كتب مؤلف القصص المصورة الأمريكي ديفيد هوبكنز مقالًا على موقع Medium، يناقش فيه المسلسل الكوميدي الأمريكي Friends، الذي استمر عرضه عشر سنوات متتالية منذ انطلاقه عام 1994، وقال هوبكنز في مقاله:

أريد مناقشة «ست كوم» تلفزيوني نفرط أنا وزوجتي في مشاهدته عبر Netflix، يحكي عن ذلك الرجل رب الأسرة، ورجل العلم الذكي الذي يقع مع المجموعة الخاطئة، وببطء قاده الغرور حتى انحدر باتجاه الجنون واليأس. وبتعدد الحوادث المزعجة التي يمر بها يتحول إلى وحش. أنا بالطبع أتحدث عن Friends، وبطله المأساوي روس جيلر.

قد ترى أن ذلك كوميدي، ولكني لا أستطيع أن أضحك معك، من وجهة نظري فإن «فريندز» يتبنى بقسوة مناهضة الفكر في أمريكا، حيث يتم اضطهاد رجل ذكي وموهوب من قبل أصدقائه البلهاء، وحتى إذا كنت ترى المسلسل من منظوري فهذا غير مهم. فالضحك الصاخب الثابت من جمهور الحاضرين في الأستوديو سيذكرنا بأن ردود أفعالنا غير ضرورية، ومبالغ فيها.

المقدمة الغنائية ذاتها مليئة بالنذير، فتخبرنا بأن الحياة خادعة في الأصل، وأن مجال عملك قد يثير الضحك، وأن الفقر قريب منك، وأيضًا أن حب حياتك لا وجود له. لكنك دائمًا ستجد الصحبة البلهاء، فهم دائمًا بجانبك.

 

أظنني يجب عليّ أن أوضح لمن لا يعرفون. فإذا كنت تتذكر التسعينات ومطلع الألفية الثانية، وكنت تعيش بالقرب من جهاز التلفزيون، فإنك ستتذكر «فريندز». الذي كان يعرض مساء يوم الخميس في فترة الذروة المسائية؛ مما أبرز طاقم العمل الجدير بالإعجاب: فجميعهم شباب، ومن الطبقة المتوسطة، ومن ذوي البشرة البيضاء، وليس لدى أحدهم ميول جنسية شاذة، وجذابون –غير مبالغ في جاذبيتهم- وجميعهم غير محترفين للسياسة، بالإضافة إلى تزويد كل منهم بصفة شخصية مميزة: جوي ساذج، تشاندلر ساخر، مونيكا التي تعاني وسواسًا قهريًّا، وفيبي بمظهرها غير التقليدي الذي تنتمي إلى «الهيبيز»، ورايتشل بالطبع تحب التسوق. وهناك أخيرًا روس المثقف الرومانسي.

في النهاية فإن جمهور فريندز -52 مليون شخص تقريبًا- يعجبهم روس. لكن شخصيات المسلسل كانوا محرضين ضده من البداية، فمثلًا الحلقة الأولى التي يقول فيها جوي عن روس: «عندما يقول هذا الشاب مرحبًا، أود قتل نفسي»، في الحقيقة عندما يقول روس أي شيء يخص اهتماماته، أو دراساته، أو أفكاره، وفي منتصف أي جملة يقولها يعترضه أحد «أصدقائه» متذمرًا، مؤكدًا كم هو ممل، وكم هو غبي أن تكون ذكيًّا، وأن لا أحد يهتم، ما يثير الضحك بين جمهور الحاضرين في الأستوديو، وهو ما يتكرر في كل حلقة خلال عشرة مواسم، هل يمكنك إذًا اللوم على روس حينما جن جنونه؟

وكأي مأساة إغريقية، فإن بطلنا كتب له قدره الذي لا يمكن تجنبه، وقرر منتجو المسلسل -كالآلهة قراراتهم غير قابلة للتغيير- معلنين أن روس يجب أن ينتهي به الحال مع رايتشل، المهووسة بالتسوق. صدقًا أظن أنه بإمكانه أن يحصل على أفضل من ذلك.

 

لماذا مثل هذا التعاطف مع روس؟

انتهى المسلسل في عام 2004، في العام نفسه الذي انطلق فيه موقع التواصل «فيسبوك»، والعام الذي انتخب فيه الرئيس جورج بوش لولايته الثانية، وهو العام الذي أصبح تلفزيون الواقع هو القوة المسيطرة على ثقافة «فن البوب»، حيث بدأ برنامج «American Idol» ثماني سنوات من «الإرهاب» ممثلًا البرنامج رقم واحد في الولايات المتحدة، وهو العام ذاته الذي بدأت فيه باريس هيلتون ترويج الـ«لايف ستايل» الخاص بها، وكأنه علامة تجارية، وأصدرت فيه سيرتها الذاتية. وحصل بطل المسلسل جوي على دور في مسلسل آخر. في عام 2004 كنا جميعًا استسلمنا وقمنا بتبني الغباء واعتبرناه أحد القيم. وإذا سألت فلن تجد جوابًا مناسبًا أكثر من أن فرقة «Green Day» أصدرت ألبومًا غنائيًّا بعنوان «لأبله أمريكا أو American Idiot» في ذلك العام، وحصل على جائزة جرامي لأفضل ألبوم في فئة موسيقى الروك. ليس هناك من وقتٍ مناسبٍ لاجتماع كل تلك الأمور. إن رفض روس أرَّخ تلك اللحظة التي كان فيها الكثير من الأمريكيين يتذمرون ويقاطعون صوت العقل في منتصف حديثه.

نعم، نظريتي هي أن مسلسل فريندز  قد يكون أثار سقوط الحضارة الغربية. قد تظن أنني مجنون، لكن سأقتبس من روس جملته «أوه، هل أنا؟ هل أنا؟ هل أنا الذي جن جنونه؟ هل فقدت السيطرة على عقلي؟» هل كنت تعلم أن الأغنية الأصلية التي صاحبت الحلقة التجريبية للمسلسل كانت من غناء فرقة الروك R.E.M، والتي تقول كلماتها: «إنها نهاية العالم الذي نعرفه وأنا أشعر بأنني بخير»، أغنية موسيقاها في غاية السعادة تحمل رسالة مُروعة يتم تجاهلها إلى حد بعيد.

 

إنني كنت مدرسًا في عام 2004، وكنت مدربًا لفريق مدرستنا للشطرنج، كنت أرى كيف يتم التنمر على الطلاب، وحاولت جاهدًا أن أدافع عنهم، لكنني لم أستطع أن أكون موجودًا في كل مكان. كان طلابي أذكياء وشديدي العبقرية، وكانوا يعيشون في السكن الطلابي غير مرغوب فيهم. كان بعض الطلاب ينصبون كمينًا خارج غرفتي منتظرين أعضاء فريق الشطرنج الذين يجتمعون فيها يوميًّا في وقت الغداء. واكتسبت سمعة أثناء فترة عملي مدرسًا بأنني قاهر المتنمرين، والمدافع عن العباقرة. أنا أؤكد لكم: المتنمرون يمكنهم أن يكونوا حقيرين، لكنهم كانوا يعرفون أن الأستاذ هوبكنز أسوأ من ذلك بكثير.

قد يكون المثقفون مضطهدين دائمًا، لكن شيئًا ما في صميمي يخبرني أننا عند نقطة متدنية، حلّ فيها التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي محل الجدال الحقيقي، والحوار السياسي، حيث يتم الحكم على السياسيين من خلال ما إذا كنا نود احتساء البيرة معهم، حيث المسلمات العلمية يتم رفضها، والبحث العلمي نقُص تمويله، نحن عند نقطة غرقت فيها الصحافة في فضائح المشاهير.

رأيت مؤخرة كيم كارداشيان تتصدر موقع سي إن إن، وانتابني الخوف.

قد يكون ذلك كله ترفيهًا لا ضرر منه. أعجبني الضحك الرائع المفعم بالحيوية الذي يطلقه الجمهور في الأستوديو؟ من الممكن. لكنني بأمانة متخوف من كوننا لم نفعل ما يكفي لتشجيع الفضول الفكري في ثقافتنا.

لحسن الحظ هناك تشكيل مقاوم، هم أشخاص عازمون لا يخافوا من بدء جملتهم بـ«هل كنت تعلم أن…»، فهؤلاء هم روس العالم. أنا أراهم في فريقي للشطرنج، كما أراهم في مدينتي مختفين في متحف الفن، ورابضين في متاجر الكتب المستعملة، ويتبادلون النظرات الجانبية في المكتبات العامة والمقاهي، ويتمشون في مدارسنا، وجامعاتنا.

لم يكن هناك أمل بالنسبة إلى روس، وفقد السيطرة على عقله، ونعم، أصبح مزعجًا.

إذًا، فكيف يمكننا الإبقاء على صحتنا العقلية سليمة في وسط عالم أبله؟ فأنا لم أكن لأصبح مدرسًا جيدًا إذا لم أحضّر بعض الأفكار:

أولًا: اقرأ كتابًا. هناك شيئًا مميزًا يحدث حينما تضع كل الإلهاءات المجنونة للحداثة، وتغمس ذاتك في رواية. فأنت تفتح نفسك على أفكار جديدة، وتجارب جديدة، ووجهات نظر جديدة. إنها اختبار للصبر والذهن. أثبتت المدرسة الحديثة للأبحاث الاجتماعية في نيويورك أن قراءة الأدب تطور العواطف، وهي حقيقة. فالقراءة تجعلك شخصًا أقل تبلدًا. لذلك اقرأ بانتظام. اقرأ كتبًا صعبة، واقرأ كتبًا مثيرة للجدل، واقرأ تلك التي تجعلك تبكي، واقرأ أخرى ترفيهية، المهم أن تقرأ.

ثانيًا: تعلّم شيئًا. عقلك قادر على الكثير، فغذيه، تعلّم شيئًا جديدًا. إن أعظم خطر على التقدم هو الإيمان بأن هناك شيئًا معقدًا لا يمكن حلّه، الفقر يدوم، والعنصرية ستتواجد دومًا، والقضية الفلسطينية الإسرائيلية عصيّة على الفهم. النظام العام للتعليم منهار، علّم ذاتك، لتستطيع أن تكون طرفًا في النقاش. تعلم شيئًا علميًّا وآخر حسابيًّا، استكشف الفلسفة، وادرس علم الحفريات، حاول تعلم لغة جديدة، لست مضطرًا حتى أن تجعل الإتقان هو غايتك، لكن فقط احتفظ بعدد من الكلمات الجديدة في رأسك، استمع إلى مقطع تعليمي عبر الإنترنت، فأساتذة بعض الجامعات –مثل هارفارد وييل وكولومبيا وستانفورد- يعرضون محاضراتهم عبر الإنترنت مجانًا. فكر فيما يمكنك أن تتعلمه. كانت واحدة من أعظم التحديات لي في عملي مدرسًا هي إقناع طلاب بأنهم أذكياء، بعد أن قال لهم شخص ما إنهم أغبياء.

ثالثًا: توقف عن شراء الهراء. قد يكون ذلك غير منطقي، لكنني مقتنع بأن الثقافة الاستهلاكية مرتبطة عن قرب بالبله. قم بتبسيط حياتك، فالبله يسيطر على أساسات ثقافتنا؛ لأنه يبيع المزيد من أحذية التنس من نوع نايك، والمزيد من وجبات «بيج ماك». فحينما نأخذ في الاعتبار بشكل مدروس كل ما نجلبه إلى بيوتنا، تقل احتمالية التلاعب بنا عن طريق دوافع فارغة.

وأخيرًا: احمِ العباقرة. حاليًا، مبرمج الكمبيوتر الذي يعمل لدى مؤسسة بيل جيتس يعمل لصالح تقليل الفقر والجوع والأمراض في العالم أكثر من أي شخص في أمريكا. العباقرة يكتشفون اللقاحات، العباقرة ينشؤون الكباري والطرق، العباقرة يصبحون معلّمين وأمناء مكتبات. نحن نحتاج هؤلاء الأشخاص الأذكياء «البغيضين» لأنهم يجعلون العالم مكانًا أفضل، لا يمكننا أن نتركهم يفشلون لأجل مجتمع يحوّل أفراده أعينهم إلى كل كلمة يقولها هؤلاء. روس يحتاج أصدقاءً أفضل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات