بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو (تموز) 2016، أصبح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان النبي المخلص، والزعيم الأوحد، وحامل هم الأمة الإسلامية في أعين مؤيديه. كل من يعارضه فاسق، وكل من يرفض مبايعته عدو للأتراك والمسلمين والدولة.

ولأن الديمقراطية تتطلب معارضةً سليمةً من أجل أن تستمر وتزدهر، فإن الأيديولوجية الأردوغانية تهدد الديمقراطية التركية بالانهيار، وفقًا لهذا التقرير بمجلة «فورين أفيرز».

اقرأ أيضًا: كيف صارَ أردوغان سلطانًا لـ«الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين»

شيطنة المعارضة

في 2003، جاء القيادي اليميني رجب طيب أردوغان إلى السلطة رئيسًا للوزراء عبر حزب العدالة والتنمية، ثم رئيسًا لتركيا في 2014، ونجح في عهده في تحقيق النمو الاقتصادي ما زاد من شعبيته وقاعدته التصويتية المكونة في غالبيتها من المحافظين، وأنصار الإسلام السياسي.

لكنه في الوقت نفسه، وفقًا للتقرير، لجأ إلى شيطنة القواعد الانتخابية المُعارضة، من كل ألوان الطيف السياسي: العلمانيون والليبراليون والديمقراطيون الاشتراكيون، إضافةً إلى اليسار والأكراد. وسعى منذ وصوله إلى الرئاسة في 2014 إلى تحويل النظام السياسي التركي إلى نظام رئاسي تنفيذي يُحكم فيه قبضته على سلطات رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس الحزب الحاكم، ليتمتع بقوة سياسية شاملة لا مثيل لها.

كان هذا هدفًا قصيًا في ذلك الحين، فمثل هذا التحول السياسي الكبير يتطلب استفتاءً شعبيًّا على تعديلاتٍ دستورية تحقق مبتغى أردوغان، في حين أن حزب العدالة والتنمية لم يفُز أبدًا في أي انتخاباتٍ سابقة بأكثر من 50% من أصوات الناخبين.

خوفٌ وغضب

إلا أنَّ الكفة رجحت لصالح أردوغان، بفعل أزمة هددت بتدميره تمامًا: محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) من العام 2016. قبل محاولة الانقلاب، كان أردوغان واحدًا من أقوى الزعماء الأتراك في التاريخ بالفعل. لكن نجاته بحياته وهزيمته اللاحقة لأعدائه – وفي القلب منهم حركة فتح الله كولن، حليفه السابق– أضافت نقاطًا كثيرة إلى رصيده السياسي، وزادت من شعبيته زيادة كبيرة استغلها أردوغان في استفتائه الدستوري الموعود.

أثار الهجوم السافر على الدولة التركية مخاوف وجودية وغضبًا عارمًا في أوساط الحكومة ومؤيديها. من وجهة نظر مؤيدي أردوغان من الإسلاميين واليمينيين، فإن محاولة الانقلاب ليست مجرد هجومٍ داخلي على الحكومة، بل مؤامرة من «الحلفاء الأجانب» لإسقاط أردوغان، وحلقة جديدة من مسلسل الهجمات الغربية التاريخية على الوطن والأمة الإسلامية منذ أيام الحملات الصليبية.

ولأن تركيا، كما يرى المؤيدون، لن تقوم لها قائمة دون أردوغان، ولن تضطلع بمهمتها التاريخية في استعادة كرامة الأمة إلا تحت لوائه، فإن معارضي أردوغان وكل من يمتنع عن تأييده لا يُمكن أن يكونوا مُسلمين صالحين، أو أتراكًا وطنيين. ومن ثمَّ يملك أردوغان كافة المبررات لقمعهم وسجنهم.

وهو ما فعله أردوغان. رغم أن محاولة الانقلاب انهزمت خلال ساعات، تحوَّل التطهير اللاحق للمتآمرين المزعومين من أنصار كولن إلى حملة مستعرة إلى يومنا هذا على كل خصوم أردوغان من كل ألوان الطيف السياسي. اعتقلت الحكومة الصحافيين الليبراليين، ومن ضمنهم الكاتب غورسيل، بحجة الاشتباه في صلته بحركة كولن المحافظة. وهدد أردوغان باعتقال كمال قليتش دار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري الذي نظَّم مسيرة من أنقرة إلى إسطنبول تنديدًا بقمع وسائل الإعلام. بل إن نظامه قد اعتقل بالفعل صلاح الدين دميرطاش رئيس حزب الشعوب الديمقراطي القومي الكردي، ثالث أكبر كتلة برلمانية بعد حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري.

اقرأ أيضًا: «ذا ناشيونال إنترست»: من الرقة إلى حلب.. هل تتحقق طموحات أردوغان في سوريا؟

الإسلام السياسي.. منقذ أردوغان

إلى جانب السلطوية والقومية التركية، صار الإسلام السياسي مكونًا رئيسًا من مكونات الأردوغانية بعد الانقلاب. صحيحٌ أن حزب العدالة والتنمية لطالما اجتذب إلى صفوف أنصار الإسلام السياسي، فإن الانقلاب دفع بالإسلاميين إلى مركز الحلف الأردوغاني في تركيا.

ذلك لأن أردوغان يعي جيدًا الدور الذي لعبه الإسلاميون في الدفاع عن سلطته بل وحياته. حين تواردت الأخبار عن محاولة الانقلاب، لجأ أردوغان إلى إلهاب الحمية الدينية عند الأتراك ليحشد أنصاره في مواجهة الانقلاب، ورفع الأذان بأوامر من أردوغان 80 ألف مسجدٍ في الساعة الواحدة و15 دقيقة صباحًا.

ونجحت استراتيجيته حين نزل آلاف من أنصاره إلى الشوارع في مواجهة قوات الانقلاب، ما أسفر عن مقتل 250 مدنيًّا. واستمرت التظاهرات أيامًا بعد الانقلاب بهدف ردع أي محاولةٍ تالية. لم يكُن أغلب المتظاهرين من مؤيدي حزب العدالة والتنمية المُحافظين العاديين. أكثرهم كانوا من الإسلاميين، بل إن بعضهم من الجهاديين.

لم ينس أردوغان هذا، وسعى إلى رفع مكانة الإسلام السياسي في البلاد والحكومة. بعد الانقلاب عيَّن أردوغان الجنرال السابق عدنان ﺗﺎﻧﺮﻳﻔﺮﺩﻱ مستشارًا رفيع المستوى لديه، بعد إجباره على التقاعد من الجيش التركي في تسعينات القرن الماضي على خلفية من رؤاه الإسلامية السياسية. وكلفه على ما يبدو بمهمة إعادة هيكلة الجيش التركي العلماني.

إرادة الشعب

يرى الأردوغانيون إن مؤسسي الجمهورية التركية العلمانيين وعلى رأسهم أتاتورك عقدوا صفقة مع الحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى، تضمن انبطاح تركيا أمام الغرب ومصالحه. واستمر هذا لقرابة قرنٍ كامل حتى صعود حزب العدالة والتنمية وسيطرته على مقاليد الحكم.

ومن ثمَّ كان انقلاب 15 يوليو (تموز) تعديًا جديدًا على إرادة الشعب، لكن الفارق هنا هو أن الشعب تدخل للدفاع عن إرادته. وهو ما استدعى إلى الساحة لغة ثورية جديدة عن «قِيامة» منتظرة للشعب التركي وإرادته.

هذه «القيامة» منحت أردوغان فرصة جديدة للقتال من أجل التحول إلى نظام رئاسي. عقدت منظمات المجتمع المدني المؤيدة لأردوغان في الأشهر التالية للانقلاب ندوات ومؤتمرات حملت عناوين مثل «15 يوليو: من المقاومة إلى القيامة». وكان شعار الحملة الدعائية لحزب العدالة والتنمية في استفتاء السادس عشر من أبريل (نيسان) «قيامة 15 يوليو، نهضة 16 أبريل».

ونجحت استراتيجيته حين نزل آلاف من أنصاره إلى الشوارع في مواجهة قوات
الانقلاب، ما أسفر عن مقتل 250 مدنيًّا. واستمرت التظاهرات أيامًا بعد
الانقلاب بهدف ردع لأي محاولةٍ تالية. لم يكُن أغلب المتظاهرين من مؤيدي
حزب العدالة والتنمية المُحافظين العاديين.

استعدادًا للاستفتاء، استدعى أنصار أردوغان شعارات صراع الحضارات بين الشرق والغرب، متهمين المعارضة كلها بدعم المصالح الغربية أو التحالف مع الإرهابيين. وجاء قرار ألمانيا ودولٍ أخرى بمنع مسيرات مؤيدة لأردوغان بتنظيم من الجاليات التركية في أوروبا دليلًا إضافيًّا على صراع الحضارات الذي تحدث عنه العالم السياسي صامويل هانتنغتون، على حد زعمهم.

ولأن العالم الإسلامي في معركة مع الغرب، فإنه في حاجة إلى زعيمٍ مثل أردوغان يقوده إلى النصر. وكان انتصار الزعيم أردوغان في استفتاء أبريل لحظة فارقة في التاريخ التركي، هيمنت فيها أيديولوجية أردوغانية على المشهد السياسي، تنزع الشرعية عن كل صور المعارضة.

ينتهي التقرير إلى أن تركيا، البالغ عدد سكانها 80 مليونًا، منقسمة الآن إلى نصفين. نصفٌ يحب أردوغان حبًّا جمًّا، والآخر يبغضه ويبغض سياساته. وفي ظل تضييق مساحات المعارضة يومًا بعد يوم، تضع الأردوغانية الديمقراطية التركية على طريق التدمير الذاتي، مهددة بمشهدٍ مشابه لما جرى في أواخر سبعينات القرن الماضي، حين اقتتلت الجماعات اليمينية واليسارية المتطرفة في الشوارع. ولا يبدو أن هناك مخرجًا آمنًا من هذه الأزمة.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد