بحسب تقريرٍ نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، كشفت دراسةٌ واعدة جديدة تربط بين التمارين والذاكرة والتقدم في العمر أنَّه من شأن ممارسة تمرينٍ بسيط أن يغير فورًا كيفية عمل أدمغتنا، وقدرتنا على معرفة أسماء الأشياء والمعلومات الأخرى المشابهة.

وتشير الصحيفة إلى أنَّ هذه الدراسة تضيف إلى الأدلة المتزايدة حول تراكم هذه التأثيرات، الذي يؤدي على المدى الطويل إلى تحسين كيفية عمل الدماغ وكيفية تذكرنا للأشياء.

فحتى وقتٍ قريب، كان العلماء يعتقدون أنَّه بحلول سن الرشد، تصبح أدمغة البشر ثابتةً من حيث التركيب والوظائف، خاصةً عند مقارنتها بالأنسجة المرنة مثل العضلات التي تنمو باستمرار، وتتأثر استجابةً للطريقة التي نعيش بها حياتنا، إلا أنَّ عديدًا من التجارب الحديثة أثبتت أنَّ أدمغة البالغين في الحقيقة قابلة للتغيير، وهي تغير شكلها بعديدٍ من الطرق اعتمادًا على أسلوب حياتنا.

ومن المعروف أنَّ ممارسة التمارين على سبيل المثال تؤثر في أدمغتنا. إذ أظهرت التجارب المجراة على الحيوانات أنَّ التمارين تزيد من إنتاج المواد الكيميائية العصبية وعدد الخلايا العصبية حديثة التكوين في الأدمغة الناضجة، وكذلك تحسن من قدرات الحيوان على التفكير. بالمثل، أظهرت الدراسات على البشر أنَّ التمارين المنتظمة تزيد مع الوقت من حجم قرن آمون، وهو جزء أساسي من شبكات الذاكرة في الدماغ. بالإضافة إلى أنَّها تحسن جوانب عديدة من التفكير لدى البشر.

لكن، توضح الصحيفة أنَّه ما زالت هناك أسئلة جوهرية حول ممارسة التمارين وتأثيرها على الدماغ، بما في ذلك الإطار الزمني للتغييرات التي تطرأ، وما إذا كانت قصيرة المدى، أو تستمر باستمرار التمرين، أو تصبح دائمة.

وتشير إلى أنَّ هذا الموضوع بالتحديد استثار فضول العلماء في جامعة ماريلاند. وقد نشروا بالفعل دراسةً في عام 2013 على بالغين أكبر سنًّا، للبحث في التأثيرات طويلة المدى لممارسة التمارين على أجزاء من الدماغ مسؤولة عن معالجة الذاكرة الدلالية.

بحسب التقرير، هذه الذاكرة الدلالية بشكلٍ أساسي هي معرفتنا للعالم والثقافة التي نُعدُّ جزءًا منها. وهي تمثل سياق حياتنا، بمثابة مجموع من مسميات الأشياء والمفاهيم، مثل ماهية اللون الأزرق. ومن الممكن أيضًا أن تكون سريعة الزوال، فمع تقدم الأشخاص في العمر، غالبًا ما تكون الذاكرة الدلالية واحدةً من أولى أشكال الذاكرة التي تتلاشى.

لكنَّ علماء جامعة ماريلاند وجدوا في دراستهم السابقة أنَّ اتباع برنامج على المشَّاية الرياضية لمدة 12 أسبوعًا غيَّر حجم أجزاءٍ من الدماغ متعلقة بالذاكرة الدلالية. فبعد أربعة أشهر من التمرين، أصبحت هذه الأجزاء أقل نشاطًا في أثناء إجراء اختبارات الذاكرة الدلالية، وهي نتيجة مرغوب فيها. فالنشاط الأقل يشير إلى أنَّ المخ قد أصبح أكثر كفاءة في معالجة الذاكرة الدلالية نتيجةً لممارسة التمارين، مما يتطلب اللجوء إلى مصادر أقل للوصول إلى الذكريات.

أمَّا في ما يتعلق بالدراسة الجديدة التي نشرت في أبريل (نيسان) في دورية الجمعية الدولية لعلم فسيولوجيا الأعصاب، فقد قرر العلماء الرجوع إلى أصل المسألة، وتحليل الخطوات المتعلقة بالوصول إلى تلك الحالة. وأرادوا بالتحديد دراسة الكيفية التي قد يغير بها تمرين واحد الطريقة التي يعالج بها العقل الذكريات الدلالية.

لهذا الغرض، وظفوا 26 رجلًا وامرأة أصحاء تتراوح أعمارهم بين 55 و85 سنة، ولا يعانون من مشكلاتٍ كبيرة تتعلق بالذاكرة، وطلبوا منهم زيارة معمل التمارين مرتين. وهناك، كانوا إما يستريحون في هدوء، أو يركبون دراجة تمرين لمدة 30 دقيقة، وهو تمرين أمل العلماء في أنَّه سيحفزهم دون أن ينهكهم.

وبعد ذلك، يخضع المتطوعون لمسحٍ للدماغ بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي، ويشاهدون أسماءً تظهر وتختفي في شاشة حاسوب فوق رؤوسهم. بعض الأسماء كانت مشهورة، في حين أنَّ الأسماء الأخرى كانت مأخوذة من دليل تليفونات محلي.

الأسماء المشهورة هي جزء أساسي من الذاكرة الدلالية، وقد طُلب من المتطوعين الضغط على زر واحد على الشاشة عند رؤيتهم لاسم شخص مشهور، وعلى زر آخر إن كان الاسم لشخص غير مألوف. في الوقت نفسه، لاحظ الباحثون نشاط الدماغ والأجزاء المسؤولة عن معالجة الذاكرة الدلالية.

Embed from Getty Images

وقد توقع العلماء أنَّ الأجزاء المتعلقة بالذاكرة الدلالية ستعمل بشكلٍ أكثر هدوءًا بعد التمرين، تمامًا مثل حالتها بعد أسابيع من التمارين، حسب قول كارسون سميث، الأستاذ المساعد المتخصص في علم الحركة ومدير «معمل التمرين من أجل صحة الدماغ» في كلية الصحة العامة بجامعة ماريلاند، وهو الأستاذ المشرف على الدراسة.

لكنَّ هذا لم يكن ما حدث حسبما كشفت الصحيفة. فبدلًا من ذلك، كانت أجزاء الدماغ المتعلقة بالذاكرة الدلالية تشهد نشاطًا أكبر بكثير لدى الأشخاص الذين تمرنوا مقارنةً بالذين كانوا جالسين في راحة.

ويقول سميث إنَّه في البداية، كان العلماء متفاجئين ومتحيرين من النتائج. لكنَّهم بعد ذلك بدأوا يخلصون إلى إنَّهم كانوا يشاهدون بداية الاستجابة للتمرينات. ويضيف سميث: «هناك تشابه مع ما يحدث مع العضلات».

فعندما يشرع الناس في التمارين، تُجهَد عضلاتهم وتسخن بفعل الطاقة. لكن، عندما يصبحون أكثر لياقة، فإنَّ العضلات نفسها تستجيب بطريقة أكثر كفاءة، مستهلكةً قدرًا أقل من الطاقة للقيام بالعمل نفسه.

هذا، ويشك العلماء أنَّ الدماغ يعمل بالطريقة نفسها، وأنَّ زيادة النشاط في الدماغ بعد أول مرة من ممارسة التمرين هي بداية لإعادة تشكيل الأنسجة نفسها، وهو ما سيحسن من وظيفتها مع استمرار التمرين. بعبارةٍ أخرى، تصبح مراكز الذاكرة في عقولنا أكثر لياقة.

لكن بحسب التقرير، فإنَّ تلك الدراسة قصيرة الأجل، ولا تُظهر الخطوات المتداخلة المرتبطة بتغير الدماغ مع استمرار ممارسة التمرين بانتظام. ولا تشرح كيف يغير النشاط الدماغ، ذلك مع أنَّ سميث يعتقد أنَّ زيادة عدد الناقلات العصبية وبعض المواد الكيميائية الحيوية الأخرى بعد التمارين تؤدي دورًا بالتأكيد.

يأمل سميث وزملاؤه أن يفحصوا تلك الأنسجة في دراساتٍ مستقبلية، وأن يعرفوا أفضل أنواع التمارين وكمياتها المطلوبة، التي من شأنها أن تساعدنا في الحفاظ على ذكرياتنا المهمة.

هذه الخدعة البسيطة تساعدك على أداء التمارين الرياضية بسهولة

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s