نشرت مجلة ذي أتلانتك الأمريكية مقالًا كتبه مارك إنجلر، عضو مجلس تحرير مجلة ديسينت، ناقش فيه الشرارة التي أطلقت الاحتجاجات وكيفية نهايتها، وخلص إلى أنه عندما تُخمَد موجة المظاهرات الحالية، لن تختفي الحركة الاحتجاجية.

مقتل جورج فلويد يشعل شرارة المطالبة بالعدالة العنصرية

يقول إنجلر في مستهل مقاله: منذ أن قتلت الشرطة الأمريكية جورج فلويد في مينيابولس في 25 مايو (أيار)، تدفقت الحشود التي تطالب بالعدالة العرقية إلى الأماكن العامة في جميع أنحاء البلاد وفي العالم بأسره، مع ظهور الأعمال التضامنية في كوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا والأرجنتين وأستراليا.

وعلى الصعيد المحلي، تبلورت المظاهرات ليس فقط في المدن الرئيسية، ولكن أيضًا في البلدات الصغيرة في أمريكا، حتى الأماكن التي يوجد بها سكان محافظين للغاية.

وكما أشار العديد من العلماء السياسيين في صحيفة واشنطن بوست، فإن «الولايات المتحدة نادرًا ما تشهد احتجاجات بهذا الحجم والكثافة والتواتر؛ إذ عادة ما تشهد احتجاجات كبيرة أو احتجاجات متواصلة، ولكنها لا تشهد كليهما في الوقت ذاته».

متى ستنتهي هذه الاحتجاجات؟ وماذا سيعني ذلك عندما تنتهي؟

يجيب الكاتب: على الرغم من الاختلافات بين موجات الاحتجاجات الجماهيرية، فإنها كلها تميل إلى أن تسلك مسارًا مشابهًا. فالمتظاهرون لا يمكنهم البقاء في الشوارع إلى الأبد. ومع ذلك، عندما تلين عزيمتهم، فهذا لا يعني أنهم لم يعودوا مهتمين، أو أن الحركة انتهت. وبعد انتهاء الاحتجاجات، يمكن أن تبقى أهدافها وأفكارها مع استمرار جهود تنظيم الاحتجاجات.

وبينما تنتج الحركات إجمالًا عن رؤية طويلة المدى ومظالم متأصلة، تظهر الاحتجاجات الجماهيرية خاصة استجابة لما يصفه بعض المنظرين بـ«الأحداث المُحرِّكَة».

في تلك الحالة، ربما يذكي حدث مأساوي – مثل الكوارث الطبيعية أو التقارير الإعلامية التي ترفع الستار عن بعض الأسرار أو الفضائح السياسية أو جرائم القتل – حمية الحماس ويثير غضبهم، ما يترتب عليه نزول الناس إلى الشوارع. وربما تمتد لحظة من لحظات الاضطراب لمدة أسابيع أو أشهر، لا سيما عندما يقودها منظمون ماهرون.

كيف عرضت «الصحافة البيضاء» حياة السود في أمريكا للخطر لمدة 100 عام - كيف تنتهي الاحتجاجات الجماهيرية؟

ويتابع إنجلر: لكن النشطاء الذين يحاولون الحفاظ على الزخم يواجهون صعوبات شديدة؛ نظرًا لتقلب وسائل الإعلام في الاهتمام بهم، وتسليط الضوء الخاطف على الناشطين يجعل من الصعب رؤيتَهم وجذب أشخاص جُدُد إلى صفوفهم.

وعلى الرغم من أن قضايا العدالة الاجتماعية التي أثارها الاحتجاج تظل جزءًا مهمًا في المناقشات العامة، إلا أن عناوين الصحف ابتعدت عن التركيز على أعمال الشوارع واتجهت بدلًا من ذلك إلى قصص على غرار مسيرات إعادة انتخاب الرئيس دونالد ترامب وارتفاع حالات الإصابة الجديدة بفيروس كورونا.

الالتزام بالوقت والطاقة

وهناك عامل آخر من العوامل التي يمكنها إبطاء الاحتجاجات، وهو أنها تتطلب من المشاركين التزامًا جادًا بالوقت والطاقة، وفي نهاية المطاف، يكلّ الكثير من المشاركين.

ومع تمدد الأسابيع، تبدأ ضغوطات الحياة المعتادة في فرض نفسها عليهم مجددًا، ويجب أن يعود الناس إلى مسؤولياتهم التي ربما أرجأوها خلال لحظة الأزمة.

وربما يتعرض بعض المشاركين الأكثر التزامًا للاعتقال وما يعقبه من الوقوع في ورطات قانونية تستغرق وقتًا طويلًا، ما يؤدي إلى عرقلة حياتهم. ومثال على ذلك، أسفر المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري الذي انعقد في مدينة فيلادلفيا عام 2000 عن مئات الاعتقالات، ودفع كفالات تصل إلى مليون دولار لأولئك الذين اعتُبِروا «زعماء الثورة»، ومعركة قانونية استغرق حلها سنوات.

ويشير إنجلر إلى أن بعض المشاركين في الاحتجاجات ربما يحوِّلون طاقاتهم إلى مزيد من القنوات المؤسسية  سواء بسبب حساباتهم الاستراتيجية أو تعبهم.

على سبيل المثال، حوَّل الكثير من المحتجين على حرب العراق في مطلع عام 2003 تركيزهم إلى الأعمال الانتخابية بحلول الصيف أو الخريف، واعتقدوا أن حملات المرشحين مثل هوارد دين مثَّلت أفضل أمل لخلع الرئيس جورج بوش الابن، وبالتالي إنهاء الحرب.

تقديم التنازلات

وربما يقدم المسؤولون السياسيون وأهداف الاحتجاجات الأخرى تنازلات قصيرة المدى إلى حركات الاحتجاج، أو يدعون ناشطين بارزين إلى المشاركة في اللجان واقتراح حلول سياسية.

وربما يستشهد المتفائلون بهذه الأمور باعتبارها أمثلة إيجابية للإصلاح. لكن من الأرجح أن يصفها النقاد بأنها أمثلة على «التعاون» ويشيرون إلى أن التغييرات التي طرأت ما هي إلا فقط خطوات صغيرة نحو معالجة الأسباب الجذرية لقضية من القضايا.

 - كيف تنتهي الاحتجاجات الجماهيرية - السود

السود

وبحسب التفاصيل، يمكن أن يكون أحد هذه التقييمات أو كلاهما صحيحًا (على الرغم من حقيقة أن وكالات العلاقات العامة بالشركات توصي بالاستعانة بفرق العمل والمجالس الاستشارية باعتبارها وسائل لـ«إدارة النشاط»؛ ما يشير إلى أن الشكوك لها ما يبررها). وعلى الرغم من ذلك، يمكن أن يساعد تصور أن شيئًا يُنجَز لمعالجة مخاوف المحتجين في تخفيف وطأة السخط العام.

ونظرًا لكل هذه الأسباب، ومع مرور الوقت، تتلاشى الصدمة الأولية للأحداث المُحرِّكة. وعند تلك النقطة، تنخفض وتيرة الاحتجاجات الجماهيرية وتميل مقومات أخرى من مقومات الحركات الاجتماعية إلى أن تبرز في الصورة مرة أخرى. ويستمر الوضع على هذا النحو، حتى يشعل حدث جديد احتمالية قيام ثورة.

وسائل التعبئة الجماهيرية

ويذكر الكاتب أن التعبئة الجماهيرية تحدث في إطار نظام إيكولوجي أوسع لأنشطة الحركة الاجتماعية. وتتضمن أجزاء أخرى من الحركات بناء منظمات طويلة المدى، مثل الاتحادات والمجموعات المجتمعية، والمشاركة في «أنشطة المطبخ»، مثل الحملات الانتخابية وحشد الدعم التشريعي.

ومع ذلك، ربما تعكف شرائح أخرى من الحركة الاحتجاجية على التثقيف السياسي، وتشجيع التحول الشخصي على المستوى الفردي (من خلال برامج روحية وثقافية)، أو بناء مؤسسات بديلة (مثل الساحات المجتمعية والمكتبات والتعاونيات الغذائية ووسائل الإعلام المستقلة).

وتساهم كافة هذه الأشكال من التنظيم في منح الحركة نفوذًا طويل المدى، حتى وإن كانت ربما تتمتع بأهمية متفاوتة في أوقات مختلفة في دورة حياة الحركة الاحتجاجية. ويلفت الكاتب إلى أنه عندما يصبح ذبول جذوة الاحتجاج حتميًا، يعلن العديد من المعلقين في وسائل الإعلام انتهاء الحركة ويستنكرون عجزها في تحقيق تغيير دائم.

على سبيل المثال، يُستشهَد دائمًا بحركة «احتلوا وول استريت» (التي دعا إليها ناشطون على مواقع التواصل تأثرًا بثورات الربيع العربي عام 2011) باعتبارها فشلًا، على الرغم من حقيقة أنها ساهمت في تحقيق تغيير كبير في المحادثات بشأن اللامساواة الاقتصادية في أمريكا وساعدت في تمهيد الطريق إلى القبول العام لمرشحي الكونجرس والمرشحين الرئاسيين مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز وبيرني ساندرز.

 - كيف تنتهي الاحتجاجات الجماهيرية؟ «الأشخاص الملونون» يحتجون.. كيف تضامن غير البيض مع ضحايا العنصرية؟

ومن الأدق أن نقول إن الاحتجاجات الجماهيرية تعمل في دورات. ويمكن أن يساعد المنظمون الذين يعملون على الوضع المتغير، الذي تخلفه التعبئة واسعة النطاق، في الاستعداد للانتفاضات المستقبلية؛ بتأسيس بنية تحتية يمكنها أن تساعد الحركات في الاستجابة عندما تطلق أحداث مُحَرِّكة جديدة موجات غضب جديدة.

يضرب الكاتب على ذلك مثلًا: الجولة الحالية من فعاليات العدالة العرقية، والتي يعزو جزء كبير من قوتها الحيوية إلى احتجاجات «حياة السود مهمة» التي اندلعت خلال فترة إدارة أوباما والتنظيم الذي استمر منذئذ.

ويختم عضو مجلس تحرير مجلة ديسينت مقاله قائلًا: استيقظت أمريكا، أكثر من أي وقت مضى، على أنماط من العنصرية الهيكلية والطبيعة الممنهجة لانتهاك الشرطة. وحتى يتغير ذلك النظام، ينبغي أن نتوقع يقينًا ظهور موجات جديدة، حتى مع تراجع الموجات الأقدم من المظاهرات الجماهيرية.

مجتمع

منذ شهر
«و.بوست»: مقتل «فلويد» كان مجرد شرارة.. ما هو السبب الحقيقي وراء الاحتجاجات؟

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد