الحياة في مجتمعٍ قائمٍ على الجدارة، يُنعِم على الناس بقدر مهاراتهم ومرونتهم. هذه السردية ليس فيها مكانٌ للخاسرين في هذا النظام، الذين تُقابل مظالمهم بالتهكُّم، كونها انعكاسًا لطباعهم البغيضة الرجعية، وهو ما يُعَد خطيئتهم الجوهرية. أفضل ما قد تمنحه هذه الحكاية الأخلاقية للجميع سوى «الخبراء» كان التكيُّف التدريجي مع نظامٍ صار تقسيم طبقاته مُتكلسًا. وبالنسبة لجمهورٍ يتوق إلى نهايةٍ سعيدةٍ، كان مُقدَّرًا أن تكون هذه الرواية بمثابة حكاية الويل.

غير أنَّ فشل هذه السردية الكبرى ليس سببًا يدعو طلاب الاقتصاد إلى الاستغناء عن السرديات تمامًا. ستظل السرديات جزءًا ضروريًا من العلوم الإنسانية، لسببٍ بسيطٍ، هو أنَّها ضروريةٌ للبشر. ومن المضحك أنَّ عددًا قليلًا جدًا من الاقتصاديين يفهمون هذا، نعي أنَّ الشركات تفهمه جيدًا. كما كتب الحائزان على جائزة نوبل، جورج أكيرلوف وروبرت شيلر، في كتابهم الأخير Phishing for Phools (الخداع للأغبياء)، يستخدم المُسوِّقون السرديات طوال الوقت، ناسجين قصصًا على أمل أن نجعل أنفسنا جزءًا منها ونقتنع بشراء ما يبيعون. يؤكد أكيرلوف وشيلر أنَّ الفكرة القائلة بأنَّ الأسواق الحرة تعمل بصورةٍ مثاليةٍ، وأنَّ الفكرة القائلة بأنَّ الحكومة الكبيرة هي السبب في الكثير من مشاكلنا، هي جزء من قصةٍ تُضلِّل الناس في الواقع لتعديل سلوكهم بما يتلاءم مع الحبكة. وبالتالي يعتقدان بأنَّ القصَّ هو «مُتغيرٌ جديدٌ» في الاقتصاد، لأنَّ «الأطر الذهنية التي تكمن وراء قرارات الناس» تتشكَّل من القصص التي يروونها لأنفسهم.

يُقدِّم الاقتصاديون أفضل أعمالهم حين يأخذون القصص التي نعطيها لهم، ليُقدِّموا لنا المشورة بشأن كيفية تحقيقها. هذه اللاأدرية تتطلَّب بعض التواضع، الذي كانت تفتقر إليه الأرثوذوكسية الاقتصادية في الأعوام الأخيرة. ومع ذلك، الاقتصاديون ليسوا مضطرين إلى التخلِّي عن تقاليدهم إذا كانوا بصدد التغلُّب على عيوب السردية التي رُفِضت. بدلًا من ذلك، يُمكنهم أن ينظروا داخل تاريخهم ليجدوا طريقةٍ تتجنَّب ذاك اليقين الأرثوذكسي.

في خطابه الرئاسي لعام 1971 أمام الجمعية الاقتصادية الأمريكية، حذَّر واسيلي ليونتيف من مخاطر الرضا الذاتي. وأشار إلى أنَّ الاقتصاد، مع أنَّه بدأ يركب «قمة الاحترام الفكري … إلَّا أنَّ شعورًا بعدم الارتياح إزاء حالة تخصُّصنا الراهنة آخذٌ في النمو لدى بعضنا، ممَّن شهدوا تطوُّره غير المسبوق على مدى العقود الثلاثة الماضية».

ومشيرًا إلى أنَّ التنظير المُجرَّد كان يجعل الاقتصاد أبعد عن الواقع يومًا بعد يوم، قال ليونتيف: إنَّ المشكلة تكمن فى «العجز الملموس في الوسائل العلمية» التي تقوم على استخدام المناهج الرياضية لمعالجة القضايا الدنيوية البسيطة. لقد أُنفِق الكثير من الوقت في النمذجة إلى الحد الذي جعل الافتراضات التي استندت إليها النماذج تبدو وكأنَّها تفسيرات متأخرةٌ لا افتراضات مُسبقة، لكنَّه حذَّر من أنَّ «صلاحية هذه الافتراضات من الزاوية التجريبية هي ما تعتمد عليه فائدة التخصُّص برمَّته». هذا التحذير يبدو الآن وكأنَّه نبوءةٌ إن نظرنا إليه في ضوء ما شهدناه من وَلَع الاقتصاديين بالنماذج الرياضية في وقت الازدهار العقاري بين عامي 2007 و2010، والعيوب التي عرفناها لاحقًا في تلك النماذج.

اعتقد ليونتيف بأنَّ أقسام الاقتصاد في الجامعات كانت تُوظِّف الاقتصاديين الشباب وتُصعِّدهم، وهم اقتصاديون أرادوا بناء نماذج مُجرَّدة ذات أهمية تجريبية قليلة. وحتى عندما أجروا تحليلًا تجريبيًا، قال ليونتيف: إنَّ الاقتصاديين نادرًا ما يهتمون بمعنى بياناتهم أو قيمتها. ثم دعا ليونتيف الاقتصاديين إلى استكشاف افتراضاتهم وبياناتهم بالقيام بأعمال اجتماعية، وديموغرافية، وأنثروبولوجية، وقال: إنَّ الاقتصاد يحتاج إلى العمل بشكل أوثق مع التخصصات الأخرى.

إنَّ دعوة ليونتيف إلى التواضع منذ 40 عامًا تبقى تذكيرًا بأنَّ الديانات نفسها التي يُمكن أن تدافع عن حرية الإنسان وكرامته عندما تكون في المعارضة، يُمكن أن تصبح مهووسةً بصوابها وبضرورة تطهير الآخرين من شرِّهم بمجرَّد حصولها على السلطة. عندما تحتفظ الكنيسة بالمسافة التي تفصلها عن السلطة، وبتوقعات متواضعة لما يمكنها تحقيقه، يمكنها إثارة عقولنا لنتصوَّر إمكانيات جديدة وعوالم جديدة. وبمجرَّد أن يُطبِّق الاقتصاديون هذا النوع من المنهج العلمي المُتشكِّك على عالمٍ إنسانيٍ قد لا يكون فيه الواقع النهائي قابلًا للإدراك بصورةٍ تامَّة، فربما يجدون أنفسهم يتخلُّون عن الدوجماتية في دعاويهم.

ومن المفارقة أنَّ الاقتصاد، مع تحوُّله إلى صيغةٍ أكثر علميةٍ بحقٍ، سيصبح عِلمًا بدرجةٍ أقل. إنَّ الاعتراف بهذه القيود سيحرِّر الاقتصاد ليتمكَّن من خدمتنا مرةً أخرى.

*حقوق النشر محفوظة للكاتب

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد