في ظل استمرار الجيش الإسرائيلي في مصادرة الأراضي الفلسطينية لأغراضٍ عسكرية، نشرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية تحليلًا للكاتبة أميرة حاس تستعرض فيه دراسةً جديدة أظهرت أنَّ الجيش الإسرائيلي يُخصِّص تلك الأراضي المُصادَرة لبناء مستوطناتٍ جديدة.

استهلت الكاتبة تحليلها بالقول إنَّ النتيجة واحدة في النهاية، وهي سرقة المزيد من الأراضي الفلسطينية ونقلها إلى اليهود لأنَّهم يهود (سواءٌ أكانوا من مواليد إسرائيل أو الشتات). لكنَّ الدماغ اليهودي، بحسب الكاتبة، يخترع حيلًا للمساومة، والوسائل والأساليب التي خلقتها البيروقراطية العسكرية، والتي ما زالت تخلقها للوصول إلى هذه النتيجة، كثيرة ومتنوعة، إلى أن يطغى الالتباس والخوف على الكثير من التفاصيل.

ما مصير سكان الخليل بعد طرد المراقبين الدوليين؟

أشارت أميرة إلى دراسةٍ جديدة سينشرها درور إتكس، الباحث في سياسة الاستيطان الإسرائيلية، قائلةً إنَّه يريد كالعادة وضع الأمور في نصابها، وأضافت أنَّه يركز في الدراسة التي ستُنشر الأسبوع الجاري على تاريخ أوامر مصادرة الأراضي الفلسطينية التي أصدرتها أجيالٌ من قادة الجيش في الضفة الغربية (باستثناء الجزء الذي ضُمَّ إلى القدس).

بحسب الكاتبة، صدر أكثر من 1150 أمر مصادرة منذ عام 1969 إلى الوقت الحاضر. وبعد استبعاد تلك الأوامر التي أُلغيت أو تداخلت مع غيرها، اتضح أن هذه الحيلة بالذات مكَّنت إسرائيل من الاستيلاء على أكثر من 25 ألف فدان من الأراضي الفلسطينية. بينما سُرِقت ملايين الفدادين من الأراضي الفلسطينية بطرق أخرى، وهو ما بحثه إتكس كذلك في دراسته.

وذكرت الكاتبة أنَّ الغرض المعلن من هذه المُصادرات هو الاحتياجات الأمنية والعسكرية، مضيفةً أنَّ الموقع الإلكتروني لوحدة «المحامي العام العسكري»، التي تقدم المشورة للجيش الإسرائيلي في المسائل القانونية، يؤكِّد هذا الغرض.

وأشارت إلى أنَّ إتكس يقتبس بإسهاب من هذا المصدر في دراسته قائلًا: وفقًا لقوانين الاحتلال الحربي الموضحة بالتفصيل في القانون الدولي العرفي، يُحظر على أي قوة مُحتلة مصادرة الممتلكات الخاصة للسكان المحليين في منطقة خاضعة للاحتلال الحربي. (لكنَّ) قائد المنطقة لديه سلطة مصادرة الأراضي الخاصة إذا كانت هناك حاجة عسكرية … وممارسة هذه السلطة لا تحرم أصحاب الأراضي من حقوق امتلاكها، على الرغم من منعهم مؤقتًا من حيازة الأرض واستخدامها … وتُستخدم كلمة «مؤقتًا»، لأنَّ الاحتلال شيء مؤقت، ولأنَّ الاحتياجات العسكرية قد تتغير.

لكنَّ المفاجأة الكُبرى، وفقًا لأميرة، هي أنَّ حوالي 40% من هذه الأراضي التي صودرت رسميًا لاحتياجاتٍ عسكرية وأمنية قد خُصِّصت على مرِّ السنين لبناء المستوطنات (بينما استُخدمت ربع مساحة الأراضي المُصادرة الإجمالية لأغراضٍ عسكرية بالفعل، فيما يشغل الجدار العازل الربع الآخر).

وأضافت أنَّ حكومات حزب المعراخ، الذي كان سلف حزب العمل، هي التي بدأت هذا التقليد. وذكرت أنَّ هذه الحكومات خصَّصت 1552 فدانًا للمستوطنات (أي حوالي 28% من إجمالي مساحة الأراضي التي صودرت لأغراضٍ عسكرية على مرِّ هذا السنوات، والتي بلغت 5434 فدانًا تقريبًا).

وكما هو متوقع، فقد شهد صعود حزب الليكود إلى السُلطة طفرةً هائلة في تخصيص مناطق للمستوطنات من الأراضي التي صودرت في الأصل لأغراضٍ عسكرية. فمنذ فوز الليكود في الانتخابات في مايو (أيار) من عام 1977 وحتى نهاية عام 1979، صادرت السلطات الإسرائيلية أكثر من 7657 فدانًا، وخصَّصت منها 5681 فدانًا للمستوطنات، أي حوالي 73% من إجمالي الأراضي المُصادرة.

وأشارت الكاتبة إلى أنَّها كانت مُخطئة حين ظنَّت أن هذه الطريقة قد أُلغيت بموجب حكم محكمة العدل العليا في قضية مستوطنة إلون موريه، الذي صدر في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 1979، وفرض قيودًا على بعض صلاحيات قائد عسكري إسرائيلي في الضفة الغربية في ما يتعلق بمصادرة الأراضي من أجل بناء المستوطنات.

وذلك لأنَّ القادة في عهد الليكود، بحسب الكاتبة، استمروا ثلاث سنوات في إصدار أوامر مصادرة بعض الأراضي لاحتياجاتٍ أمنية ثم تخصيصها للمستوطنات: فمن بين حوالي 2717 فدانًا صادرتها السلطات الإسرائيلية، خُصِّصت 1739 فدانًا لبناء 12 مستوطنة جديدة.

وذكرت أميرة أنَّ التواريخ في بعض الأوامر غير واضحة، لذا فهي غير مدرجة في التفاصيل الواردة أعلاه التي قدَّمها إتكس بناء على طلب صحيفة «هآرتس». لكنَّها أشارت إلى أنَّ هدف هذه الأوامر واضح كذلك: وهو بناء المستوطنات. وقد بلغت مساحة الأراضي التي صودرت بموجب هذه الأوامر حوالي 494 فدانًا.

وأضافت أنَّه في أعقاب حكم المحكمة العليا بشأن مستوطنة إلون موريه، وجدت إسرائيل طريقةً أضمن للسرقة: وهي إعلان الأراضي الفلسطينية أرضًا تابعة للدولة (أي لليهود)، في تفسيرٍ متساهل جدًا لأحد القوانين السارية منذ العهد العثماني في هذا الشأن. وذكرت أنَّ المواد التي استند إليها إتكس في بحثه هي خرائط رقمية ومجموعاتٍ من البيانات التي أعطته إيَّاها الإدارة المدنية (على مضض) بموجب قانون حرية المعلومات.

ووفقًا لهذه المعلومات، يُقدِّر إتكس أنَّ مساحة الأراضي التي أعلنت إسرائيل أنَّها أراضٍ تابعة للدولة منذ الثمانينيات بلغ حوالي 185250 فدانًا من أصل حوالي 1.4 مليون فدان في الضفة الغربية. (وأكَّدت الكاتبة أنَّ مقالتها لا تعترف بشرعية التعريف الإسرائيلي للأرض الفلسطينية على أنَّها أرضٌ تابعة للدولة، بل ولا تعترف كذلك بشرعية نقلها إلى اليهود).

وأشارت مرةً أخرى إلى أنَّ إتكس خاض بعمق في عمليات الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، مضيفةً أنَّ نسبة الأراضي التي استُخدِمَت من 9880 فدانًا خُصِّصت لخمسٍ وأربعين مستوطنةً في 73 أمر مُصادرة بلغت 43% فقط، وقد استُخدِمَت لإنشاء المساكن والزراعة، في حين أنَّ النسبة المتبقية التي بلغت 57% من الأراضي ظلَّت خالية.

وكانت الكاتبة تتمَّنى لو أنَّ حكومة سلام إسرائيلية قد أعلنت في عام 1994 -من أجل بناء الثقة- أنَّ أي قطعة أرض صودرت من أجل المستوطنات لا تتضمَّن مبانٍ سوف تُعاد إلى أصحابها الشرعيين (المجالس المحلية والبلدات الفلسطينية والأفراد الفلسطينيين). لكن حسبما ذكرت فإنَّ 45% من جميع الأراضي الفلسطينية التي صودرت بموجب هذه الأوامر (بما في ذلك لأغراضٍ عسكرية بحتة) ليست قيد الاستخدام.

وترى أنَّ هذا يجعلنا نستنتج أنَّ الغاية الرئيسية من هذه المصادرات هي منع الفلسطينيين من زراعة أراضيهم، والبناء عليها، ورعاية حيواناتهم والمشي والتنزُّه فيها.

ووفقًا لأميرة، فحتى عام 1989، لم تكن مثل هذه الأوامر تتضمَّن تاريخًا لانتهاء سريانها، وكانت تتضمَّن فقط تاريخ بداية سريانها. وقد تحدَّى نعيم جحا، أحد سكان بيت لحم، ذلك الأمر في عام 1989 حين تقدَّم بطلبٍ إلى المحكمة العليا ضد مصادرة أرض أسرته.

وصحيحٌ أنَّ المحكمة وافقت آنذاك على قرار المصادرة، لكنَّها أمرت بتحديد مدةٍ معينة لسريانه. ومنذ ذلك الحين، تتضمَّن الأوامر الجديدة تاريخًا لانتهاء سريانها يُمدَّد حسب الحاجة. أمَّا الأوامر التي صدرت قبل قضية جحا، فما زالت ساريةً إلى أجلٍ غير مُسمَّى.

وفي نهاية تحليلها، أشارت الكاتبة إلى أنَّ الدراسة ستُنشَر باللغات العبرية والإنجليزية والعربية على الموقع الإلكتروني لمنظمة «كريم نافوت» التي أسَّسها إتكس في عام 2012، وستكون بعنوان «Seize the Moral Low Ground».

عصام عقل.. تعرف إلى الدور الخطير الذي يلعبه رجل أمريكا في القدس

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد