يناقش البرلمان الأردني هذه الأيام تعديلاتٍ على قانون الجرائم الإلكترونية، ويتعهد الملك عبد الله في خضم هذا النقاش بمكافحة «الشائعات والمعلومات المضللة». لكن ترى إينيز عثمان، المحامية الحقوقية الفرنسية الجزائرية، أنَّ السلطات الأردنية تسعى من خلال هذه التعديلات إلى فرض المزيد من الرقابة على المجتمع، وهو ما أوضحته في مقال رأيٍ نشرته على موقع «ميدل إيست آي» البريطاني.

أشارت إينيز في البداية إلى مقالٍ نُشِرَ يوم 31 أكتوبر (تشرين الأول) في صحيفة «جوردان تايمز» عنوانه «شبكات اجتماعية أم مناهضة للمجتمع»، تعهَّد فيه الملك عبد الله الثاني ملك الأردن بـ«مكافحة الشائعات والمعلومات المضللة، ومواجهة خطاب الكراهية»، مشيرًا إلى أنَّ «أي شخصٍ يُهين أردنيًا، سواءٌ كان من أسرتي أو من عائلتي الأردنية الأكبر، يُهينني أنا شخصيًا».

لكنَّها ترى أنَّه بالنسبة إلى أي قارئٍ مُطَّلع، قد يثير توقيت نشر هذا المقال بعض الشكوك. إذ يمكن للبعض أن يراه دعمًا غير صريحٍ للتعديلات الجديدة المقترحة في قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن، والتي طُرِحت مؤخرًا أمام اللجنة التشريعية بالبرلمان الأردني لمناقشتها، وقد تخضع للتصويت في البرلمان في أي وقت.

Embed from Getty Images

وتوضح إينيز أنَّه إذا حظيت التعديلات بموافقة البرلمان، ستكون هذه المرة الثانية التي يُعدَّل فيها القانون الصادر عام 2010. إذ أُضيف بندٌ عام 2015 لمعاقبة التشهير على الشبكات الاجتماعية والمنافذ الإعلامية على الإنترنت بعقوبةٍ لا تقل عن السجن لثلاثة أشهر. وجديرٌ بالذكر أنَّ ذلك البند استُخدم لاعتقال واحتجاز عددٍ من منتقدي الحكومة.

انتقاداتٌ واسعة

تشير إينيز إلى أنَّه في الوقت نفسه أكد الديوان الأردني الخاص بتفسير القوانين أنَّ قانون الجرائم الإلكترونية ينسخ أي قوانين أخرى، ما أدى إلى انتقاداتٍ واسعة من العاملين في مجال الإعلام، إذ يمثل الأمر نكسةً كبيرة بالنسبة للصحفيين، الذين لن يتمتعوا بعد ذلك بالحماية من السجن بموجب قانون المطبوعات والنشر.

وفقًا لإينيز، طُرِحَت هذه التعديلات عام 2017، بعد أن أعلن مسؤولو الحكومة أنَّهم يريدون مواجهة مسألة خطاب الكراهية على الشبكات الاجتماعية. ويتضمن القانون المُعدَّل تعريفًا عامًا واسعًا لخطاب الكراهية، يشمل «كل قول أو فعل من شأنه إثارة الفتنة أو النعرات الدينية أو الطائفية أو العرقية أو الإقليمية أو التمييز بين الأفراد أو الجماعات».

الأردن

وتقترح التعديلات أيضًا معاقبة أي شخصٍ ينشر أو يعيد نشر خطاب الكراهية بالسجن من عام إلى ثلاثة أعوام وغرامة قدرها 10 آلاف دينار أردني (14 ألف دولار أمريكي).

لكن سرعان ما تعرضت التعديلات لانتقاداتٍ من منظمات المجتمع المدني في الأردن. ومن بينها مركز حماية وحرية الصحفيين. وأطلق الأردنيون أيضًا حملةً على الشبكات الاجتماعية باستخدام وسم «اسحب_قانون_الجرائم_الإلكترونية#». وفي مقابلةٍ تلفزيونية يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، قال رئيس الوزراء الأردني عمر الرزاز إنَّ تعريف خطاب الكراهية «معيب» و«لا يجب أن يفتح الباب أمام الانتهاكات»، لكنَّه في النهاية أكد أنَّه قرار البرلمان.

وفي وقتٍ مبكر من هذا الشهر، خلال الاستعراض الدوري الشامل الثالث لوضع الأردن في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، أُثيرت بعض المخاوف بشأن تعديلات قانون الجرائم الإلكترونية. ومن غير المعروف ما إذا كانت السلطات الأردنية ستواجه تلك المخاوف.

الأردن في 2018.. يد الحكومة تغوص عميقًا في جيب الشعب

تعريف خطاب الكراهية

ترى إينيز أنَّه لمواجهة مسألة «الأخبار المزيفة» وخطاب الكراهية، يجب أن ننظر إلى تعريف الحق في حرية الرأي والتعبير بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان. وأشارت إلى المادة رقم 19 من اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺪوﻟﻲ اﻟﺨﺎص ﺑﺎﻟﺤﻘﻮق اﻟﻤﺪﻧﻴﺔ واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، التي تضع الشروط التي يمكن تحتها فرض قيودٍ على الحق في حرية التعبير. وجديرٌ بالذكر أنَّ الأردن كانت أحد أطراف ذلك العهد لأكثر من أربعة عقود.

تنص المادة على أنَّ هذه القيود يجب أن تكون «محددةً بنص القانون» وأن تكون ضروريةً «لاحترام حقوق الآخرين أو سمعتهم»، و«لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة».

ولهذا فإنَّ المشكلة حسب إينيز تكمن في توضيح ما يمكن اعتباره «خطاب كراهية». ورغم عدم وجود تعريف متفق عليه، فإنَّ العهد الدولي يمنع بموجب المادة 20 أي «دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية تشكل تحريضًا على التمييز أو العداوة أو العنف»، هذا بينما يحمي بموجب المادة 19 حرية «التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين».

«كأنك يا أبو زيد ما غزيت».. كيف انهارت طموحات الأردنيين في حكومة عمر الرزاز؟

وأوضح ديفيد كاي، مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، أنَّ الحكومات يجب أن توازن بين مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز حرية الرأي والتعبير، مضيفًا أنَّ المسألة هي «توضيح الخط الفاصل الذي يتحول بعده خطاب الكراهية من كونه مجرد تعبير إلى تحريضٍ على العداء والعنف ضد الأفراد». وأشار إلى أنَّ تقييم هذا الأمر يحتاج إلى النظر في سياقه.

ولهذا، ترى إينيز أنَّ تعريف الأردن لخطاب الكراهية، الذي يشير بغموض إلى إثارة «الفتنة» و«النعرات»، لا يرقى إلى المعايير الدولية. ويتضمن القانون الأردني بالفعل موادًا مبهمة، مثل المادة 150 من قانون العقوبات، التي تنص على أنَّ «كل كتابة وكل خطاب أو عمل یُقصد منه أو ینتج عنه إثارة النعرات المذهبیة أو العنصریة أو الحض على النزاع بین الطوائف ومختلف عناصر الأمة یعاقب علیه بالحبس مدة ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة لا تزید على 50 دینارًا».

قمع النقاد السلميين

توضح إينيز أنَّ هذه المادة استُخدمت في الماضي لقمع النقاد السلميين من خلال القضاء، إذ يمكن بها محاكمة هؤلاء أمام محكمة أمن الدولة، التي تفتقر إلى الاستقلال والنزاهة. هذه المحكمة تتكون من قضاة عيَّنهم رئيس الوزراء، وتختص بالنظر في مجموعةٍ واسعة من الأفعال، يرتبط بعضها مباشرةً بممارسة الحق في حرية الرأي والتعبير.

وحوكم عشرات الأشخاص في محكمة أمن الدولة بتهمٍ أخرى بناءً على بنودٍ مبهمة في القانون الأردني، مثل قانون مكافحة الإرهاب وقانون العقوبات، الذي يُجرم أفعالًا مثل زعزعة استقرار النظام العام والطعن في النظام السياسي.

Embed from Getty Images

احتجاجات في الأردن على إجراءات التقشف الحكومية في يونيو (حزيران) 2018.

ومن المثير للقلق أنَّ بعض هذه التهم الملفقة صاحبتها تهمة «المس بكرامة الملك»، وهي جريمة مذكورة في المادة 195 من قانون العقوبات الأردني يُعاقَب عليها بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات.

ودعت لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة الأردن مرارًا لتعديل هذه البنود والقوانين المعيبة. ومؤخرًا، في 2017، دعت اللجنة الأردن إلى «مراجعة تشريعاتها لضمان عدم تطبيق العقوبات الجنائية على أشخاص يعبرون عن انتقادهم، وأن تكون أية قيودٍ على أنشطة الإعلام والصحافة متفقةً مع العهد الدولي لحقوق الإنسان».

إخراس المعارضة

وفقًا لإينيز، الأردن ليست الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في محاولاتها للحد من حرية الرأي والتعبير تحت ذريعة مواجهة الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية. ففي أغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) 2018، صدَّقت مصر على قانونٍ جديد للجرائم الإلكترونية وتنظيم الإعلام، وهذا الأخير يمنح المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام سلطة إغلاق حسابات الشبكات الاجتماعية التي تنشر «أخبارًا مزيفة».

Embed from Getty Images

وترى إينيز أنَّ هناك نيةً واضحة خلف هذه الإجراءات، وهي فرض مزيدٍ من الرقابة، وإخراس أي شكلٍ من أشكال النقد السلمي.

وأكدت في النهاية ضرورة تذكير الأردن ومصر وغيرهما من الدول بأنَّه بينما تجب مواجهة الأخبار الزائفة وخطاب الكراهية، خاصةً في سياق تصاعد الفكر «المتطرف»، إلَّا أنَّ هذا لا يجب أن يكون على حساب الحقوق والحريات الأساسية. وتنصح إينيز البرلمانيين الأردنيين بالعمل بنصيحة المجتمع الدولي، وأن يتفق قانون الجرائم الإلكترونية مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

«الشعب يريد إسقاط الحكومة».. القصة شبه الكاملة لإضراب الأردن ضد ضريبة الدخل

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد