تحت عنوان «وجهة نظر اقتصادية» في صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية، كتب روبرت شيلر، وهو باحث اقتصادي أمريكي حاصل على جائزة نوبل مع آخرين عام 2013 في الاقتصاد، عن التأثير المحتمل للكذب وانعدام الثقة المتفشيين في عهد ترامب في الاقتصاد الأمريكي.

واستهل شيلر عرض وجهة نظره بالقول إن المؤسسات الإخبارية تكرس موارد كبيرة لجمع وتصحيح الآلاف من البيانات المضللة – والأكاذيب الصريحة– التي يدلي بها الرئيس ترامب وأنصاره. في الوقت نفسه، يتهم الرئيس بشكل متكرر وزائف المؤسسات الإخبارية الرئيسية بنشر «أخبار كاذبة».

«نيويورك تايمز»: كيف ستنقلب حرب ترامب ضد «الدولة العميقة» عليه؟

الكذب في أعلى مناصب الحكومة

لقد غطت الصحف بالفعل تهديد الصحافة الحرة، والمخاطر السياسية التي تمثلها ثقافة الكذب في أعلى الدوائر الحكومية، ولكن هناك خطرًا آخر، وهو خطر اقتصادي ويستحق التأمل أيضًا.

هناك أدلة قوية على أنه إذا انتشر جو مليء بالكذب في كل أنحاء المجتمع، فإن تأثير ذلك قد يقلل من معدلات النمو الاقتصادي. سنوات من الضرر المتزايد من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض كبير في مستوى الرفاه الاقتصادي، أكثر مما يمكن أن يوجد مع انتفاء ذلك.

Embed from Getty Images

يرى الباحث أن السبب في ذلك هو أن الأجواء المتولدة عن التدفق المستمر والمتنوع من الأكاذيب، تشبه السحابة المظلمة التي تغطي الحقائق. ولا يمكن أن تخطط الشركات بفعالية عندما لا يعرفون من أو ما يمكن الوثوق به.

ويضيف الباحث: «السؤال الحاسم بالنسبة للولايات المتحدة هو مدى تخلل الكذب وعدم الثقة وانتشارهما في الثقافة الأمريكية برمتها. للأسف، ليس لدينا بيانات دقيقة وحالية بعد. ولكن مسح القيم العالمية يتضمن سؤالًا مطروحًا، وهو: بصفة عامة، هل يمكن القول بأن معظم الناس يمكن الوثوق بهم؟ أم أنك بحاجة إلى توخي الحذر في التعامل مع الناس؟». في استطلاع للرأي، أجري في الفترة من 2010 إلى 2014، جاء تصنيف الولايات المتحدة في قائمة أفضل 20% من البلدان فيما يتعلق بالثقة.

قصة شجرة كرز جورج واشنطن في الذاكرة الجماعية الأمريكية

قد توحي الخبرة اليومية بأنه على مستوى الأفراد، لم يتغير الكثير خلال رئاسة ترامب. وعلى أي حال، كان الصدق الأمريكي رواية وطنية قوية على الأقل منذ أوائل القرن التاسع عشر.

كان ذلك عندما روى ماسون لوك ويمز، المعروف باسم بارسون ويمز (أول كاتب لسيرة جورج واشنطن فور وفاته)، قصة رد جورج واشنطن الشاب عندما سئل عما إذا كان قد قطع شجرة كرز ثمينة.

وفقًا لهذه الرواية، قال واشنطن: «لا يمكنني أن أنطق بالكذب يا بارسون، أنت تعرف أنني لا أستطيع أن أنطق بالكذب. لقد قطعتها ببلطتي». هذه القصة ما تزال في ذاكرة أمريكا الجماعية، إذ أصبحت «واسعة الانتشار» منذ قرون. لا يمكن إزاحتها بين عشية وضحاها، وفقًا لما يقول شيلر.

لقد وجد الباحثون أن المواقف تجاه الثقة يمكن أن تستمر لأجيال. غالبًا ما تُفسَّر الاختلافات بين الأشخاص في الولايات المتحدة بشكل كبير من خلال المواقف السائدة في بلاد أجدادهم.

وهذا يتفق مع وجهة النظر بأن الاختلافات طويلة الأجل في النجاح الاقتصادي يمكن أن تعزى إلى السمات الثقافية، التي قد تكون متضمنة في القيم العائلية المستقرة نسبيًّا.

«فورين بوليسي»: بماذا تخبرنا تجربة كوريا الجنوبية عن طريقة عزل الرؤساء؟

الكذب يؤدي إلى تآكل الثقة

ومع ذلك، فإن الكذب كما يقول الباحث الحاصل على جائزة نوبل يؤدي إلى تآكل الثقة، ويمكن تسريع هذه العملية عندما تستسلم الدعاية للأكاذيب. الشباب في الولايات المتحدة الذين بدأوا لتوهم في الاهتمام بالسياسة والأخبار لم يروا سوى هذه الفترة من الكذب البواح، والتي قد تؤثر فيهم لبقية حياتهم.

ويرى الكاتب أن «المشكلة معقدة. فإما أن تكون الثقة كاملة وإما معدومة، فالناس لديهم تحيزات. قد يثقون في من ينتمون إلى مجموعة ما، أو من هم في ظرف معين. قد ينشرون معًا قصصًا على نطاق كبير، يمتدحون فيها رواد أعمال شرفاء، حتى وهم ينشرون قصصًا عن رئيس مخادع. علينا أن نأمل أن يبقى فقدان الثقة تحت السيطرة، رغم أنه ليس واضحًا أنه سيظل كذلك».

قياس الثقة ليس بسيطًا أيضًا، بحسب الكاتب، ففي كتابه «ترست» الصادر عام 1996، درس فرانسيس فوكوياما، وهو باحث الآن في جامعة ستانفورد، دور رأس المال الاجتماعي في تحقيق النجاح الاقتصادي. وفي عام 2012، وجد فريدريك فلتر من جامعة زيجن في ألمانيا أن هناك «تعقيدًا وتنوعًا» كبيرين للسلوك الذي نصنفه تحت مسمى الثقة.

ترامب رجل ذو «عيوب صغيرة»

ويمضي الكاتب إلى القول بأنه في محادثات مع المؤيدين الأقوياء لترامب، وجد أنهم على استعداد دائمًا للاعتراف بأن لديه «عيوبًا صغيرة».

إنهم يشيرون إلى أن جميع السياسيين يتعين عليهم أن يقدموا المكاسب السياسية على المبادئ، ومثل ميك مولفاني، القائم بأعمال كبير موظفي البيت الأبيض، يقولون في بعض الأحيان أننا بحاجة إلى «تجاوز» ذلك.

يبدو أن ضبط الشخص متلبسًا بالأكاذيب ليس عارًا كبيرًا؛ فالصورة الأكبر، كما يقولون، هي أن الرئيس قد حرر نفسه من قيود «الصواب السياسي» ليعلن الحقائق التي لا تحظى بشعبية، ويقاتل من أجل مصالح الأمريكيين المنسيين. يبدو أن هذا الرأي لا يظهر أي نقص في الشعور الأساسي بأهمية الصدق.

يتابع الكاتب: «دعونا نأمل ألّا يكون الأمر على هذا النحو. في الواقع، من المنطقي أن نأمل خلال هذه الفترة من الاستقطاب أن تظل رواية النزاهة الأمريكية الأساسية، التي توحي بها قصة شجرة الكرز الخاصة بجورج واشنطن مزدهرة، وتستمر بعد التجربة الحالية. غير أننا نعيش في عصر يختلف عن أي عصر آخر شهدناه في الولايات المتحدة، ولا يمكننا أن نشعر بالأمان حيال هذه النتيجة على المدى البعيد».

ويختم الكاتب وجهة نظره بقوله إنه «قد يكون من المفيد أن نتجنب شيطنة الأشخاص الذين يعارضوننا، وإظهار أننا نشترك مع الآخرين في ثقتنا وفي جدارتنا النهائية بالثقة. سنكون أسعد وأكثر نجاحًا إذا تمكنا من الاحتفاظ بقيمنا الأساسية».

مترجم: هل حصانة ترامب تحميه من المحاكمة حتى في جرائم القتل؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد