بحسب ما ذكرته تقارير استخباراتية مسربة، فإن أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، شرع في تفويض سلطاته داخل التنظيم تحسبًا لوفاته. من شأن ذلك أن يثير بعض التساؤلات في الوقت الراهن.

 

  • هل يمكن أن يكون لديك خلافة دون خليفة؟
  • ماذا سيحل بتنظيم الدولة إذا قتل البغدادي؟
  • ماذا سيتعين على الولايات المتحدة وحلفائها القيام به لاستهداف البغدادي وقتله؟

 

تبدو الإجابات صعبة. انطلاقًا من الفكر الدستوري السني الكلاسيكي، ربما يفوض الخليفة سلطته في الواقع في الوقت الذي يبقى فيه خليفة كما هو. ومع ذلك، فإن الفصل بين دور الخليفة والقيادة العسكرية الفعلية، وهي السمة المميزة لكثير من التاريخ الإسلامي الفعلي، سيظل لعنة على مفهوم المدينة الفاضلة الإسلامية التي يحاول أن يحققها التنظيم السني المتشدد. وبالتالي فإن فقدان الخليفة سيكون انتكاسة كبيرة لجهود استقطاب المزيد من العناصر في الخارج.

الكلمة العربية “الخليفة”، تعني في الواقع المندوب. جمع الخلفاء الأربعة الأوائل بعد النبي محمد، والذين أطلق عليهم السنة “المهديين”، بين السلطة السياسية والدينية، تمامًا مثل النبي. ويمثل عصرهم – بجانب عصر النبوة ذاته – النموذج الذي يدعي تنظيم الدولة أنه يسير على دربه في الحكم.

ومع ذلك، انقسم المجتمع الإسلامي على مدار تاريخه، وفي نهاية المطاف، انقسم موقف الخليفة كمثال للسلطة الموحدة هو الآخر.

سلسلة من القبائل الغازية غير العربية جاءت للسيطرة على الخلافة، ومن ثم على مقرها في بغداد. وفقًا للتقاليد الإسلامية الناشئة، يتحتم على المرشح للخلافة تلبية معايير معينة، بما في ذلك أن يكون منتسبًا لقبيلة قريش العربية. رجال القبائل غير العربية من المناطق التركية في آسيا الوسطى لا يمكن الجزم بأصلهم العربي. وبالتالي، فإنهم لا يمكنهم أن يغتصبوا الخلافة.

كان الحل الخلاق من قبل علماء الفكر الدستوري الإسلامي هو أن الخليفة ربما يبقى خليفة في الاسم، ولكنه سيفوض – متطوعًا – السلطة الدنيوية للحكم إلى “السلطان” أو الحاكم، الذي لم يكن هناك حاجة إلى أن يكون عربيًا أو قرشيًا. وهكذا يمكن للفاتحين أن يحكموا في مقابل وعد بإنفاذ الشريعة الإسلامية التي تمثل أهمية قصوى للعلماء.

وكانت النتيجة أن الخليفة لم يعد الحاكم الفعلي، ولكن مجرد رمز ديني. بقي هذا هو الحال في غالبية العصور الوسطى، حتى استعاد السلاطين العثمانيين الخلافة مع بعض الأنساب المشكوك فيها.

للتاريخ أهمية هنا، خاصة وأن تنظيم الدولة الإسلامية يتكئ على مفهوم إحياء الخلافة الإسلامية، التي أنهاها كمال أتاتورك بعد وقت قصير من الحرب العالمية الأولى وخلع آخر الخلفاء العثمانيين، باعتباره أحد الأركان الأساسية التي نشأ عليها التنظيم. البغدادي يدعي أنه الحاكم الفعلي وينحدر من سلالة قريش، فضلًا عن كونه عالمًا ورجلًا يتسم بالنقاء الأخلاقي، بحسب ما يدعي.

في إطار النهج الذي يتبناه العلماء فيما يتعلق بالقانون الدستوري الإسلامي، يمكن للبغدادي تفويض كل السلطة العسكرية التي يريدها. كخليفة، لا يتوجب عليه احتكار السلطة العسكرية أو السياسية. وبالتالي يمكن لهيكل تنظيم الدولة أن يتسع ويتنوع دون الإضرار بدعواه الدينية ليكون الخليفة الحقيقي. بعد كل شيء، فإن كثيرًا من الخلفاء الشرعيين لم يحكموا فعليًا على الإطلاق.

ولكن ما هو جائز شرعًا قد يكون مدمرًا سياسيًا. اكتسب تنظيم الدولة كثيرًا من شعبيته العالمية من خلال تقديم نفسه باعتباره مدينة إسلامية فاضلة، وليس مجرد دولة إسلامية تتمتع بامتيازات الدولة. الشباب الذين لم يكونوا على استعداد للانضمام إلى تنظيم القاعدة ببساطة للقتال والموت باتوا حريصين على الانضمام إلى صفوف تنظيم الدولة، نظرًا لرغبتهم في المشاركة في بناء مجتمع إسلامي مثالي.

بالطبع من الناحية العملية، لا يتطابق تنظيم الدولة مع الواقع التاريخي في كثير من التفاصيل. من غير المحتمل أن يكون أي حاكم إسلامي في أي وقت مضى قد قام بقطع رؤوس الكثير من الناس – بما في ذلك المسلمين – حتى بلا رحمة. حتى أن قتل الأقليات غير المسلمة كان استثناءً نادرًا وليس القاعدة الكلاسيكية. (وهذا هو السبب في أن هناك الكثير من غير المسلمين الذين يعيشون في العالم الإسلامي،  جرى التسامح معهم لقرون من قبل الحكام المسلمين.)

يسعى البغدادي للسير على نهج الخلفاء الذين جمعوا بين السلطة السياسية والدينية. وفي حال تم قتله، أو ضعفت سلطته بما فيه الكفاية، فإن هذا الادعاء سينهار.

من دون البغدادي، يمكن لتنظيم الدولة مواصلة القتال وحتى السيطرة على الأقاليم. ولكنه سيفقد الكثير من الأمور التي تجعل من التنظيم وجهة جاذبة للعناصر التي تسعى للانضمام إلى صفوفه.

في نهاية المطاف، الطريقة التي يمكن من خلالها هزيمة تنظيم الدولة في جميع أنحاء العالم هي إظهار أنه لا يمثل الخلافة بعد كل شيء، وليس دولة إسلامية فاضلة مشروعة. السيطرة على الأراضي التي يهيمن عليها التنظيم هي خطوة مهمة لتحقيق هذا الهدف.

غير أن خلع الخليفة أو القضاء عليه من شأنه أن يقطع شوطًا نحو استيقاظ أتباع البغدادي من الحلم، الذي يمثل كابوسًا بالنسبة لأولئك الذين أودى تنظيم الدولة بحياتهم، أو سيقتلهم في المستقبل.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد