طالما عانت النساء من مفاهيم الآخرين لما تعنيه «الأمومة الجيدة»، ووقعن فريسة للشعور بالتقصير، وغمرهن الشعور بالذنب في حال لم يتوافقن مع ما تنطوي عليه هذه المفاهيم التي تتغير باستمرار.

تستعرض الكاتبة والخبيرة الاستشارية ماري بيث فيرانتي في مقالٍ لها في مجلة «فوربس»، معاناة الأمهات العاملات التي يسببها مصطلح «الأمومة المركزة»، الذي ظهر في الآونة الأخيرة، وتدحض بعض المفاهيم المغلوطة التي أسسها هذا المفهوم.

وهم الموازنة بين الأمومة والعمل

تشير الكاتبة إلى أنها آمنت دائمًا بأن «التوازن» هو أسوأ كلمة لوصف العلاقة التي ننشدها بين العمل والحياة (تربية الأطفال). فالأمر وفقًا لها، كما لو أنه يفترض بنا أن نحقق بعض ذلك التوازن السعيد، وإن لم تتسق الموازين على الوجه الأكمل، نكون قد أخفقنا بشكل أو بآخر.

وتوضح الكاتبة أن هذا هو السبب الذي يدفع كثيرًا من الأمهات اللواتي يعملن معها إلى قول أشياء مثل: «أشعر وكأنني أفشل في كلا الجانبين».

وبحسب الكاتبة، لا يوجد جانبان في الواقع، بل جوانب عدة. لذا فهي تميل إلى التفكير في ثنائية العمل وتربية الأطفال بوصفها شبكة أو تقاطعًا يوجد فيه كل جانب من هذين الجانبين، ضمن سلسلة متصلة الحلقات ينوب بعضها عن بعض خلال يومها.

الأمومة

ولتوضيح مقصدها، تستعين بأحد المواقف التي تتجلى فيها عملية التبادل هذه، فقد يسهل عليها أن تمضي عشر دقائق على الهاتف تتحدث إلى طبيب ابنتها، لتنخرط بعدها في مقابلة مع أحد العملاء، دون أن تنال قسطًا من الراحة. ولكن نظرًا إلى أنها أم عاملة، فهي تتعامل مع التكامل بين العمل والحياة بجدية أكثر من اللازم.

وتروي الكاتبة أنها بينما كانت تقضي الوقت مع بناتها، تفقدت بريدها الإلكتروني مرات عدة لا يمكن إحصاؤها. وتتذكر إحدى تلك المرات التي كانت منكبة فيها على هاتفها تنقر بسرعة على أزراره، عندما أمسكت ابنتها بوجهها ووجهته نحوها كي تتمكن من أن تخبرها بشيء ما.

إذ كانت الابنة تحاول أن تجذب انتباهها لبضع دقائق. لكن الكاتبة كانت منهمكة في العمل (أو من المحتمل أنها كانت تتفقد إنستجرام) ما منعها من ملاحظة ذلك. كانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها ماري فجأة أنها بالرغم من حضورها الجسدي حينها، لم تكن تقضي وقتًا مميزًا مع أطفالها.

ما فعله مصطلح «الأمومة المركزة» بالأمهات

تشير ماري إلى مفارقة أن الآباء والأمهات الأمريكيين يقضون وقتًا أطول مع أطفالهم مقارنة بالوقت الذي كانوا يقضونه معهم منذ منتصف الستينيات.

وتوضح أنه بالنسبة إلى بعض الناس، ما زال ذلك لا يبدو جيدًا بدرجة كافية؛ إذ يمكن إلقاء اللوم في ذلك على التحولات الثقافية والاتجاهات في أساليب التربية، كاتجاه «الأمومة المركزة»، مقترنة بالشعور بالذنب الناتج عن كونهن أمهات عاملات.

إذ إن أنصار «الأمومة المركزة» يدعمون المعتقدات التي رفعت من المعايير اللازمة، وهي المعايير التي تعرف الأم الجيدة خلال العقود الأخيرة.

فالفكرة التي تفيد بأن الوقت الذي تقضيه الأمهات مع أطفالهن مقدسًا ولا يمكن تعويضه، أدت إلى تقليص الأمهات الوقت المخصص لنومهن، والوقت المخصص لأنفسهن؛ كي يجودن على أطفالهن بمزيد من الوقت والاهتمام. ولا عجب في أن الباحثين يرون أن الأمهات الأمريكيات يجدن صعوبة أكبر في النجاح في التوفيق بين العمل والحياة الأسرية.

يجب علينا نحن الآباء التغلب على قلقنا إزاء كوننا لا نؤدي واجبنا على أكمل وجه. وما يهم حقًّا أن نخلق شعورًا بالأمان، ومساعدة الأطفال على الحصول على الثقة اللازمة لتجربة أشياء بعينها.

وتشير الكاتبة إلى أن الأمهات بطبيعتهن – وهي من ضمنهن- يحاولن عادة القيام بأفضل الأشياء لأطفالهن، ومن ثم تولي الأمهات أهمية قصوى – وتعبيرًا عن حبهن- لتحفيز أطفالهن وتشاركهن في دروس التقوية، والألعاب الرياضية، ودروس الرقص. فهي على أي حال، وفقًا للكاتبة، تعود عليهم بالفائدة، أليس كذلك؟

تطيح الكاتبة بهذا التصور، إذ تجيب بأن ذلك ليس صحيحًا بالضرورة. فوفقًا لبولا بلوم، الطبيبة المتدربة في مجال علم النفس الإكلينيكي، «يجب علينا نحن الآباء التغلب على قلقنا إزاء كوننا لا نؤدي واجبنا على أكمل وجه. وما يهم حقًّا أن نخلق شعورًا بالأمان، ومساعدة الأطفال على الحصول على الثقة اللازمة لتجربة أشياء بعينها».

ومن المستغرب، وفقًا للكاتبة، أن الحياة اليومية وحرصنا على الاستفادة القصوى من اللحظات المهمة على مدار اليوم، يتيحا لنا كل الوقت المميز الذي نحتاجه كي نتواصل مع أطفالنا.

قد يبدو أن الرأي السابق الذي عرضته الكاتبة يخالف ما يعتقده الجميع، إلا أنه وفقًا لدراسة نُشرت عام 2015 في مجلة «الزواج والشراكة الأسرية»، لا تؤثر المدة الزمنية التي تقضيها الأمهات مع أطفالهن على الحصيلة السلوكية والعاطفية لدى الأطفال الأصغر سنًّا.

وترى الكاتبة أن ما يهم حقًّا ليس مقدار الوقت بل جودته. ففي واقع الأمر، تسببت الأمهات اللاتي أمضين الوقت مع أطفالهن بينما كانوا منهكين ومحملين بالشعور بالذنب، ومحرومين من النوم، في إلحاق ضرر بأطفالهن أكثر من النفع من وراء ذلك.

معاناة حقيقية

وتعلق الكاتبة، بحكم تجربتها الشخصية، بأنها كانت تحاول بحسن نية أن تقضي مزيدًا من الوقت مع أطفالها بينما تحاول فعل كل شيء آخر، لتكتشف آنذاك أنها لم تكن في حقيقة الأمر سوى جسد آخر في الغرفة.

والأسوأ من كل ذلك أن ابنتها كانت على دراية تامة بأنها لم تكن حاضرة، ولكنها كانت مضطرة إلى الوجود. ودَّت ماري أن تكون موجودة في حال حدوث أي شيء مهم لم يحدث من قبل.

فقد أرادت أن تشهد على كل لحظة ربما تفوتها في حال لم تكن هناك فعليًا، لكن المفارقة تكمن في أنها كانت هناك، ولكنها فوتت تلك اللحظات رغم ذلك.

تندرج الأمهات العاملات ضمن فئة قائمة بذاتها عندما يتعلق الأمر بمصطلح «FOMO» أو «الخوف من أن يفوتك شيء». ولا سيما أن لاعبة التنس الأمريكية سيرينا ويليامز عبرت عن الشعور بالذنب الذي خالجها عندما فوتت خطوات ابنتها الأولى، ومن المفهوم، بحسب الكاتبة، أن فكرة أن أطفالنا يفعلون شيئًا رائعًا (أو شيئًا للمرة الأولى) بدوننا، تعج بالعاطفة.

8 سلوكيات شائعة تؤذي الأمهات بها أطفالهن دون أن تشعرن

يصحح المقال هذا المفهوم بإدراك الحقائق؛ فأطفالنا سيحظون بعمر كامل من اللحظات التي لن نعرف عنها شيئًا، ولكن إن جعلنا تركيزنا منصبًا على قضاء وقت مميز نتواصل فيه حقًا معهم، سيتسنى لنا سماع تفاصيل كل تلك اللحظات.

وعندما يتعلق الأمر بالتطورات التي تطرأ على الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، ترفع الكاتبة شعارًا يبدو مقنعًا: «لم يحدث الأمر حقًا حتى أراه».

تؤكد ماري أن سلوكها لم يشهد تغيرًا جذريًّا، فهي ما تزال تتفقد بريدها الإلكتروني من وقتٍ لآخر خلال الوقت المخصص للأسرة، لكنها تحسن من أدائها. فبعد لحظة التجلي التي حظيت بها في السابق، أدركت كم من الاهتمام يعيرها أولادها.

وفي المقابل ترى أن حضورها التام، وغير المجزأ سيكون أعظم هدية بإمكانها أن تمنحهم إياها. وها هي تستعرض ثلاثة أساليب تستخدمها لتركز وقتها مع أسرتها:

1) افصلي

تشير الكاتبة إلى أن الأجهزة تشوش كثيرًا بشكل أو بآخر على اللحظات المليئة بالمرح التي تقضينها مع أولادك. وتنصح الأمهات بأن يكرسن مدة زمنية يشعرن فيها بالراحة حيال إطفاء الحاسوب. وتنصح الأمهات بإيقاف إشعارات الأحداث الجديدة والبريد الإلكتروني، وإن أمكن وضع الهاتف جانبًا في درج أو علبة. وتُقول أيضًا إن الأمهات قد يحرزن نقاطًا إضافية في حال تشاركت الأسرة كلها في هذا الفعل معًا! 

2) إخطار الأشخاص المهمين.. مرة واحدة

تعتقد ماري أنها طالما شعرت بأنها تناضل تحت وطأة العمل؛ والسبب أنها عززت مركزها بصفتها شخصًا سريع الاستجابة على الدوام، وعليه كانت تظهر إخلاصها للعمل. بيد أن هذا التوقع كان شيئًا من صنعها.

لذا فقد أطلعت الأشخاص المهمين في عملها أنها لن تكون متاحة منذ السادسة وإلى الثامنة مساءً. وفي حال كانوا في حاجة ماسة إليها، فكل ما عليهم هو أن يهاتفوها. عدا ذلك، ستتفقد إشعاراتها ثانية بعد وقت النوم.

وتؤكد الكاتبة أن سبيل النجاح في فعل ذلك يكمن في ألا تواصلي ذكر الأمر. فبمجرد أن تضعي الحدود، عززيها من خلال تمسكك بها بالفعل. ليست هناك حاجة لأن تُذكري فريقك أو مديرك أو عملاءك بهذه الحدود كل يوم. التزمي فقط بها.

3) تنفسي

ويشير المقال إلى أن الحضور يستدعي قدرًا كبيرًا من التدرب. فقد ينشغل عقلك عند تخيله للكيفية التي ستفوزين بها بعميل جديد في اليوم التالي. ولكن في الوقت الراهن، تنصحك الكاتبة بأن تبقي ناظرك على قطع المكعبات التي يلعب بها الأطفال وأن تحافظي على تركيزك.

وعندما يتحول عقلك حتمًا إلى العمل، خذي بعض الأنفاس العميقة المطهرة، بل حاولي أن تشركي أطفالك في هذه العملية، وتنفسوا بعمق معًا. وتؤكد الكاتبة أن لا شيء يضاهي الممارسة التأملية «مانترا أوم» في المنزل.

وتختتم ماري مقالها بقولها إن قضاء وقت مميز مع أولادنا واحتضاننا لعالمهم يعزز من شعورهم بالأمان، ويزيد من سعادتهم. وتؤكد أننا كلما التزمنا بأن نكون حاضرين وضاعفنا من أي قدر من الوقت الذي نقضيه معهم، كان من السهل علينا أن نُشغل أجهزتنا ونعود إلى العمل، ونشعر بالرضا حيال ذلك.

«الأمومة ليست سهلة».. 20 تطبيقًا لا يجب على أي أُم الاستغناء عنها

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
s