مع استمرار الصراعات في الشرق الأوسط وتصاعدها، بداية من «داعش» والجماعات المسلحة التي ترفع شعار الشريعة، وصولًا إلى اللاجئين السوريين، هناك انقسام حاد بين المسلمين بشأن طبيعة العلاقة بين تعاليم الإسلام وقوانين الحكومات.

في دراسة مسحية لمركز «بيو» للدراسات  pewglobal، بالتعاون مع مركز «برينستون للدراسات المسحية الدولية» وتحت إشرافه، أجريت الدراسة المسحية على عينة 10194 شخص، في 10 بلدان إسلامية، من بينها 4 هي الأكثر من  حيث عدد المسلمين في العالم، وذلك في الفترة من 5 أبريل حتى 21 مايو 2015، وذلك حسب ما ذكرته منهجية الدراسة. وتمت الدراسة بناء على المقابلات المباشرة.

وجدت الدراسة أن هناك تباينًا ملحوظًا وشاسعًا في الرؤى حول ضرورة تأثر القوانين المحلية بتعاليم القرآن، وإلى أي مدى ينبغي أن تتأثر بالقرآن.

يعرض الرسم التالي نسب آراء ثلاث:  من يعتقدون بوجوب خضوع القوانين المحلية للقرآن بحزم، ومن يعتقدون بوجوب تأثر القوانين بمبادئ القرآن فقط، ومن يعتقدون بوجوب خروج القرآن والدين من عملية وضع القانون المحلي تمامًا.

 


يوضح الرسم أن أكثر من نصف السكان في أربعة بلدان يرون وجوب خضوع القوانين المحلية لتعاليم القرآن، يذكر أن تلك البلاد هي «باكستان، والأراضي الفلسطينية، والأردن، وماليزيا، والسنغال»؛ حيث يشكل المسلمون الأغلبية من سكان تلك البلاد.

على سبيل المثال، في نيجيريا، يعتقد 42% من السكان أن القوانين المحلية يجب ألا تتأثر بالقران إطلاقا، بينما على النقيض يعتقد 27% أن القوانين يجب أن تتبع تعاليم القرآن بشدة.

نتائج الدراسة تشمل الكثافة السكانية في البلاد المذكورة، بما فيها نتائج غير المسلمين، ما لم يذكر خلاف ذلك. تتباين نسب المسلمين في تلك البلدان، فبعضها تقريبًا كل السكان مسلمون، كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية وباكستان، وغيرها نصف سكانها تقريبا من المسلمين، كما هو الحال في نيجيريا.

بلاد حيث الأغلبية تؤيد خضوع القوانين للقرآن


توصلت الدراسة إلى أنه في الدول الأربع، حيث المسلمون هم الأغلبية العظمى، فإن نصف السكان، أو يزيد، يرون ضرورة استناد القوانين المحلية لتعاليم القرآن استنادًا حازمًا. على سبيل المثال في باكستان، وهي أحد الدول ذات الغالبية العظمى من المسلمين، وأحد الجمهوريات الإسلامية الأربع في العالم، حوالي 78% يرون وجوب استناد القوانين على تعاليم الإسلام بحزم.

وفي الأراضي الفلسطينية، يرى 65% من السكان وجوب تأثر القوانين بتعاليم القرآن. كما ذكرت الدراسة أن أعداد الفلسطينيين المؤيدين لذلك قد زاد عنه في عام 2011؛ إذ 36% فقط من السكان كانوا يعتقدون في وجوب ذلك.

أما في الأردن، نجد أن 54% يتفقون مع هذا الرأي، بينما يرى 38% أن القوانين في الأردن يجب أن تتبع مبادئ الإسلام فقط، وليس الخضوع لكل تعاليم الدين الإسلامي، بينما يعتقد 7% فقط من السكان أنه يجب ألا تتأثر القوانين بالقرأن بأي حال من الأحوال، وكما ذكرت الدراسة فإنه على العكس من الأراضي الفلسطينية، انخفضت عدد من يعتقدون بوجوب اتباع القوانين المحلية للقرآن عنها في 2012 بنسبة 18 %.


في ماليزيا، يفضل حوالي 52% من السكان خضوع القوانين بحزم لتعاليم القرآن. في حين أن حوالي 78% من المسلمين في ماليزيا يؤيدون ذلك، ربما ما يدعو للاندهاش هو أن حوالي 5% من البوذيين يؤيدون ذلك. يذكر أن حوالي 38% من الأقلية البوذية في ماليزيا، تفضل عدم تأثر القوانين بالقرآن بأي شكل من الأشكال، وتوجد نسبة مساوية 37% من البوذيين لا ينحازون لأي فريق.

أما في السنغال فيبدو أن الانقسام شديد. هناك حوالي 49% من السكان يرون ضرورة اتباع القوانين لتعاليم القرآن، بينما نسبة مساوية تقريبًا تخالف ذلك 46%. حوالي 30 يرون تأثر القوانين بالقرآن يجب ألا يتجاوز التأثر بمبادئه فقط، ونسبة 16% ترى وجوب عدم تأثره به على الإطلاق.

في «نيجيريا»، يعتقد 27 % من السكان بوجوب خضوع القوانين لتعاليم القرآن، بينما يرى 17 % ضرورة تأثر القوانين بمبادئ القرآن. بينما الأغلبية 42% ترى ضرورة عدم تأثر القوانين بتعاليم القرآن على الإطلاق. وفي نفس السياق، ربما لا تدعو تلك النسب للاندهاش؛ نظرًا لأن نسبة كبيرة من المسلمين النيجيريين 52% يفضلون التفسيرات المتشددة للقرآن، فنجد في المقابل نسبة 64% من المسيحين في «النيجر» يرفضون أي تأثر للقوانين بالقرآن.

«إن أغلبية المتعلمين – ثانوي أو تعليم عالي – في تلك الدول توجهاتهم علمانية»

بلاد ترى الأغلبية فيها ضرورة تأثر القوانين بمبادئ القرآن فقط

في مجموعة أخرى من البلاد التي شملها المسح، تميل توجهات السكان أكثر للعلمانية. ففي «إندونيسيا ولبنان وتركيا وبوركينا فاسو» تصل نسبة مَن يرون ضرورة عدم تأثر القانون بالقرآن بأي شكل إلى الثلثين أو تزيد. على الأرجح يرجع ذلك إلى الانقسام الديني الشديد في تلك البلاد، مثل «لبنان وبوركينا فاسو بالتحديد».

على سبيل المثال، في لبنان تبلغ نسبة المسيحيين 59% من السكان، وبالطبع يؤيدون فكرة خروج القرآن من عملية وضع القانون تمامًا.

أما المسلمون السنة ينقسمون إلى فئتين، فئة تبلغ نسبتها 37% من المسلمين وتؤيد الرأي السابق، وهناك حوالي 34% من المسلمين السنة يرون وجوب انعكاس مبادئ القرآن على القانون المحلي.

بالإضافة إلى أن هناك نسبة 56% من الشيعة في لبنان تعتقد بضرورة بناء القوانين على مبادئ القرآن فقط.

أي أن ربع اللبنانيين فقط يرون ضرورة اتباع القوانين القرآن بحزم، وربما يكون ذلك انعكاسًا لتنوع تركيب الطوائف الدينية والعرقية في لبنان، والذي انعكس بالضرورة على القانون؛ إذ منح كل الطوائف الدينية حق إبداء الرأي في السياسات الداخلية والمحلية.

فضلًا عن اختلاف النسبة في المراحل العمرية، إذ نجد أن ـ تقريبًا ـ نصف الشباب اللبناني بين أعمار 18 و 28 يؤيدون خروج القرآن من عملية وضع القانون المحلى تمامًا، بينما يختلف الحال في المراحل الأكبر سنًا؛ إذ يرحب 35% من اللبنانيين في عمر الـ 50 بتأثر القانون بمبادئ القرآن.

أما في تركيا، والتي تأُسست في 1923 كبلد ديموقراطي علماني، يرى36% من السكان ضرورة عدم تأثر القانون بالقرآن أو الإسلام، وذلك مقارنة بـ 27 % أيدوا ذلك في عام 2012. فالآراء حول تلك القضية يحركها ـ بشكل جزئي ـ السن، ومدى التزام الفرد بالإسلام.

تذكر الدراسة أن المسلمين الأتراك الذين يصلون 5 مرات في اليوم أو أكثر هم أقرب لاتجاه تأثر القانون بالقرآن، ونسبتهم 32%، في حين هناك 9% فقط ممن لا يؤدون الصلوات الخمس يؤيدون هذا الرأي. وبشكل عام، نجد أن الشباب وصغار السن على الأرجح لا يؤيدون خضوع القانون للقرآن بشدة.

وفي «بوركينا فاسو»، ترى الغالبية 60% من السكان ضرورة عدم تأثر القانون بالقرآن إطلاقًا. بينما يعتقد 27% من السكان بأهمية تأثر القانون بمبادئ الإسلام، وعلى الأرجح فإن المسيحيين، وتبلغ نسبتهم 77% من السكان هم أقرب لعدم تدخل القرآن في القانون المحلى بأي حال من الأحوال.

هل يؤثر مستوى التعليم على توجهات الناس؟



من المعقول أن تختلف نسب من يؤيدون تأثر القانون بالقرآن بناء على اختلاف دين السكان؛ فالمسيحي قد لا يقبل بتأثر القانون في بلده بالقرآن. لكن السؤال هنا هل يؤثر المستوى التعليمي في رأي السكان المسلمين أنفسهم في مدى قبولهم تأثر القانون المحلى بالقرآن؟

تذكر الدراسة أنه في 6 دول من بين العشرة التي أجريت فيها الدراسة، يميل الحاصلون على التعليم الثانوي والعالي إلى ضرورة عدم تأثر القوانين بالقرآن، بخلاف قرنائهم الحاصلين على تعليم أقل من الثانوي. على سبيل المثال، ترى نسبة 48% من النيجيريين الحاصلين على تعليم ثانوي أو عال ضرورة عدم تأثر القوانين بالقران، في المقابل يتفق 29% فقط من أصحاب التعليم أقل من الثانوي مع ذلك.

في ضوء ذلك، نجد أن أغلبية المتعلمين لديهم توجهات علمانية في هذه القضية.


هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد