لِماذا تنحاز مؤسسة السياسة الخارجية في الولايات المتحدة إلى دولة دكتاتورية تتصرف في الاتجاه المعاكس لقيم أمريكا واهتماماتها في منطقة الشرق الأوسط؟ لماذا نجد اعتراض مجتمع السياسة الخارجية على حرب اليمن الكارثية واهيًا للغاية؟ هذه الحرب التي خلفت 6000 قتيلًا، يُعتقد أن نصفهم من المدنيين، وفشلت فيها السعودية في تحقيق أهدافها، بل زادت من قوّة تنظيم القاعدة في اليمن، وأجّجت نيران العنف أكثر وأكثر، لم تلق الانتقاد المتوقع في دولة يُنتقد فيها أي شيء وكل شيء.

في تقريره بموقع «فوكس Vox»، يطرح «ماكس فيشر» هذه الأسئلة؛ محاولًا فهم الطريقة التي أثرت بها دول الخليج على سياسات واشنطن الخارجية.

لقد ساعدت الولايات المتّحدة في انفجار الوضع في اليمن، حيث دعمت الحملة السعودية بالأسلحة والإمدادات والمعلومات، و45 محللًا استخباراتيًا، وبالرغم من ذلك، وباستثناء أصوات قليلة معارضة، نجد مجتمع السياسة الخارجية بالولايات المتّحدة هادئًا تجاه هذا. في المقابل، قوبِل الرئيس الأمريكي أوباما بالكثير من الاستهجان والنقد؛ على إثر تصريحاتٍ لجريدة «ذا أتلانتك»، انتقد فيها التمييز ضد المرأة في السعودية، ودعمها للأصولية في الشرق الأوسط، وأشار إلى ضرورة تعلمها مُشاركة الشرق الأوسط مع خصمها اللدود، «إيران».

يُظهر هذا التناقض التزامًا عميقًا لشبكة المؤسسات الأكاديمية البحثية، ومراكز الدراسات السياسية وخلايا التفكير، بالدفاع عن المملكة العربية السعودية ودول الخليج. من أين يأتي هذا الاتجاه العام الذي يدعم وهابيي السعودية، حتى في تحركاتهم المُعاكسة لسياسات الولايات المتحدة، مثل حرب اليمن؟

 أموال النفط وتمويل المراكز البحثية

يسلط التقرير الضوء على التمويل السخي الذي تتبرع به دول الخليج للمؤسسات الأمريكية. كانت «قطر» هي الرائدة في هذا المجال، حيثُ سعت إلى دور أكبر في الشرق الأوسط عن طريق تمويل الأحزاب السياسية وجماعات المعارضة، ولفترة طويلة، قناة «الجزيرة» الإخبارية.

لم تكتفِ قطر بذلك، بل بدأت تلعب دورها بصمتٍ في واشنطن، لتنفق ببذخٍ؛ بهدف تكوين لوبي قطري قوي، لكن يظل تبرّعها السخيّ لمعهد بروكنجز هو الأبرز: 14.8 مليون دولارًا لافتتاح مركز جديد لبروكنجز بالدوحة، العاصمة القطرية.

ليس قطر على وفاقٍ تام مع باقي دول الخليج. بعد الربيع العربي، اختلفت توجّهات قطر في إعادة تشكيل الشرق الأوسط عن جيرانها. ومن ثمّ أدركت بقية دول الخليج سريعًا أنّ عليها مجابهة النفوذ القطري في الولايات المتّحدة، إن كان لها أن تجابهه على أرضها.

بدأت السعودية والإمارات في التبرّع بسخاء للمعاهد البحثية وخلايا التفكير. وطبقًا للعديد من خبراء السياسة الخارجية بواشنطن، الذين تحدّثوا إلى «ڨوكس»، كان هذا استثمارًا ناجحًا، خاصّة في ظل الأزمة الاقتصادية التي قطعت الكثير من التمويل والمنح من الحكومة الأمريكية والمتبرّعين المحليين.

تحقيق «نيويورك تايمز» يكشِف آثار التمويل الخارجي

هذا العام، نشرت جريدة «نيويورك تايمز» تحقيقًا عن التمويل الخارجي للمؤسسات البحثية الأكثر تأثيرًا في واشنطن، وكيف أثّر ذلك على أداء وتحليلات هذه المؤسسات، ومدى انحيازها لأجندات الدول الممولة. ذكر التحقيق عدّة مواقف كان فيها ذلك التأثير مباشرًا، مثل ما حدث مع «سليم علي»، الباحث الزائر السابق بمركز بروكنجز الدوحة؛ إذ طُلب منه ألا يكتب نقدًا للحكومة القطرية.

لكن الخبراء الذين تحدّث معهم التقرير أكدوا أن مثل هذه الوقائع هي استثناءات نادرة. لا توجد مقايضات مباشرة بين المموّلين والمراكز البحثية تحثهم على الكتابة – أو تمنعهم من الكتابة – في مواضيع مختلفة. لكن الدور الذي تلعبه أموال النفظ أكثر ضمنيّة ودرامية من المقايضات المباشرة. تدفع الطبيعة الإنسانية المحلّلين بهذه المراكز أو الجامعات إلى ممارسة نوع من الرقابة الذاتية؛ خشية خسارة التمويل الموعود من قِبل دول الخليج. كما قال أحد الخبراء.

«إن الأمر لا يعني أنّ هذا الأكاديمي قد تمّ شراؤه من قِبل المموّل، ولكن، في مكانٍ ما، هناك تأثير يدفعه للصمت. الأمر يتعلق أكثر بما لا يتمّ الكتابة عنه. يمكنني أن أكتب عن الطائفية السعودية، لكنني سأخسر بعض المال، يمكنني الكتابة عن انتهاكات حقوق الإنسان بالإمارات، لكن هناك انتهاكات في كل مكان كما تعلم، وهناك آلاف الأشياء الأخرى التي يمكنني أن أكتب عنها».’

«بهاء الحريري» يُعاقب «ميشيل دان» على عريضة الانقلاب العسكري بمصر

ربما أوضح مِثالٍ على هذا التأثير هو واقعة «ميشيل دان»، الدبلوماسية الأمريكية التي عيّنها مركز بحثي يُعرف بالمجلس الأطلنطي، لترؤس القسم الجديد لأبحاث الشرق الأوسط: مركز رفيق الحريري. أنشئ المركز بتبرّع سخي من «بهاء الحريري»، الابن الأكبر لرفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الراحل.

في عام 2013، حين أزاح الجيش المصري محمد مرسي، الرئيس المنتخب ديمقراطيًا، من السلطة، وقعت «ميشيل» عريضةً مطالبةً الحكومة الأمريكية بوقف الدعم العسكري لمصر، وأدلت بشهادة أمام لجنة للسياسات الخارجية بمجلس الشيوخ، واصفةً الأمر بأنه «انقلاب عسكري». اتصل بهاء الحريري بالمجلس الأطلنطي، وأبدى اعتراضه على ما فعلته ميشيل، التي رفضت التعليق على الواقعة، وتركت المجلس بعد 4 أشهر، ربّما لا توجد علاقة مباشرة بين المكالمة ورحيل ميشيل، لكنّ الشكوك المتصاعدة حول تركها للمركز زادت من قوة ووضوح التأثير الرادع للخروج عن النصّ، بفِعل التمويل الخارجيّ لهذه المراكز.

الانحياز للخليج: اتجاه أصيل في واشنطن

هُنا يُشير التقرير إلى أن هذا التأثير الرادع ربما يفسر الصمت عن انتقاد دول الخليج، لكنّه لا يفسّر الدفاع المستميت عنها، كما حدث مع تصريحات أوباما.

إن الانحياز لدول الخليج كان وما زال اتجاهًا قويًا في واشنطن، وخاصة تجاه السعودية. يُمكن إرجاعه إلى تاريخ طويل من التعاون الأمريكي السعودي، بدأ في أربعينات القرن الماضي، مرورًا بالحرب الباردة، وحرب أفغانستان بالثمانينيات، والتحالف ضد العراق في التعسينيات، وضد الإرهاب في مطلع الألفية الحالية، والآن، ضد إيران. وأيّ حيادٍ عن هذا التحالف يُعدّ مساسًا بالوضع الراهن الذي يصب في مصلحة الولايات المتحدة. لِعقودٍ طوال، حقّقت الولايات المتحدة هيمنتها على الشرق الأوسط بعلاقاتها مع الأنظمة الدكتاتورية في عدّة دول، أبرزها السعودية. أحد خُبراء الشرق الأوسط قال لـ«ڨوكس»: «إنّ هذا الانحياز ربّما لا يتعلّق بالمال، بقدر ما هو الانحياز المُطلق إلى دعم شريكٍ يُمكن الاعتماد عليه بعض الشيء، في منطقة هائجة مضطربة تمثل أهمّية للولايات المتحدة».

وعلى الرغم من اتساع الفجوة بين الاهتمامات الأمريكية والخليجية بعد 2011، إلا أن هذا الاتجاه ظل صامدًا. ما فعلته أموال الخليج هي أنها وفّرت المنصّات، والأمان المالي، والفُرص أمام هؤلاء لترسيخ رؤاهم السياسية المنحازة لدول الخليج. كلّما استقبلت هذه المراكز أموالًا من الخليج، تمكنّت من توفير فرص أعمال لأشخاص يشاركونها نفس الاتجاه السياسي والفكري. مجدّدًا يؤكد الخبراء أنّ أموال الخليج لم تشتر هذه المراكز؛ إنّها تتحرّك وفق ما تعتقده حقًا، منذ البدء.

لكن الدور الحقيقي لأموال النفط تَمثل في تدعيم هذا الاتجاه، حتى بعد ثورات الربيع العربي. يتساءل البعض: هل كان هذا الاتجاه ليظل قويًا وصامدًا في ظل غياب التمويل الخليجي، خاصة بعد تمويل المملكة للمتطرفين في سوريا، وحربها الكارثية على اليمن؟

كيف تصنع الفعاليات والعلاقات الشخصية جوًا من الأُلفة مع الخليج؟

ينتقل التقرير إلى «ديفيد روثكوف»، المدير التنفيذي ومحرر مجموعة FP، التي تنشر مجلة «فورين بوليسي». سافر روثكوف إلى دبي للمشاركة في مؤتمر دولي يزخر بصانعي القرار والأكاديميين الأمريكيين. تُقيم حكومة الإمارات الكثير من هذه الفعاليات بالإمارات، وتوفّر التمويل اللازم لها.

عندما عاد روثكوف إلى الولايات المتّحدة، كتب مقالًا امتدح فيه الإمارات، واصفًا إياها بأنها «معملُ لإنتاج أفكار جديدة مثيرة بشأن مستقبل الحكم»، وقادتها «يضعونها في مصاف الدول الأكثر إبداعًا ونجاحًا».

صحيحٌ أنّ روثكوف كان صريحًا في مقاله وخاطب المتخوّفين من دور أموال الإمارات في بناء أي نوعٍ من الانحياز لها. لكن العمود الذي كتبه يعكس شكلًا من شراء النفوذ الذي تطبّقه دول الخليج بفعالية في واشنطن: شراء الألفة والصداقة، والعلاقات الشخصية. أغلب أعضاء مؤسسات السياسة الخارجية بواشنطن ذهبوا إلى الإمارات في رحلات «عمل» مريحة كفاية لتوليد نوع من مشاعر المحبّة تجاه الإمارات ودول الخليج. هذه الرحلات، والمحادثات مع المسئولين الإماراتيين، لا تجعل النخبة الأمريكية مطيّة في يد الإمارات بالطبع، لكن تظل العلاقات الشخصية قوة لا يُستهان بها. على سبيل المثال، يشتهر سفير الإمارات بواشنطن، «يوسف العتيبة»، بإقامة الاحتفاليات والمعارض الخيرية، التي استضافت العديد من الشخصيات، مثل «جورج بوش»، و«سوزان رايس».

في 2014، شارك العتيبة مع مذيع «فوكس نيوز»، «بريت باير» في إقامة إحتفالية خيرية. وصف باير العتيبة بعدها بأنه «شخص رائع». مثل هذه العلاقات الشخصية تتفق مع الموقف التحريري لوكالة «فوكس نيوز» من قضايا الشرق الأوسط، المّعارض للإخوان المُسلمين، والداعِم لدول الخليج في مواجهة إيران، والمُطالب بالتدخل العسكري الأمريكي في المنطقة.

ربّما لا تتبّع السعودية نهجًا علنيًّا استعراضيًا بالمقارنة بالإمارات، لكن تركيزها ينصبّ في  ذات الاتجاه، وربّما يساهم في بناء علاقات أكثر قوّة بصانعي القرار. أحد الذي تحدّث إليهم التقرير أشاروا إلى أن المسئولين الأمريكيين مارسوا عملهم لعقود طوال، جنبًا إلى جنب مع نظرائهم السعوديين، واشتركوا معًا في تشكيل وتنفيذ رؤيتهم للشرق الأوسط. يعني هذا أن الحكومة الأمريكية تمتلئ بأشخاصٍ لهم علاقات شخصية مع السعوديين.

«إن العلاقات مهمّة، السعوديون يتدبّرون أمورهم في واشنطن، ويتمتّعون بعلاقات طويلة الأمد مع الأمريكيين. هذه العلاقات تجد طريقها إلى التحليلات الاستراتيجية وتضعهم في موضع الشريك الذي يمكن أن يساعد الولايات المتحدة. هناك جو من الارتياح يؤثر على موضوعية التحليلات».

أمرٌ آخر أشار إليه التقرير، هو تعاقد المسئولون الأمريكيون، السابقون والحاليون، في قطاعات السياسة الخارجية والدفاع والاستخبارات، مع دول الخليج من أجل خدمات استشارية؟ تنفق هذه الدول عشرات المليارات من الدولارات كل عامٍ على المعدات والخدمات الاستشارية التي توفرها الولايات المتّحدة.

«إيران».. العدو المشترك

العكس صحيحٌ مع إيران، التي لا تتمتع بأية علاقات مع الأمريكيين. لم تدّخر دول الخليج جهدًا في إعلان رفضها للاتفاقية النووية الإيرانية، على عدّة مستويات وبوسائل مختلفة. تخشى دول الخليج من أن هذه الاتفاقية قد تكون نذيرًا بابتعاد الولايات المتحدة عنها واقترابها من خصمها الأكبر: إيران. ولا تجد دول الخليج صعوبة في إيصال صوتها، ليس فقط لعلاقاتها الوطيدة بصانعي القرار، وإنها لإجماع الرأي النخبوي الأمريكي على إبعاد إيران، والتشكيك فيها. هناك العديد من الأسباب الوجيهة لذلك، لكن الأمر يرجع جزئيًا إلى العلاقات الموصولة بالسعوديين، المقطوعة مع إيران.

هذان العاملان: الانحياز المتأصل للسعودية، والتحيّز ضد إيران، يلعبان دورًا هامًا في تشكيل السياسات الخارجية الأمريكية.

كيف يؤمن حكام الخليج بالسيادة الأمريكية؟

يتحدّث التقرير عن أسطورة السيادة الأمريكية، وكيف تؤمن بها السعودية ودول الخليج. يُصرّح حكام الخليج برغبتهم في أن تسود الولايات المتّحدة؛ لأن هذا يخدم مصالحهم، ويساعدهم على المحافظة على ركائن حكمهم الأوتوقراطي الذي عفا عليه الزمن. حين يتحدّث المسئولون بالخليج، يصعب التفرقة بين تصريحاتهم، وتصريحات «رونالد ريجان» عن ضرورة التدّخل الأمريكي في شئون العالم. في مقابلة مع جريدة «ذا أتلانتك»، قال «عبد الله الثاني»، ملك الأردن:

«أعتقد أنّني أؤمن بالنفوذ الأمريكي أكثر من أوباما».

يتشارك حلفاء أمريكا هذه الرؤية، فهم على دراية بالميزانية الأمريكية العملاقة، والقوة العسكرية التي بإمكانها حل مشاكلهم. إنّهم يؤمنون بشكلٍ براجماتي بما تؤمن به الولايات المتّحدة ـ نفسها ـ عن نفسِها بمثالية وتفاؤل؛ يؤمنون بأن الخير في سيادة الولايات المتّحدة؛ أنّ السيادة ينبغي أن تكون لها، وستكون لها في نهاية المطاف. يؤمنُ مجتمع السياسة الخارجية بأنّ مصلحة الشرق الأوسط تكمن في خضوعه للسلطة الأمريكية، وأن استقرار ما بعد الحرب الباردة لم يكن بسبب غياب الصراع بين القوى الكبرى، وإنما بسبب ترسيخ القوة الأمريكية وفرضها الاستقرار والفضيلة، وبالتالي فإن أية مشكلة في العالم ترجع إلى ارتخاء القبضة الأمريكية، والحل، دائمًا، في إحكام هذه القبضة.

لعقود، حاول صناع السياسة الخارجية الأمريكية ترسيخ هذه الأسطورة في وجدان حلفائهم. واليوم، ينفق حلفاؤهم الكثير من الأموال، لإقناعهم بهذه الأسطورة. وبالتأكيد، يطرب الكثير من السياسيين الأمريكيين لسماع حلفائهم يرددون كلامهم من بعدهم، حتى، وربّما بالأخص، في تلك الأوقات التي تثبت فيها هذه الأسطورة، فشلها الذريع.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد