تبدو بصمات الاستعمار الأوروبي وتاريخه الطويل على معالم قارة أفريقيا وأسماء دولها، إذ تسببت حتى أخطاء الأوروبيين اللغوية أحيانًا إلى تشكيل أسماء بلدانٍ أفريقية وحملها معها للأبد. تتناول الكاتبة والأديبة الكينيّة سيكو كيميريا أصول أسماء الدول الأفريقية والحكايا الكامنة وراء هذه المسميات، في تقريرها المنشور في موقع «كوارتز».

 Embed from Getty Images

مفهوم حديث

ليس مفهوم «الدول القومية» مفهومًا شديد القدم في أفريقيا، إذ يعود إلى أكثر من قرنٍ بقليلٍ فقط، وظهر بعد مؤتمر برلين عام 1884 وما تلاه من تدافع القوى العظمى الأوروبية في ذلك الوقت لاستغلال مساحات أفريقيا وخيراتها لمصالحهم. لذلك لا غرابة في استمداد معظم البلدان الأفريقية أسماءها من بقايا الإرث الاستعماري.

تشرح الكاتبة كيف تُسمى أغلبية البلدان حول العالم بأسماء لها علاقة بأربعة أشياء رئيسية: وصف جهة البلد – سمة أو خاصية الأرض – اسم قبيلة – اسم شخص مهم (على الأرجح رجل)، ولا تبتعد أفريقيا كثيرًا عن هذا المنهج في التسمية إلا في حالات واستثناءات معدودة. تتراوح قصص أسماء البلدان الأفريقية من القصص العادية إلى الخيالية بل وحتى المذهلة.

 Embed from Getty Images

على خطا المستكشفين

تبدأ الكاتبة بحكاية اسم الكاميرون، وهي دولة ذات إرثٍ وتاريخ معقدين إذ استعمرها الألمان ثم قسمها تاليًا الفرنسيون والبريطانيون. أتى اسم الكاميرون من مستكشفٍ برتغالي في القرن الخامس عشر، والذي كان يعبر نهر ووري –أحد أكبر أنهار الكاميرون المعاصرة- ليطلق عليه اسم « Rio dos Camarões» (ريو دوس كامريوس) والذي يُترجم لـ«نهر الجمبري» أو «نهر الروبيان/القريدس» وقد أعطاه هذا الاسم لوفرة هذا الحيوان في مياهه. التصق الاسم بالنهر وتطور ليصبح اسم البلد بأكمله.

سيتدخل مستكشف برتغالي آخر في تاريخ الأسماء الأفريقية، إذ كان أحد مستكشفي القرن الخامس عشر البرتغاليين يشق طريقه غربًا ليجد إما الجبال التي بدت له مثل أسنان أسدٍ في عينيه أو الأصوات المهيبة لهدير العواصف الرعدية في المكان، ما حداه لتسمية المنطقة بـ«Sierra Lyoa» (أي: جبال الأسد). ومع الزمن، سيتطور الاسم ليصبح سيراليون (Sierra Leone).

 Embed from Getty Images

أخطاء لغوية

بعد عدة قرون من رحلة سيراليون، سيمنح جبلٌ آخر اسمه لدولةٍ في شرق أفريقيا، وتحديدًا عندما وصل البريطانيون جبلًا مغطى بالثلوج كان يسميه شعب الكيكويو باسم «كرينياغا» (ويعني: حيث يقطن الإله). كان هذا الاسم ثقيلًا على ألسنة البريطانيين، ومع كفاحهم لنطقه توصلوا إلى اختزاله باسم « Mt. Kenya»، ومن ثم أخذت كينيا اسمها من اسم هذا الجبل.

Embed from Getty Images

ليست صعوبات النطق العامل الوحيد وراء الأسماء المغلوطة أو المحرّفة عن أصلها الإفريقي، بل تأتي أحيانًا من الأخطاء الكتابية كما توضح الكاتبة. لم يزر ماركو پولو –التاجر والمستكشف الإيطالي من القرن الثالث عشر- مدغشقر أبدًا، ولكن يُعتقد أنه المسؤول عن الخلط بينها وبين مقديشو وإدراجها هكذا في مذكراته، والتي حوت أول ذكرٍ مطبوع لكلمة «Madageiscar». هذه الكلمة الإيطالية المترجمة حرفيًا وبصورة خاطئة عن كلمة مقديشو، أصبحت في نهاية المطاف الاسم لثاني أكبر دولة جزرية في العالم كله (دولة مدغشقر).

Embed from Getty Images

أساطير وأنهار

لكل بلدٍ حكاياته إرثه وأساطيره، تستمد مالي اسمها من الكلمة البامبارية الأصلية لفرس النهر وقد تطورت لتصبح بمعنى «المكان الذي يعيش فيه الملك». يمثل فرس النهر معنى القوة في الثقافة الماليّة، وتعرّج الكاتبة على أسطورةٍ ساحرة لدى الماليين تحكي كيف تحول مؤسس الإمبراطورية المالية سوندياتا كيتا إلى فرس نهرٍ عند وفاته، وبذلك بقيَ مقيمًا في نهر سانكاراني أحد روافد نهر النيجر، وقد نُسجت الأناشيد والقصائد التي تمجّد في بطولاته وتُعلي من أهميّته في تاريخ مالي.

Embed from Getty Images

وعلى مقربةٍ من مالي، دولتان أخريان أخذتا اسميهما من نهر غرب أفريقيا الرئيسي نهر النيجر. فكما تذكر الكاتبة في مقالها: سُميت كل من النيجر (وهي مستعمرة فرنسية سابقة إلى شمال نيجيريا) ونيجيريا (مستعمرة بريطانية سابقة) على اسم نهر النيجر الذي يمر عبرهما. كان اسم نهر النيجر أساسًا « Ni Gir» بإحدى اللغات المحلية (ويعني نهر Gir)، على الرغم من وجود نظرية تدّعي بأن اسم النهر يعود للصفة اللاتينية التي تعني الأسود، وكأن النهر سُمي «النهر الأسود».  

 Embed from Getty Images

أثرٌ عربيّ وتهيؤات مكانية

ترك الإرث العربي أثره أيضًا في هذه القارة وكان مصدرًا لبعض أسماء الدول الأفريقية. تشير الكاتبة إلى موزمبيق والتي جاء اسمها من شيخٍ عربي أصبح اسمه توأمًا مع اسم البلاد. حكم موسى بن بيق المنطقة في الوقت الذي بدأ فيه الاستعمار البرتغالي وبداية وصول البرتغاليين لهذا البلد ليشيروا إليها باسم حاكمها. أما السودان فأخذ اسمه من العبارة العربية «بلاد السودان» والتي تعني أرض السود وفقًا لمراجع الكاتبة.

تستمد جزر القمر اسمها من التجار العرب في القرن العاشر، والذين أطلقوا عليها اسم «قمر»، ويعود سبب هذه التسمية ربما لشكل نصفِ القمر الذي تشكله جزر القمر الأصلية الأربع.

Embed from Getty Images

وستسمّى الغابون كذلك على أساس شكلها المكاني كما يظهر للقادم إليها. كان التجار البرتغاليون أول زوار الغابون الأوروبيون الأوائل، إذ وصلوا في القرن الخامس عشر وسمّوها حينها بـ« Gaboa» (وتعني المعطف)، استنادًا لشكل مصبّ نهر كومو موضع استكشافاتهم الأولى، إذ بدا لهم كأنه معطفٌ بأكمامٍ وقلنسوة.

دولٌ تتخلّص من طبعاتِ الاستعمار

تبرز زيمبابوي في الجنوب دولةً حاربت أثر الاستعمار في تسميتها لتستعيد هويتها الخاصة، إذ استرجعت اسمها الأصلي عام 1979م والذي يعود لمملكة زيمباوي الحاكمة من القرن الثالث عشر حتى الخامس عشر. بهذه الخطوةِ الفارقة، نفضت زيمبابوي عن نفسها الاسم الذي خلفه لها الاستعمار «روديسيا» والذي أعطي لها نسبةً إلى سيسيل روديس الذي كان مستعمِرًا بريطانيًا واسع النفوذ وفاحش الثراء، إذ ترأّس شركة جنوب أفريقيا البريطانية التي كانت «تملك» دولتي زامبيا وزيمبابوي الحاليتين، وما يزال إرث هذا الرجل المستعمِر في القارة موضع تساؤل وجدل حتى يومنا هذا.

Embed from Getty Images

استعادت غانا أيضًا اسمها عند الاستقلال، والذي يعود لمملكة غانا الغرب أفريقية التاريخية. تحمل غانا بدورها إرثها الاستعماري البريطاني، إذ كانت تُعرف باسم الساحل الذهبي (Gold Coast) أثناءه. ظهرت دعوات أيضًا في جنوب أفريقيا، هذه الدولة المتعددة الثقافات والأعراق، للتخلص من إرثها الاستعماري المتجسد باسمها وتغييره إلى آزانيا. تلفت الكاتبة إلى نقطةٍ مثيرة للاهتمام هنا، أنه لا يوجد أصل أفريقي حتى لهذا الاسم الأخير. إذ أن آزانيا هو الاسم الذي استخدمه المستكشفون اليونانيون في القرن الأول للإشارة إلى جنوب أفريقيا.

حتى البلاد التي ليس لها تاريخ استعماري يجد اسمها جذوره متشابكةً مع الجذور الأوروبية، كما هو حال إثيوبيا التي لم تُستعمر أبدًا ولكن لاسمها جذورًا يونانية من كلمتي «وجه-محترق» بمشتقّ الاسم أو «البنيّ المحمر» بمشتقّ الصفة. على نفس المنوال، دولة ليبريا وهي أقدم جمهورية في القارة إذ تأسست دولةً مستقلة في عام 1847 بأيدي العبيد الأمريكيين من أصلٍ أفريقي ممن نالوا حريتهم، ويأتي اسم ليبريا مشتقًّا من كلمة «الحرية» باللغة الإنجليزية.

3 دول تُغيّر من النظرة التقليدية لأفريقيا

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد