الهجوم الذي وقع صباح الأربعاء الماضي، والذي استهدف ما لا يقل عن عشرة أهداف عسكرية مصرية في شمال سيناء، بما في ذلك استخدام السيارات المفخخة على نطاق واسع، اتبع نمط العمليات المماثلة التي يقوم بها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا والعراق، والتي سمحت لهم بالسيطرة على مناطق وبلدات واسعة من قبضة الجيشين السوري والعراقي اللذين يعانيان من حالة من التفكك وانهيار للروح المعنوية.

عملية الزرع الناجحة لهذه التكتيكات في سيناء، التي أنزلت ضربة مدمرة ضد الجيش المصري، والذي من الناحية النظرية هو أفضل بكثير على صعيد التنظيم والتجهيز، لا ينبغي أن ينظر إليها باعتبارها عملية مفاجأة، خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الهجوم وقع في منطقة لم تعد القاهرة تتحكم فيها بالمعنى الحقيقي منذ فترة طويلة.

لعدة أشهر، جرى منع الصحفيين من الوصول إلى شبه الجزيرة الصحراوية، وخاصة الصحفيين الأجانب. يتم إيقافهم عند نقاط التفتيش بالقرب من قناة السويس وإرسالهم مرة أخرى إلى القاهرة. ولكن الزيارات السابقة لسيناء، التي أجريت بين ثورة 2011 وحتى يومنا هذا، أظهرت بوضوح أن تعزيزات الجيش المصري (التي تمت بموافقة هادئة من إسرائيل، حيث إن هذه التعزيزات تجاوزت مستوى القوات العسكرية المسموح بها في سيناء بموجب معاهدة السلام بين البلدين) كانت غير فعالة.

الحل العسكري الذي تبنته مصر في مقابل تصاعد حدة النشاط الجهادي في سيناء كان محدودًا إلى حد كبير، ولم يتخط حاجز وضع نقاط تفتيش كبيرة وأكثر عددًا على طول الطريق السريع الساحلي الشمالي الضيق. وفي الوقت الذي لم يتم فيه إرسال وحدات النخبة المصرية المدعمة بالأسلحة الأمريكية المتقدمة نسبيًّا بعيدًا عن مواقعها حول القاهرة إلا في حالات نادرة، فإنه، وبدلًا من ذلك، تم نشر كتائب من المجندين الأميين مع دبابات تعود إلى الحقبة السوفيتية التي عفا عليها الزمن في سيناء.

ميزة الصحراء

لم يكن تركيز مصر لمعظم نشاطها العسكري على الطريق السريع الذي ينتهي عند معبر رفح إلى قطاع غزة سوى نتيجة لقيود الجيش، وأيضًا لعدم وجود أهداف واضحة للجهاديين. ولأن العديد من جهاديي سيناء هم من قبائل البدو المحلية (المدعومين من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين فروا من المدن)، فهم يعرفون التضاريس الصحراوية أفضل بكثير من الجيش ويستخدمونها لمصلحتهم. بعد شن الهجمات، يتراجع الجهاديون بسرعة ويلتجأون لملجأ في الجبال أو المخيمات البدوية. ليس هناك من قاعدة تنطلق منها هجمات المروحيات العسكرية والقاذفات المقاتلة للقوات الجوية المصرية.

سواءً كانت تقارير وسائل الإعلام الأجنبية، التي تحدثت عن أن الطائرات الإسرائيلية بدون طيار سُمح لها (أو طلب منها) مهاجمة أهداف على الأراضي المصرية، دقيقة أم لا، فإنها تؤكد على حقيقة أن الجيش المصري يشعر بالقلق من أن تحليق طائراته على علو منخفض فوق سيناء، من شأنه أن يجعلها عرضة لخطر الإسقاط من قبل الجهاديين باستخدام صواريخ تطلق من على الكتف.

يعود فشل الجيش المصري لفرض سيطرته على سيناء مرة أخرى إلى فبراير 2011، حينما، ومباشرة بعد الإطاحة بمبارك، نجح الجهاديون في تخريب خطوط أنابيب توريد الغاز المصري إلى محطات توليد الكهرباء الإسرائيلية والأردنية. وكان تعزيز الجيش الأول في شبه الجزيرة يهدف إلى ضمان شحنات الغاز، ولكن في كل مرة، يفجر المجاهدون نقطة أخرى على خط الأنابيب.

دماء الجنود في مقابل الإهمال

كما كان، لم ير السكان المحليون في سيناء حتى جزءًا صغيرًا من أرباح الغاز.

جرى تدمير ساحل البحر الأبيض المتوسط في ​​شبه الجزيرة. المباني في المدينة الرئيسية، العريش، تتداعى، وباتت فنادقها القليلة تعاني من أوضاع مزرية. قد يجد البعض هذا مفاجئًا، خصوصًا الإسرائيليين الذين يتذكرون الشواطئ الذهبية لمستوطنة ياميت السابقة في فترة ما بعد 1967. في الواقع، يجري الآن دفع تكلفة الفشل المتتالي للحكومة المصرية لتطوير المنطقة منذ انسحاب إسرائيل في ثمانينات القرن الماضي من دماء الجنود المصريين.

وما يفاقم هذا الإهمال هو عدم وجود التجانس والوحدة بين سكان شمال سيناء. ينقسم سكان المنطقة بين البدو الذين انتقلوا إلى المدن الصغيرة على طول الساحل، والفلسطينيين الذين يعيشون بشكل رئيسي على مقربة من الحدود مع قطاع غزة، والمصريين الذين وصلوا من أجزاء أخرى من البلاد، معتقدين بصدق وعود الحكومة التي لم تتحقق من المشروعات الجديدة. في كثير من الأحيان، يذهب عدد قليل من الوظائف المتاحة إلى الوافدين الجدد، ويتم منحها من قبل حكام تعينهم القاهرة. مما لا يثير الدهشة، يشعر عدد قليل من السكان بالولاء للحكومة المركزية.

يكفي أن تنظر من أحد أبراج الحراسة على طول الحدود بين مصر وإسرائيل لتجد بأن المباني على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، على الرغم من الوضع الاقتصادي السيئ في قطاع غزة، هي أكبر وأفضل بكثير من معظم المباني في رفح المصرية.

انهيار اقتصاد الأنفاق

الاستثناء الوحيد لهذا كان ظهور العشرات من الفيلات الصغيرة المرتبة التي انتشرت في أحياء رفح المصرية في السنوات الأخيرة – علامة واضحة على أنها تغطي مداخل الأنفاق المتجهة إلى غزة. ومع ذلك، شنت مصر وإسرائيل حملة على اقتصاد التهريب – المصدر الرئيسي لدخل الآلاف من الأسر في رفح وما بعدها– وهو ما حطم الاستثناء الوحيد للقاعدة.

لسنوات، طالبت إسرائيل والولايات المتحدة، التي وفرت أيضًا المعدات الهندسية والمستشارين، المصريين بالعمل ضد الأنفاق. لم يبدِ نظام مبارك شغفًا خاصًا في القيام بذلك، ولم تكن حكومة مرسي تريد أن تؤذي حركة المقاومة الإسلامية (حماس). لم يكن هناك أحد يفكر بطبيعة الحال في بديل اقتصادي للسكان المحليين.

في المقابل، أرادت حكومة السيسي ممارسة الضغط على حماس، وكانت القيادة المصرية الأولى التي تتصرف بشكل حاسم ضد الأنفاق، وتدمر نحو ألفي منزل بالقرب من الحدود، وتفجر مداخل وحفر الخنادق العميقة. بات الآلاف الآن بلا مأوى وبلا دخل كان يأتي يومًا من التهريب أو “استضافة” نفق في الطابق السفلي.

العدد القليل من الأنفاق العميقة المتبقية هي الآن تحت السيطرة الحصرية لحماس ويجري استخدامها للسلاح والمسلحين. ولت الأيام التي شهدت انتشار الاقتصاد بأكمله في كل أنحاء الأنفاق.

لم يكن التباطؤ في عمليات التهريب فقط نتيجة للعمليات العسكرية المصرية. فالانتهاء من السياج الحدودي الصلب الضخم على حدود إسرائيل مع مصر قلص الطرق المتاحة للبدو الذين يعتمدون عليها لنقل البضائع التي تشمل السجائر والمخدرات، وكذلك لتسهيل مرور اللاجئين الفارين من الدكتاتورية العسكرية في إريتريا، وكذا فتيات أوروبا الشرقية اللاتي يشكلن عنصرًا هامًا في صناعة الجنس في إسرائيل.

في الواقع، يعاني الاقتصاد في سيناء من أزمة عميقة. البدو الذين كانوا يتنقلون بحرية بين البلدين، والذين يتحدث كثير منهم العبرية بطلاقة، هم الآن عاطلون عن العمل.

في الطرف الآخر من شبه الجزيرة، على ساحل البحر الأحمر، لا يزال الوضع هادئًا. هذه المنطقة، على النقيض من شمال سيناء، حظيت بالاستثمارات الحكومية. لدى البدو الذين يعملون في الفنادق ويديرون القرى السياحية والجولات الجبلية مصلحة في الحفاظ على الجهاديين بعيدًا عن جنوب سيناء.

ومع ذلك، وبينما تتصاعد وتيرة الفوضى في أجزاء أخرى من مصر، وحتى مع جرأة السائحين – بما في ذلك الإسرائيليين الذين يواصلون تجاهل تحذيرات الحكومة من السفر الى سيناء، فربما تتبدد أيضًا مصلحة البدو بجنوب سيناء في الحفاظ على السلام.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد