شرح الكاتب الإسرائيلي المعروف والمتخصص بشؤون الأمن يوسي ميلمان كيف أصبحت العلاقات بين إسرائيل وتركيا متردية، وكيف تحولت أنقرة إلى مصدر قلق للساسة في تل أبيب الذين باتوا ينظرون إليها على أنها «مصدر تهديد» بعد أن كانت في السابق شريكًا للإسرائيليين في المنطقة.

وبحسب التحليل الذي نشره موقع «ميدل إيست آي» البريطاني فإن ميلمان يؤكد بأن «التحركات التركية الأخيرة في المنطقة جميعها تبعث على القلق بالنسبة لإسرائيل، وجميعها لا تصب في المصلحة الإسرائيلية بل تشكل تهديدًا لمصالح تل أبيب».

وفيما يلي التحليل كاملًا للكاتب يوسي ميلمان كما ترجمه «عربي21»:

تثير التحركات التركية في ليبيا والقدس الشرقية واليمن الاهتمام والقلق في إسرائيل. يتزايد قلق كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في إسرائيل إزاء ما يصفونه «بالتغول التركي الواسع» في الشرق الأوسط.

كما تشكل جهود تركيا لتعزيز مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية في منطقة المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي مصدر قلق كبير لحلفاء وشركاء إسرائيل في المنطقة، وهم قبرص واليونان ومصر والسودان والمملكة العربية السعودية وسوريا وكردستان العراق والإمارات العربية المتحدة والقائد العسكري في شرقي ليبيا خليفة حفتر.

لقد رسخت أنقرة حضورها ونفوذها في سوريا والعراق وقطاع غزة المحاصر والقدس الشرقية المحتلة وفي الصومال والسودان وليبيا، كما أبدت مؤخرًا اهتمامًا باليمن. ولقد أوردت النشرة الفرنسية «إنتلجنس أونلاين» في وقت مبكر من هذا الشهر تقريرًا جاء فيه أن «إم آي تي»، وكالة المخابرات التركية، أنشأت علاقات قوية مع حزب الإصلاح اليمني، والذي ينتمي إلى المدرسة الفكرية لجماعة الإخوان المسلمين.

وبحسب ما جاء في التقرير فإن الوسيلة التي تستخدمها تركيا لتعزيز مصالحها هي منظمة «إي ها ها»، الجمعية الخيرية التركية، التي تناط بها مهمة إرسال المساعدات الإنسانية إلى اليمن. وعلى الرغم من أن التجمع اليمني للإصلاح موال للسعودية وما فتئ يقاتل الحوثيين لعدد من السنين، إلا أنه لا يجد حرجًا في التعاون مع تركيا.

اشتهر عن منظمة «إي ها ها» إرسالها إلى قطاع غزة في عام 2010 لسفينة مافي مرمرة التي كانت محملة بالمساعدات الإنسانية وعلى متنها نشطاء مناصرون للقضية الفلسطينية من تركيا ومن مختلف دول العالم. تم إيقاف القارب وهوجم من قبل قوة بحرية إسرائيلية، وتسبب الحادث العنيف في وفاة 10 من النشطاء الأتراك.

وبعد ثلاثة أعوام وافقت الحكومة الإسرائيلية على دفع تعويضات لعائلات الضحايا بلغت قيمتها 21 مليون دولار، كما اعتذر رئيس الوزراء بنجامين نتنياهو لرجب طيب أردوغان الذي كان حينها رئيسًا للوزراء في تركيا. كان نتنياهو وكبار المسؤولين الأمنيين في حكومته يأملون في أن تساعد تلك البادرة في تلطيف الأجواء وتحسين العلاقات بين البلدين، إلا أن ذلك لم يحصل.

علاقات متردية

على الرغم من أن الروابط التجارية ظلت جيدة جدًا على مدى السنوات السبع الماضية، وشهد التبادل التجاري والسياحي بين البلدين تحسنًا، إلا أن الروابط الاستخباراتية والأمنية تراجعت إلى حد كبير جدًا. وكانت تركيا وإسرائيل قبل تلك الحادثة ترتبطان وعلى مدى ما يقرب من 50 عامًا بشراكة استراتيجية في غاية المتانة.

طوال تلك الفترة، كان عملاء الموساد وعملاء المخابرات التركية يلتقون بشكل دوري ومنتظم ويتبادلون المعلومات الاستخباراتية ويساعد بعضهم بعضًا في عمليات تجري ضد خصومهم المشتركين، وبشكل خاص ضد سوريا.

وكانت الشركات الدفاعية الإسرائيلية تبيع المعدات والأجهزة لتركيا بما في ذلك الدبابات والصواريخ والطائرات المسيرة ومعدات التجسس، وكانت كذلك تقوم بتحسين وتطوير أجهزة توجيه الطائرات الحربية. وبلغت قيمة هذه الصفقات في الفترة من 1985 إلى 2000 ما يزيد عن 5 مليارات دولار.

ولكن على مدى العقد الماضي، وبينما كان أردوغان يعزز سلطانه داخل بلاده وبدأ يدرك بأن الآمال والأحلام في أن تنضم تركيا يومًا إلى الاتحاد الأوروبي قد تبددت، أخذ ينأى بنفسه عن إسرائيل. ولما كان القادة الإسرائيليون قد تعودوا على مزاجية أردوغان فإن تصريحاته النارية ضد الاحتلال وضد ما يرتكب من فظاعات ضد الفلسطينيين لا تقلقهم، وإنما يقلقهم ما بين تركيا وجناح حماس العسكري من علاقة حميمة.

فطبقًا لجهاز الأمن الإسرائيلي الداخلي الشين بيت، فقد اتخذ صالح العروري، أحد كبار القادة في حماس والذي أبعدته إسرائيل في عام 2007، من تركيا مقرًا رئيسيًا له، ويتنقل الآن ما بين بيروت وإسطنبول، وثمة مزاعم بأنه يخطط لشن هجمات ضد أهداف إسرائيلية. إلا أن المسؤولين الأتراك نفوا مرارًا وتكرارًا تلك المزاعم.

كما ترصد الشرطة الإسرائيلية وكذلك الشين بيت عن كثب نشاطات تركيا المتزايدة داخل القدس الشرقية المحتلة من خلال «تيكا»، وكالة العون الرسمية التابعة للحكومة التركية.

تقدم تيكا التبرعات النقدية والغذائية للفلسطينيين في القدس الشرقية، ولقد ساعدت في فتح مقهى ومقر ضيافة ودار سينما داخل المدينة. تقول السلطات الإسرائيلية إن تركيا تستغل مظلة العمل الثقافي والإنساني لكي تروج لفكر جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك لرؤية أردوغان التي تتمحور حول استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، والتي حكمت فلسطين لعدة قرون انتهاء بالحرب العالمية الأولى.

في العراق، ولدرجة أقل في سوريا، عملت المخابرات الإسرائيلية بتعاون وثيق مع الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والأردن لمساعدة القوات الكردية التي قاتلت تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

كان ذلك التعاون امتدادًا لتعاون سري استمر لوقت طويل بين إسرائيل وكرد العراق أثناء ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، حيث كان الكرد يقعون ضمن المفهوم الاستراتيجي الإسرائيلي المعروف باسم «التحالف المحيطي»، الذي كان يسعى لإبرام تحالفات بين الدولة اليهودية والأقليات العرقية والدينية في البلاد العربية والمسلمة داخل منطقة الشرق الأوسط.

منافسات على الغاز

إلا أن أكبر صداع بالنسبة لإسرائيل حاليًا يقع داخل ليبيا.

فالبلد لم يزل يشد اهتمام المخابرات والمؤسسة العسكرية في إسرائيل لأربعة أسباب. أولًا، بسبب موقعه المطل على البحر المتوسط، وثانيًا، بسبب قربه من مصر، التي كانت عدوًا لإسرائيل وتحولت إلى شريك استراتيجي.

وثالثًا، جذبت ليبيا الاهتمام لكونها غدت ملاذًا للإرهابيين أثناء حكم معمر القذافي. ثم بعد سقوط نظام القذافي، ونظرًا لأن الأسلحة والمعدات العسكرية المنهوبة انتقلت من ليبيا إلى سيناء ومن هناك انتقلت إلى أيدي حماس في غزة، تواصلت إسرائيل مع القائد العسكري في شرقي ليبيا خليفة حفتر.

بمساعدة المخابرات المصرية، والتي لديها كذلك مصالح قوية في ليبيا، التقى مسؤولو الموساد في مناسبات عديدة مع حفتر ومع قادته العسكريين. وقبل أسابيع قليلة، وردت تقارير مفادها أن أسلحة إسرائيلية قد أرسلت إلى قواته عبر الإمارات العربية المتحدة، والتي تدعم حفتر هي الأخرى.

وأما السبب الرابع فهو مزيج من دوافع استراتيجية واقتصادية. فبعد أن قرر أردوغان النأي بنفسه عن إسرائيل، برزت شراكة إقليمية جديدة، تقوم على المثل القائل «عدو عدوي صديقي» فنظرًا لما بين تركيا وكل من قبرص واليونان من خصومة وتنافس، أصبحت إسرائيل دولة صديقة لكليهما.

وكجزء من هذا التحالف الثلاثي، وقعت الأقطار الثلاثة اتفاقًا لإنشاء «إيست ميد»، وهو خط أنابيب الهدف منه نقل الغاز الإسرائيلي والقبرصي من حقول البحر المتوسط إلى اليونان ثم من هناك إلى بقية أوروبا. إلا أن التدخل التركي الأخير في ليبيا بات عقبة تعترض ذلك. توالي أنقرة حكومة الوفاق التي تتخذ من طرابلس مقرًا لها في الحرب ضد حفتر، والذي تدعمه كل من روسيا ومصر والإمارات وإسرائيل.

خلال الأسابيع الأخيرة، تمكنت القوات المدعومة من قبل تركيا في غرب ليبيا من استعادة عدة بلدات وقواعد عسكرية مهمة كانت خاضعة لقوات حفتر. وكانت تركيا وحكومة الوفاق الوطني قد وقعتا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 اتفاقًا لتعيين الحدود البحرية، الأمر الذي رفضه حفتر ورفضته كذلك حكومات كل من اليونان ومصر وقبرص وفرنسا.

يقلق إسرائيل أن يكون الهدف من الخطوة التركية شيء واحد فقط، ألا وهو إعاقة خطط إنشاء «إيست ميد». ومع ذلك، وعلى الرغم من الخصومة والتنافس، بل وفي بعض الأحيان العداوة بين إسرائيل وتركيا، إلا أن البلدين يبقيان بعض القنوات الخلفية مفتوحة. وكان مسؤول إسرائيلي قد صرح لموقع ميدل إيست آي في وقت مبكر من هذا العام أن بلاده تسعى لاستئناف علاقات كاملة مع أنقرة وإلى تبادل السفراء من جديد.

في هذه الأثناء صرحت مصادر تركية لموقع المونيتور في شهر مايو (أيار) أن رئيس الموساد يوسي كوهين التقى خلال الشهور العشرة الماضية مرتين مع نظيره التركي، رئيس المخابرات التركية حاكان فيدان، لمناقشة المشاكل الإقليمية الناجمة عن الأوضاع في كل من سوريا وليبيا.

مهما كانت الخلافات بين الطرفين، فإن إسرائيل لن تسعى للدخول في مواجهة مع تركيا في أي وقت قريب. وكما قال في ديسمبر (كانون الأول) 2019 وزير خارجية إسرائيل حينذاك إسرائيل كاتز، بينما تعارض إسرائيل التدخل التركي في ليبيا «فإن ذلك لا يعني أننا سنرسل السفن الحربية لمواجهة تركيا».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد