أثينا – في إحدى ليالي شهر يناير وقبل أربعة أيام فقط من تنصيبه كأول زعيم يساري على رأس دولة داخل الاتحاد الأوروبي، اعتلى أليكسيس تسيبراس المنصة خلال مسيرة في أحد الأحياء الفقيرة بأثينا وأعلن على الملأ أن نهاية “إذلال الوطن” صارت وشيكة.

كانت الآثار التي تُبرز تفكك اليونان ظاهرة بجلاء في أرجاء المكان: الجدران التي غطتها رسوم الجرافيتي، والمتاجر التي هجرها المشترون، والملابس الرثّة التي يرتديها آلاف ممن خرجوا في تلك الليلة ليحيوا الرجل الذي أقسم أنه لن يُعيد رسم ملامح اليونان فحسب، بل سيغير أوروبا كلها، من خلال تقديم نموذج مُلهم للحركات اليسارية في أرجاء القارة العجوز.

كان صوت أغنية حماسية يهدر عبر مكبرات الصوت “سنستولي على مانهاتن في البداية” بينما يعتلي المنصة رجلٌ في الأربعين من عمره بوجه ذي ملامح صبيانية ويلوّح بقبضته في الهواء، في حين تستمر الأغنية “ثم بعدها نستولي على برلين”.

ستة أشهر فقط مضت قبل أن تتحطم كل هذه الآمال الجامحة على صخرة الواقع الأوروبي، حيث حُوربت أحلام تسيبراس الثورية بلا هوادة.

كانت المواجهة المحتدمة بين زُمرة الماركسيين المارقين اليونانيين وبين عمالقة القارة الأثرياء الصارمين تعكس صدامًا ملحميًّا بين الحضارات والأيديولوجيات والقيم التي اعتنقها البشر في جميع أنحاء العالم.

بكل تأكيد لم تكن المعركة متكافئة على الإطلاق: فبعد أشهر من الصراع المرير، تعرضت القوى الأوروبية لهزة لكنها ظلت صامدة، أما بالنسبة لليونان فلم تكن هذه سوى بداية مرحلة الإذلال الحقيقي.

يرى جورج كيريتسيس، عضو البرلمان عن حزب سيريزا الذي يترأسه تسيبراس، أن “جالوت لم يُظهر أي تهاون في معركته أمام داوود”.

كذلك كان الحال بالنسبة لداوود اليوناني، على الأقل في بداية الأزمة.

جهودٌ مُضنية بُذلت لإنقاذ دولة المتوسط الغارقة، والتي لم يمنعها تاريخها المجيد من الانحدار لتصبح دولة منبوذة مُثقلة بالديون، ولكن جدير بالذكر أن تلك الجهود كان ترمي لما هو أبعد من مجرد انتشال اليونان من أزمتها.

فبالنسبة للحزب المكوّن من طلاب ونشطاء وأساتذة جامعة يساريين، والذي اعتلى السلطة في يناير في خِضَم موجات الغضب ضد سياسات التقشف، لم تكن هذه سوى أولى المعارك في حملة طويلة تهدف لتحرير أوروبا من أغلال العقيدة النيوليبرالية القاسية التي تغلغلت في جميع مناحي السلطة في القارة العجوز. وبالتالي، إذا نجح حزب سيريزا في الظفر بتنازلات من الجانب الأوروبي، فقد يشجع ذلك على ظهور حركات يسارية مماثلة في إسبانيا وأيرلندا والبرتغال ودول أخرى، مما يعني إعادة تشكيل النظام السياسي في أوروبا كلها.

بالنسبة للمؤيدين، شكّل صعود سيريزا السريع من حزب هامشي إلى حزب حاكم في حد ذاته دليلًا دامغًا على فشل أوروبا: فبعد عقود من انتخاب حكومات ذات توجهات وسطية، كانت النتيجة أن الطبقة الوسطى اليونانية تقلصت بدرجة كبيرة نتيجة لانكماش الاقتصاد المختنق بفعل سياسات التقشف بدرجة تتجاوز أي دولة نامية أخرى منذ الحرب العالمية الثانية. وفي خضم السعي اليائس للبحث عن حلول لأزماته، لجأ الشعب الذي يتمدد قطاع البروليتاريا فيه بصورة متسارعة إلى حل غير مألوف.

كانت رؤية الحكومة الجديدة تتلخص في تمزيق اتفاقيات الإنقاذ الضخمة التي وقعتها اليونان وإجبار أوروبا على منحها القروض مع خفض القيود، حيث يؤمن مسئولو الحزب أن هذه القيود تخنق الاقتصاد. ربما تبدو هذه الإستراتيجية راديكالية بعض الشيء، ولكن من وجهة نظر المسئولين فإن اقتراحاتهم كان لها ما يبررها، لذا توقعوا أن ترضخ أوروبا لطلباتهم سريعًا.

يرى كيريتسيس، والذي يعمل كاتبًا صحفيًّا بجانب تمثيل حزب سيريزا في البرلمان، أن “أجندة حزب سيريزا كانت معتدلة بالفعل، أشبه ببرنامج تنمية يحاكي البرنامج الذي يطبقه أوباما في أمريكا. فعلى الرغم من كوني شيوعيًّا، إلا أني أدرك أنه ليس بمقدورنا أن نروّج لأجندة شيوعية داخل أوروبا في القرن الحادي والعشرين. كان علينا أن نجد حلًا يتواءم مع التيار السائد”.

ولكن ما رأته حكومة اليونان حلًا معتدلًا، اعتبرته أوروبا توجهًا خطيرًا نحو خرق القوانين.

فمن جانبه صرّح وزير المالية الفنلندي أليكساندر ستاب، والذي انتهجت دولته أحد أكثر المواقف تشددًا ضد اليونان خلال المفاوضات، قائلًا “أن تكون مؤيدًا للاتحاد الأوروبي فإن ذلك يعني أن تلتزم بالقوانين واللوائح وتطبقها. وعلى نفس النسق، فإن عدم الالتزام بتلك القوانين واللوائح يعني أنك تعادي الاتحاد الأوروبي. قد يبدو هذا التوجّه كالفينيًا بعض الشيء، لكن هذه حقيقة الأمور من وجهة نظري”.

وصف المفاوضون اليونانيون الموقف بأنه صراع حضارات وضعهم منذ البداية في موقف متأزم في مواجهة نظرائهم الأوروبيين المحافظين. وأضافوا أن قليلين داخل فريق سيريزا من توفر لديهم فهمًا شاملًا لمذكرة التفاهم الضخمة التي شكّلت القوة الدافعة لسياسات التقشف التي شنوا حملة احتجاجات عنيفة ضدها. لذلك لجأ كثير من السياسيين المنتخبين مؤخرًا إلى استخدام خطاب فلسفي في المجمل، مدفوعين بانتصارهم في الانتخابات.

ليست مبالغ تافهة

عندما التقى المفاوضون على طاولة المفاوضات للمرة الأولى في شهر فبراير شديد البرودة، كانت أفكار تغليب مصلحة العمال الكادحين على مصالح المؤسسات تسيطر على أذهان فريق سيريزا، والذي كان بعض أفراده لم يتجاوزوا العقد الثالث من العمر بعد.

بينما كان نظراؤهم من وزراء المالية في الاتحاد الأوروبي ومسئولو صندوق النقد الدولي يتحدثون بلغة الأرقام المجردة. ما هي مقترحات سيريزا؟ وكيف ستؤثر على الناتج الاقتصادي لليونان؟

تلاقت رؤى الفريقين في بعض الأحيان، في حين تضاربت وجهات النظر حول العالم وبدأ القلق يتزايد. وكان كبار المفاوضين في سيريزا أساتذة جامعات متخصصين في علوم الاقتصاد ذوي نزعة ماركسية. أما مساعديهم فكانوا طلاب دراسات عليا شاركوا في نقاشات أكاديمية مكثفة. وبالنسبة للجانب الأوروبي، فلم يكن من المألوف الاستماع إلى خطاب اختفى من الفضاء السياسي الأوروبي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991.

تحدث إلينا أحد المفاوضين السابقين في الجانب اليوناني، طالبًا عدم ذكر اسمه، وناقش الصعوبات التي شهدتها أشهُر التفاوض غير المثمر، فقال “كان الأوروبيون يعتقدون أن هؤلاء مجموعة من السياسيين النمطيين الذين تتبدل مواقفهم بعد الانتخابات. ولكن اتضح لهم أنهم أصحاب مواقف ثابتة”.

كما استرجع المفاوض السابق بعض الأحداث فأوضح أن حتى بعض المصطلحات مثل “المنافسة” –والتي قد لا تُثير أي جدل لدى النخبة الاقتصادية التي تركز على آليات السوق التي يسعى حزب سيريزا لإعادة تشكيلها– أزعجت بعض المفاوضين اليونانيين. حيث صب قادة سيريزا جُلّ تركيزهم على انتقاد سياسة تعزيز النمو التي تقدّم الأرباح على مصلحة الشعب.

كانت إستراتيجية اليونان قائمة على فكرة قدرتها على اجتذاب بعض الحلفاء ليتولوا مهمة الدفاع عنها ضد مؤسسة أوروبية يسيطر عليها هوس التقشف وتهيمن عليها ألمانيا. ولكن على النقيض من ذلك، تحولت بعض الدول الصغيرة في القارة إلى أشرس منتقديها.

حيث حذر مسئولون في دول أوروبا الشرقية التي عانت لعقود في ظل حكم الشيوعية من خطر الاستسلام لليسار.

بينما عبرت الدول الأخرى التي تصارع أزماتها الاقتصادية عن دهشتها من أن تتغافل دولة تحظى بكل هذا الدعم الهائل عن تأثير خطط الإنقاذ خارج حدودها.

حيث أفاد أليكساندر ستاب، وزير المالية الفنلندي، أن “الجميع بحاجة لأن يعلم أن دولة كفنلندا لها إسهامات في اليونان تعادل 10 بالمائة من إجمالي موازنتنا السنوية و2.5 بالمائة من إجمالي الناتج القومي. نحن لا نتحدث عن مبالغ تافهة هنا”.

كما أوضح محلل سابق خبير بالعقلية الألمانية أن وزير المالية اليوناني السابق، المشاغب والمغرور يانيس فاروفاكيس، قد ارتكب خطأ فادحًا في التعامل مع الألمان. فبدلًا من أن يتراجع الألمان أمام اتهامات فاروفاكيس المستمرة لهم بالحقد على اليونان، ازداد موقف وزير المالية الألماني وولفجانج شوبل تشددًا، حيث ازدادت قناعته أن الحكومة اليونانية ليست محل ثقة.

ثم ترسّخت قناعات شوبل لاحقًا بعد انسحاب تسيبراس من المفاوضات في 26 يونيو ومطالبته بإجراء استفتاء شعبي على المقترحات الأوروبية، وحثّه الشعب على التصويت بلا.

صرح مارسيل تيريل، أستاذ علوم الاقتصاد وخبير نظرية الألعاب بجامعة زيبلين في فريدريشهايفن بألمانيا، قائلًا “تسيبراس كان يعتقد بالفعل أن التصويت بلا في الاستفتاء سيعزز موقفه التفاوضي في بروكسل”.

لكن بدلًا من أن يجلب لهم التصويت بلا التساهل المنشود، تسبب –على النقيض- في تشديد المفاوضين الأوروبيين لشروطهم مع التهديد بأن العناد اليوناني من شأنه أن يؤدي لانهيار سريع في البنوك يتبعه خروج من منطقة اليورو.

ومع اصطفاف اليونانيين في طوابير أمام ماكينات الصرف لسحب مبلغ 60 يورو المسموح بها، انهارت عزيمة تسيبراس ليقبل في الإثنين الماضي إجراءات أكثر قسوة من تلك التي كانت مطروحة على طاولة المفاوضات قبل الاستفتاء، بل حتى أكثر قسوة من تلك التي هاجمها بكل قوة خلال حملته الانتخابية في شهر يناير.

«خطتهم هي إرهابنا»

في نهاية الأمر، ربما يكون اليونانيون قد بالغوا في تقدير قوتهم. فاليونان لم تكن راغبة في مغادرة الاتحاد الأوروبي من الأساس. ومع المماطلة في المساومات، كان الجانب الأوروبي الغاضب قد بدأ يقبل بفكرة انفصال اليونان.

تحدث أحد المفاوضين عن الوضع في حالة اضطرار اليونان لمغادرة الاتحاد الأوروبي قائلًا “في الواقع لم تكن لدينا خطة بديلة. ما الذي كان باستطاعتنا أن نفعله؟ ربما كانت تهديداتنا لهم أشبه بلسعات النحل. تلسعك فتؤذيك لبعض الوقت، لكنها تموت في النهاية”.

سمحت الاتفاقية لليونان أن تبقى في منطقة اليورو، لكن الثمن كان فادحًا للغاية. ومع ذلك فلم يرقَ هذا الثمن لتطلعات بعض المتشددين، الذين تقودهم ألمانيا. حيث لا تزال الشكوك تساورهم بشأن نية اليونان للوفاء بالتزاماتها في الاتفاقية.

فبحسب أحد المسئولين الأوروبيين “من الصعوبة بمكان أن نصدق أن البرنامج الجديد ستلتزم به حكومة قد رفضته علنًا في السابق”.

حتى وإن كانت الدول الأوروبية غير واثقة من انتصارها في المواجهة، فإن المسئولين اليونانيين سارعوا من جانبهم بالاعتراف بالهزيمة، قائلين إن ما حدث جعلهم عِبرة كي لا تجرؤ دول أوروبية أخرى على انتخاب حلفائهم اليساريين.

فمن جانبه صرح نائب وزير الثقافة، نيكوس إكسيداكيس، قائلًا “هذه ليست اتفاقية، إنها عقاب. خطتهم هي إرهابنا”.

وفي الوقت الذي أقنع فيه تسيبراس البرلمان اليوناني، في وقت مبكر من صباح الخميس، أن يدعم الاتفاقية على الرغم من تأكيده أنها ستتسبب في المزيد من الألم. إلا أن قراره بدعم الاتفاقية قد تسبب من ناحية أخرى في انقسام داخل حزبه الذي يعتمد على الإجماع في اتخاذ القرارات، ليثير الشكوك حول ما إذا كان بالإمكان رأب هذا الصدع يومًا ما.

يرى البعض داخل الحكومة أن ما حدث في الأسبوع الماضي ليس سوى تراجع مؤقت، ومن ثم فهم لا يزالون يأملون أن تأتي لهم الانتخابات التي ستجرى في أسبانيا وأيرلندا العام القادم بالحلفاء اليساريين الذين يحتاجونهم بشدة.

حيث صرح جورج كاتروجالوس، وزير العمال، قائلًا “لقد كان انسحابًا تكتيكيًّا لتجنب الانهيار المفاجئ للاقتصاد. لا تزال لدينا الثقة في قدرتنا على تغيير أوروبا. لا زلت أؤمن بقدرتنا على ذلك. في الواقع كنا نظن أن الأمر سيكون أسهل من ذلك.”

ولكن الآخرين ليسوا على نفس القدر من التفاؤل.

فعضو البرلمان كيريتسيس، البالغ من العمر خمسين عامًا والذي يُضفي عليه قرطا الأذنين واللحية الرمادية مظهر الشعراء، أدى القسم كعضو في البرلمان يوم الأربعاء، مباشرة قبل “التصويت على شيء أرفضه تمامًا”.

في اليوم التالي، كتب على صفحته على موقع فيسبوك أنه يشعر بالخجل، ردًا منه على من نعتوه بوصف “الخائن”.

كان يتفهم أسباب غضبهم. ولكن كذلك عانى من شكوك ساورته طيلة حياته في أن تحكم اليونان حكومة يسارية يومًا ما، لذا صوت بنعم، كي لا تسقط الحكومة بعد ستة أشهر فقط من تشكيلها.

مع ذلك، فالرجل يتساءل ما إذا كان الشعب الذي خابت آماله سيغير انحيازاته مرة أخرى؛ لينتخب أقصى اليمين هذه المرة. ثم أضاف أنه فقد الأمل في تحقيق حلم أن تصبح أوروبا أكثر عدلًا ورحمة، ذلك الحلم الذي يرى أنه لن يكون له وجود، على الأقل في المستقبل القريب.

ثم اختتم كلماته بهدوء “بالنسبة لجيلي والجيل التالي، فإن المعركة قد انتهت”.

 

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد