تناول تقرير صحيفة «فورين بوليسي» الأمريكية التغيرات الأخيرة في المجتمع الفرنسي، وخاصة التغير الكبير في الصورة المعهودة للعلمانية الفرنسية القائمة على الحريات وعدم التمييز على أي أساس، وكيف سيسهم ذلك التغير في تعزيز التطرف في المجتمع، خاصةً بعدما تبنى هذا الفكر أغلبية اللاعبين على الساحة السياسية من أقصى اليسار لأقصى اليمين، كما تناول أمثلة لتصريحات هؤلاء التي تدل بالتأكيد على مرحلة جديدة من التاريخ الفرنسي، ستكون مخالفة تمامًا للصورة المعروفة سابقًا.

يبدأ التقرير متحدثًا عن أحد مقالات صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة الأسبوع الماضي، حمل العنوان سؤالا يقول «كيف وصلنا إلى هنا؟». بالتأكيد، فالطبيعي أن يكون المقصود بـ«هنا» هو الحديث عن العنف والدماء والهجمات الإرهابية الأخيرة في بروكسل، إلا أن المقال انتهى بالسخرية من ارتداء النساء للحجاب في الإسلام، ومن أداء المسلمين لخمس صلوات في اليوم، فكلمة «هنا» بالنسبة للصحيفة كانت زيادة الصور الإسلامية في فرنسا، والإشارة إلى أن فكرة العلمانية التي تقوم عليها الدولة قد اضطرت إلى التراجع بحسب التقرير.

بالنسبة لشارلي إيبدو، والتي تمت مهاجمتها في  العام الماضي من قبل متطرفين إسلاميين، كان هناك إجابة مختلفة على السؤال حول أسباب ما حصل مؤخرًا في بروكسل. بالنسبة للصحيفة، فلم تكن الأسباب تتعلق بضعف الأسباب الشرطية أو ضعف تبادل المعلومات الحيوية بين دول الاتحاد الأوروبي، ولا حتى حالة اليأس التي تنتشر في أحياء مثل مولنبيك، والذي كان مأوى لأعداد كبيرة من الشباب العاطل عن العمل وأغلبهم من القادمين من شمال أفريقيا. كانت للصحيفة أسباب مختلفة تمامًا.

Global Reaction To The Terrorist Attack On French Newspaper Charlie Hebdo

ويرى تقرير فورين بوليسي أنه بدلًا من كل تلك الأسباب، تناولت الصحيفة الفرنسية أمورًا أخرى تتعلق بالدور الذي لعبته المجتمعات الليبرالية في هذا الأمر، حيث طرحت الكثير من الأسئلة التي تتعلق بالدور السلبي لفرنسا في مواجهة تلك الهجمات التي استهدفت الثقافة الفرنسية، وعلمانية المجتمع تحديدًا، وفي كون تلك السلبية قد لعبت دورًا في تمهيد الطريق للمتطرفين، وترى في السماح لبائع مسلم على سبيل المثال بعدم بيع لحم الخنزير هو صورة من صور التواطؤ مع التطرف ورفض المجتمع. تختتم الصحيفة مقالها محذرةً من أن الطريقة الوحيدة من إنقاذ فرنسا من تغير هويتها إلى هوية إسلامية هو تطبيق نمط جديد أكثر تشددًا من العلمانية، وأن هذا النمط لا يجب أن يفرق بين بائع الشطائر الذي يرفض بيع لحم الخنزير وبين متطرف يصنع القنابل.

يرى تقرير فورين بوليسي أن الأمر مختلف تمامًا، فإذا كانت فرنسا تخوض حربًا ضد الإرهاب، فالحرب الأكبر التي تخوضها هي حول تعريفها للعلمانية، حيث يصطدم هذان الضدان بأمر ثالث تمامًا، وهو تغير الهوية الوطنية لفرنسا، في الوقت الذي أصبح فيه التعريف الفرنسي للعلمانية غامضًا بشكل كبير بالنظر لتاريخها الطويل.

صراع طويل من أجل الحريات.. فهل انتهى زمنها؟

يرصد تقرير فورين بوليسي نبذة حول تاريخ العلمانية الفرنسية، بداية من عام 1905، عندما قررت الجمهورية الثالثة الفرنسية انفصال الدولة عن الكنيسة، حيث كان تعريف العلمانية الفرنسية في ذلك الوقت بسيطًا للغاية، والذي كان يتمحور حول حرية العقيدة لجميع المواطنين بالأساس وفق القوانين الجديدة، وهو ما كان تمهيدًا للجمهورية الخامسة –الحالية- والتي تقوم على ضمان المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون دون تمييز على أساس أصلهم أو عرقهم أو دينهم، وتقوم على احترام جميع المعتقدات الدينية، فيما يشبه إلى حد كبير الأساس الذي قام عليه المجتمع الأمريكي وقوانينه الأولى، حيث عملت كلتا الدولتين بالأساس على ضمان التعددية الدينية في القطاعين العام والخاص على حد سواء.

يرى الكاتب أنه على مدار قرن كامل، عملت العلمانية الفرنسية بشكل جيد، وضمنت وجود مساحة على السطح للمتدينين من المسيحيين بل واليهود أيضًا، وغيرهم من يتبعون فكرًا مختلفًا، ولكن مع وفود موجات كبرى من المهاجرين في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، والذين كان أغلبهم من المسلمين القادمين من شمال إفريقيا، بدأ نوع جديد من الصراع بين الدولة الفرنسية وبين الدين في الظهور والتشكل، وربما كانت ملابس النساء بداية رمزية لهذا الصراع. ففي عام 1989، تم فصل مجموعة من الفتيات المسلمات من مدرسة عندما رفضن خلع حجابهن، والذي اعتُبِر في ذلك الوقت بمثابة إهانة للنظام العلماني الذي تتبعه مدارس الدولة، قبل أن تحكم المحكمة الإدارية الفرنسية بعودتهن لمدرستهن بعد فصلهن بفترة وجيزة، إلا أن الأمور تغيرت تمامًا بعد عامين فقط من أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة، فمع تكرار تلك الوقائع في مدارس أخرى، لم تحكم المحكمة للفتيات بذات الحكم السابق. فعلى الرغم من أن المدارس منعت جميع صور الأزياء الدينية –بما فيها الطاقية اليهودية والعمامة السيخية- كان المفهوم تمامًا أن المستهدف بهذا القرار هو الحجاب الإسلامي.

بحسب التقرير، كانت تلك من النقاط الفاصلة في تغير شكل العلمانية الفرنسية عن صورتها الأولى التي تصورها أريستيد بريان وجول فاري، وأن التحول جاء تحت قوة العاطفة السياسية. واليوم، يبدو مستقبل العلمانية الفرنسية واضحًا من خلال الاتجاه المعادي للإسلام من قبل مفكرين كبار مثل آلان فينكلكغوت وريجيس دوبريه وإليزابيث بادينتر، فبادينتر على سبيل المثال، وهي فيلسوفة نسوية، كتبت في يناير(كانون الثاني) الماضي، أنها لا تهتم أن يراها البعض مصابة بالإسلاموفوبيا وشبهت الاتهامات التي تطالها بأنها هجوم على العلمانية، فيما رآه تقرير فورين بوليسي طرحًا شبيهًا بما تطرحه «شارلي إيبدو»، فيما ذكر التقرير أمثلة أخرى لما يناقشه هؤلاء الكتاب من أفكار تقوض الفكرة الرئيسية التي قامت من أجلها العلمانية وهي نبذ التمييز، في الوقت الذي يتحسر فيه بعضهم على ضياع أيام نقاء العرق الفرنسي والمجتمع المتجانس.

يناقش التقرير دور حزب الجبهة الوطنية اليميني في تغيير مبادئ العلمانية الفرنسية، وتحويلها إلى أيديولوجية عدائية يمكنها أن تستخدم ضد المسلمين الفرنسيين، ففي الوقت الذي أكدت فيه مارين لوبان زعيمة الحزب والتي تعتبر رمزًا جديدًا في السياسة الفرنسية على كون الجبهة الفرنسية علمانية بالأساس، عادت لتتحدث بتصريحات تناقض تلك الصورة الأولى وتتبنى تمييزًا على أساس الدين، حيث قالت «إذا أراد المسلمون في فرنسا ممارسة شعائرهم، فعليهم تقبل حقيقة كونهم يفعلون هذا الأمر على تراب مسيحي، وبناءً عليه، لا يمكنهم أن يحظوا بذات الدرجة التي تحظى بها المسيحية».

أزمة الحجاب

بعد هذا التصريح، أثارت الوزيرة الفرنسية لحقوق المرأة- لورانس روسينيول جدلًا واسعًا بعدما هاجمت دور الأزياء التي تقدم ملابس للمحجبات ومن بينها ما يعرف بـ«المايوه الإسلامي» الذي أنتجته علامة ماركس أند سبنسر العالمية، حيث اتهمت دور الأزياء تلك بكون قرارتها «غير مسئولة» وأنها أدت إلى مزيد من القمع للنساء، كما هاجمت روسينيول النساء المسلمات اللاتي يخترن ارتداء الحجاب بمحض إرادتهم، وشبهتهم بالزنوج الأمريكيين الذي اختاروا العبودية على حد وصفها. ويرى التقرير، أنه بهذه الجملة، لم تقم روسينيول فقط بافتراء عنصري، بل إن أثر ما قالته كبير للغاية نظرًا لكونها مسئولا بارزًا في الحكومة، ما يجعل من صورة العلمانية والحريات الفرنسية بشأن حق هؤلاء المسلمات في فرنسا في اختيار ملابسهن، كما أثارت الكثير من الغضب بتشبيهها لهم بـ«الزنوج» وبأنه لا مكان لهن في مجتمع علماني حقيقي.

يشير التقرير إلى آراء مجموعة من المفكرين الفرنسيين الآخرين، والذين ذكروا العالم بأن العلمانية الفرنسية ليست قاعدة فرنسية خالدة، ولكنها اختراع حديث، وهو ما يراه الكاتب ليس أمرًا غريبًا، فاستحداث العادات أمر حتمي، وليس أمرًا سيئًا على الإطلاق، وأن للمستجدات السياسية أثر كبير في تطور المجتمعات، مستشهدًا بحديث أبراهام لينكولن والذي كان بمثابة صياغة جديدة للدستور الأمريكي، كما كان بمثابة إلهام حقيقي للصورة التي يجب أن يكون عليها المجتمع الأمريكي، إلا أنه يرى أن الصورة الجديدة من العلمانية الفرنسية التي ظهرت هذه الأيام هي صورة رجعية، تعود بالمجتمع للخلف، وأن ما يطرحهم الساسة والمفكرون في الوقت الحالي، من أقصى اليسار إلى الجبهة اليمينية الأكثر تشددًا في هذا الاتجاه، يتبنون الفكر ذاته وتلك الصورة الجديدة من العلمانية، ويسعون جميعًا إلى مدارس بدون حجاب، وإلى متاجر بدون أزياء إسلامية، وإلا عدم وجود المساجد في شوارعهم، في الوقت الذي يذهب فيه البعض إلى أبعد من ذلك مطالبًا بتقديم لحم الخنزير في الوجبات المدرسية، وأن تكون العطلات الرسمية قائمة على أساس الأجازات المسيحية (ليس الإسلامية أو اليهودية)، وأن يعيش المسلمون في فرنسا ويأكلون ويشربون ويلبسون بذات الطريقة التي يعيش بها الفرنسيون رجالًا ونساء.

يختتم الكاتب التقرير برأيه الذي يقول فيه أن سواء كان ذلك ما أراده مؤسسو العلمانية الفرنسية أم لا، فليس هذا هو الأمر الأهم، وأن السؤال الأهم هنا هو كيف ستشكل تلك الصورة الجديدة من العلمانية الإقصائية مستقبل فرنسا في المستقبل القريب. قد يكون من غير المؤكد إن كانت تلك الصورة قد ساهمت في تطرف الكثير من الشباب وتحولهم لإرهابيين فيما بعد، إلا أن المؤكد أنه سيكون لها بالغ الأثر في تحديد الطريقة التي تتعامل بها الدولة مع هذا التحدي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد