من يصنع أحداث التاريخ؟ هل هم القادة والرؤساء، أم المؤسسات والهيئات؟ هل يختلف الأمر حسب قوة شخصية القائد؟ وهل يتغير بتغير الزمان والمكان؟ الباحث الأمريكى دانيال بيمان، الأستاذ بجامعة جورج تاون، وكينيث مايكل بولاك، المحلل السابق بالمخابرات الأمريكية والخبير في الشؤون السياسية والعسكرية بالشرق الأوسط، كتبا مقالًا مشتركًا في مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، تناولا فيه هذه القضية بشيء من التفصيل.

واستهل الكاتبان مقالهما بالإشارة إلى أن «العادة جرت بأن يُحكى التاريخ في صورة قصص الرجال العظماء. فلقد كان القادة أمثال يوليوس قيصر، وفريدريك ذا جريت، وجورج واشنطن، ونابليون بونابرت، وأدولف هتلر، وماو تسي تونغ، يقودون مجريات الأحداث. ولكن بعد ذلك أصبح من المألوف سرد القصص نفسها من وجهة نظر مؤسسات وهيئات أكبر، تراعي الحسابات الوطنية، أو المصالح الاقتصادية، أو الأفكار الأيديولوجية. وأصبح محور الاهتمام لا يتركز على الرجال أو النساء العظماء، ولكن على الدول والكيانات والقوى العظمى».

في كتابه الصادر عام 1959 الذي جاء بعنوان الرجل والدولة والحرب، وضع العالم السياسي «كينيث والتز» حجر الأساس لهذا النهج الجديد. وأوضح أن «التركيز على دراسة القادة الأفراد ليس له جدوى كبيرة عندما يتعلق الأمر بفهم السياسة العالمية».

ويضيف المقال أنه «في الوقت الذي يبدو فيه أن الكيانات الكبرى تضع الأطر للعالم الذي نعيش فيه، قد يبدو هذا التحيز ضد الفرد مُبررًا. فالاقتصاد والتكنولوجيا والسياسة تتغير جميعها بطرق لم يكن من الممكن تصورها قبل عقود فقط. ولقد أدت ثورة المعلومات إلى بروز الفرد ذي الصلاحيات الفائقة، والدولة ذات القوة الفائقة، ووضعتهما ضد بعضهما البعض. وفي الوقت نفسه أُعيد توزيع القوة في جميع أنحاء العالم؛ مما فتح المجال أمام تعددية أقطاب غير مسبوقة. وهذه هي الوحوش المجهولة الهوية التي تعيث اليوم في الأرض فسادًا».

مترجم: من صدام حسين إلى القذافي.. الأسباب النفسية وراء أفعال الطغاة

الثوريون

وتوجه الكاتبان للحديث عن «الحاكم الفعلي للمملكة العربية السعودية، وهو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي يعتبر المثال الأكثر وضوحًا لزعيم يتحدى ضغوط السياسة الداخلية والظروف الدولية على حد سواء. وعلى مدى عقود بدأت حركة التغيير في السعودية بوتيرة فاترة. وكان حُكْم الزعماء السعوديين قائمًا على الجماعية، لضمان قبول جميع التغييرات السياسية من قِبل جميع فروع العائلة المالكة والمؤسسة الدينية».

ويتابع المقال: «ثم ظهر ابن سلمان، وقد ارتبط اسمه برفع مستوى الاقتصاد والمجتمع في السعودية – وليس نظامها السياسي بالطبع – وقد بدأ في علمنة المجتمع السعودي وإصلاح النظام التعليمي التقليدي في المملكة وإصلاح اقتصادها المتعثر. وقد تحدى منطق الإحجام عن المخاطرة في السياسة السعودية، ويراهن في كل شيء على إصلاحاته بعيدة المدى».

في السياسة الخارجية رسم ابن سلمان مسارًا مختلفًا تمامًا؛ حيث «احتجز رئيس الوزراء اللبناني رهينة لإجباره على الاستقالة، وتدخل في الحرب الأهلية اليمنية، وعزل قطر، وقتل المعارض السعودي جمال خاشقجي في تركيا وتودد إلى الصين وروسيا وهدد بالحصول على أسلحة نووية، وشكَّل تحالفًا ضمنيًا مع الإسرائيليين على حساب الفلسطينيين، وكل ذلك مثَّل خروجًا مدهشًا عن السياسة السابقة». ويعلق الكاتبان على ذلك بقولهما: «إن مثل هؤلاء الثوريين من البداية إلى النهاية قليلون، ويظهرون على فترات بعيدة. ولكن عندما يظهرون فهم قادرون على التطوير والتغيير».

صناع القرار

في منطقة الخليج يُعد أكبر منافس لابن سلمان نوعًا مختلفًا تمامًا من الزعماء، ولكنه أيضًا ذو تأثير كبير؛ إنه «علي خامنئي»، المرشد الأعلى لإيران. وأشار المقال إلى مفارقة لافتة بين الرجلين، ففي الوقت الذي «يتحدى فيه ابن سلمان قوى عديدة لتطبيق سياسته الداخلية للمملكة، وتغيير سياستها الخارجية التقليدية، فإن خامنئي يقف في مفترق طرق بين الضغوط الدولية والمحلية المتداخلة بشأن إيران، ويدير مجريات الأمور بالشكل الذي يراه مناسبًا».

وتابع المقال بأنه «إذا كان خامنئي هو المثال الأكثر وضوحًا على القائد الذي يضع الاختيار النهائي للتيار الذي يجب أن يقود عندما تتصارع القوى غير الشخصية، فهو الوحيد تقريبًا في هذا الشأن. وفي ظروف مختلفة تلعب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل نفس الدور».

 

الناجون

وانتقل المقال للحديث عن نماذج أخرى، مثل بشار الأسد، ونيكولاس مادورو، «فعندما يتعلق الأمر بالرئيس السوري والرئيس الفنزويلي، تجد أن هناك الكثير من الناس الذين يريدون إقصاءهم من سدَّة الحكم، إن لم يصل الأمر إلى حد قتلهم. ومع ذلك أضر بقاؤهم على قيد الحياة، وفي مناصبهم بمصالح بلدانهم».

وأضاف المقال أن «سوريا، وفنزويلا، دولتان بائستان، وتعجان بالصراعات الداخلية، وتعانيان من المجاعة، وتتخليان عن اللاجئين بأعداد مهولة، وتواجهان قوى خارجية مختلفة. لقد عانى كلاهما من انهيار مروع في سياستهما الداخلية، ولكن في كلتا الحالتين كانت هناك إصلاحات يمكن إجراؤها منذ فترة طويلة لإنهاء ذلك البؤس».

وتابع «قد يسخر البعض من هذه الفكرة، بدعوى أن مصالح بعض الكيانات والقوى الكبرى، مثل السياسة الداخلية المستبدة في بلد عاني من الحرب الأهلية ورغبة النظام في الاستمرار، تجعل تنحي أي قائد في مثل هذه المواقف أمرًا مستحيلًا. ومع ذلك يجدر بنا أن نتذكر أن رئيس جنوب أفريقيا الأسبق فريديريك ويليم دي كليرك قد فعل ذلك؛ حيث قام بتفكيك نظام التمييز العنصري، وسمح بإجراء انتخابات حرة في عام 1994، وسلم السلطة عندما خسر هذه الانتخابات. وأدرك ضرورة تجنب الحرب الأهلية في جنوب أفريقيا، وإتاحة الفرصة لبلاده كي تتقدم نحو مصاف الدول المتحضرة».

الانتهازيون

«الحظ يحالف أصحاب الجرأة في الغالب، فبعض القادة ماهرون في اغتنام الفرص عند ظهورها». بحسب رأي الكاتبين. يجسد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كيف يمكن لزعيم أن يحوِّل موقفًا ضعيفًا نسبيًا إلى موقف أقوى بكثير. ففي عام 1999 حل بوتين محل سيرجي ستيفاشين رئيسًا لوزراء روسيا؛ ليصبح بذلك خامس شخص يشغل هذا المنصب خلال عامين. ولم يتوقع الكثيرون من هذا النظام الروسي أن يجري تغييرات شاملة، ولكن في غضون أسابيع استغل بوتين العنف الحاصل في الشيشان لتجديد دماء الحرب هناك؛ ليدخل في مقامرة مفادها أن شن حرب واسعة ستؤدي إلى زيادة شعبيته.

روسيا بوتين

المغرورون

«أنا الدولة والدولة أنا»، كلمات غالبًا ما تُنسب إلى الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، وقد تبدو وكأنها تعكس عصرًا قد ولى زمنه، عندما كان الغرض من الدولة أن تعكس مجد شخص أوحد. يضيف المقال أن «الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي سيطر على سياسة بلاده منذ ما يقرب من عقدين من الزمان، يجسد كيف أن الغرور لا يزال قادرًا على تشكيل السياسة الخارجية».

وعلى مدى عقود اتبعت الحكومات التركية المتعاقبة سياسة حفظ التوازن بين مجموعة المصالح المعقدة في البلاد بطرق متشابهة إلى حد كبير، ومنها: محاولة الابتعاد عن مشاكل الشرق الأوسط، ومواءمة تركيا مع حلف الناتو والولايات المتحدة، وتصوير البلاد كدولة علمانية وغربية وتستحق العضوية في الاتحاد الأوروبي. وبحلول نهاية القرن الماضي بدا أن تركيا تسير في طريق النمو، وتصبح أكثر استقرارًا لأنها ابتعدت عن سيطرة العسكر المحلية. وظلت فترة طويلة تتودد إلى الغرب، وهي الآن على الطريق إلى الديمقراطية، وتحولت إلى دولة أوروبية طبيعية ذات مؤسسات قوية».

وينتقل المقال إلى ذكر نموذج آخر، «ففي بعض الأحيان، يستطيع المغرورن التعامل بعبثية وجر بلدانهم إلى كارثة محتومة. فقد حصل عيدي أمين، الذي استولى على السلطة في أوغندا عبر الانقلاب في عام 1971، على المزيد والمزيد من الألقاب بسبب ارتفاع درجة الغرور لديه، ليصبح في النهاية «فخامة الرئيس إلى الأبد، والمشير الحاج الدكتور عيدي أمين دادا، ورمز النصر، والحاصل على وسام أمر الخدمة المتميزة، ووسام الصليب العسكري، وقاهر الإمبراطورية البريطانية».

وعلى إثر هذا الواقع الغريب «تراجعت السياسة الخارجية لأوغندا بشكل كبير، فالدولة التي اتخذت موقفًا مؤيدًا للغرب وإسرائيل سرعان ما أقامت علاقة وثيقة مع الاتحاد السوفيتي، ومعمر القذافي في ليبيا، ودعمت الإرهابيين علانيةً. وعلى الصعيد الداخلي طرد أمين الأقلية الآسيوية في أوغندا، وقتل مئات الآلاف من المدنيين باستخدام الجماعات العرقية المتنافسة. ومع تقلص دائرة الدعم بشكل مطرد ألقى باللوم على تنزانيا في مشاكل بلده وقام بغزوها في عام 1978. وسريعًا قامت تنزانيا بهجوم مضاد؛ مما دفع أمين في نهاية الأمر إلى المنفى».

بين أيمن الظواهري ومحمد بن زايد

في بعض الأحيان يقود بعض القادة بلدانهم إلى التدهور، أو يتسببون في ذلك؛ مما يقلل من أداء تلك الدول دون داع لإصلاح نقاط الضعف لديها.

يقول الكاتبان: إنه «من الناحية النظرية، يتمتع أيمن الظواهري بسيرة ذاتية مثالية بأن يكون قياديًا ورئيسًا لجماعة. فبحسب ما أفاد الصحافي لورانس رايت، شكَّل الظواهري أول خلية مسلحة في عام 1966، عندما كان عمره 15 عامًا فقط، وذلك للتخطيط ضد نظام الحكم المصري. ثم قضى عدة سنوات في سجون مصر، وانتقل إلى باكستان لمساعدة الجهاد المقاوم للاتحاد السوفيتي في أفغانستان، وكان إلى جانب أسامة بن لادن في باكستان عندما تم تأسيس القاعدة في عام 1988. ولذا فعندما ألقت القوات الأمريكية القبض على ابن لادن في عام 2011، كان الظواهري خليفته البارز».

ويضيف المقال إنه «على النقيض من ذلك، بزع نجم قادة آخرين. وقد يكون أحدهم محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي والقائد الفعلي للإمارات. فقد عمل على إعادة تشكيل الشرق الأوسط؛ حيث ساعد في هندسة الانقلاب العسكري في مصر سنة 2013، وشن حربًا في اليمن ضد المتمردين الحوثيين، وخطط لفرض الحصار على قطر، ودعم أمراء الحرب في الحرب الأهلية الليبية التي تدق الآن على أبواب طرابلس. وفي منطقة تسودها الفوضى، تمكن من الاستفادة من ثروات بلاده ومهاراتها العسكرية لتحقيق الازدهار للإمارات»، بحسب رأي كاتبي المقال.

بين طغيان الأفراد وبيروقراطية المؤسسات

نقطة أخرى تطرق لها المقال، وهي أن «الأفراد لا يقومون بكل شيء بطبيعة الحال، وأنه ما تزال الدول لها مصالح وطنية وسياسة داخلية وبيروقراطية وغيرها من الأمور التي تلعب أدوارًا عميقة، بل شاملة، في تشكيل السياسة العامة. ومع ذلك فمن السهل استخدام مصطلحات مثل «المصالح الوطنية» و«السياسة الداخلية» و«البيروقراطية» لتبرير قرارات الرؤساء، دون إدراك كيف أن القادة يصنعون هذه العوامل، أو يلوون عنقها، أو يستغلونها، أو يتجاهلونها، أو يستسلمون لها».

وتابع المقال أنه «يجب النظر في كيفية تفاعل الأفراد مع المؤسسات. فإذا كان ابن سلمان قد وصل إلى السلطة بطريقة ما في السعودية وكانت المملكة ديمقراطية ليبرالية ناضجة، على سبيل المثال: لكان بلا شك قد واجه صعوبة في إعادة توجيه بلاده بشكل أساسي. أما في الأنظمة الاستبدادية، التي تفتقر إلى الضوابط والتوازنات الديمقراطية، فمن السهل بشكل خاص على الزعماء السيطرة على صنع السياسات».

واستدرك الكاتبان «لكن الأنظمة الاستبدادية يمكن أن تنتج أيضًا قادة ضعفاء يعكسون فقط دوافع البيروقراطيات، أو الجيوش، أو النخب الحاكمة في بلادهم. وقد ظل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في السلطة لسنوات، على الرغم من أنه كان في غيبوبة تقريبًا، وكان بمثابة واجهة للنخبة السياسية في البلاد حتى تنحى عن عمر يناهز 82 عامًا. وفي الوقت نفسه يمكن لأمثال بوتين، أو أردوغان، أن يتحولوا إلى نظام أكثر تعددية، ويثبتوها حسب إرادتهم».

في الولايات المتحدة أيضًا، يقول الكاتبان: «على طريقته الخاصة، كشف ترامب عن مدى ضعف العمل المؤسسي. وسخر ترامب من مؤسسات الدولة وأفسدها، إلى حد كبير بسبب غروره وتحامله عليها. نعم، لقد أنقذت البيروقراطية الأمريكية هذا الرئيس من بعض أسوأ غرائزه، مثلما حدث عند إعلانه عن سحب القوات من سوريا، والانسحاب من حلف الناتو».

ومع ذلك – يقول الكاتبان – «وعلى عكس نصائح مَن عيَّنوه ومبادئ حزبه ومصالحه السياسية الخاصة كذلك، فإن ترامب قد غير بشكل كبير مسار السياسة الخارجية للولايات المتحدة. فرفض اتفاق باريس بشأن المناخ، والشراكة عبر المحيط الهادئ، وابتعد عن الاتفاق النووي الإيراني، ورفع الرسوم الجمركية على الصين، واعتمد على مرشحي اليمين المتطرف في الانتخابات الأوروبية، ونقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس».

وفي الداخل «كشف ترامب أن العديد من التقاليد المفترضة للسياسة الأمريكية – مثل رفض توظيف الأقارب، والتظاهر بالانزعاج من الفساد، والكشف عن الأنشطة المالية الشخصية، وعدم التهديد بالقبض على الخصوم السياسيين، وإشغال المناصب الوزارية المهمة على الفور – تقف عاجزة أمام هذه الكراهية المدمرة. وقد تميزت فترة ولايته بالطيش والفوضى، ومع كل ذلك لا يبدو أنها مؤامرة حِيكت بشكل جيد».

واختتم الكاتبان مقالهما بتأكيدهما أنه «بمجرد أن يُؤخذ دور الأفراد في الاعتبار، تصبح السياسة أقل تأكيدًا، وأكثر عرضًا للنماذج البسيطة للعلاقات الدولية. وفي الظروف الطبيعية، يجب أن تكون هذه الرؤية حذرة؛ حيث يمكن لرجل أو امرأة في المكان الخطأ، وفي الوقت الخطأ، وضع بلد ما على مسار خطير. وفي الأوقات الصعبة يمكن أن يكون الإيمان بقوة الأفراد بمثابة مصدر للأمل. لأنه على الرغم من أن القادة يمكنهم أن يجعلوا العالم أكثر دهاءً، يمكنهم أيضًا أن يجعلوه أكثر أمانًا وازدهارًا. ويعني هذا في النظام الديمقراطي على الأقل، أنه على الرغم من أن اختيار القادة مهمة مرهقة، فإنها أيضًا مهمة يجب على الجميع الترحيب بها». 

مترجم: من نيرون حتى بن لادن.. لماذا أحب الطغاة كتابة الشعر؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد