كيف تحقق كبرى الشركات في الولايات المتحدة أرباحًا هائلة؟ يوجه الكاتب برانكو مارشيتتش هذا السؤال لقرّائه في مجلة «جاكوبين» الأمريكية، معتقدًا أن هذه الشركات تحاول إيهام العامة بأن أرباحها تعود لتفوّق المنتجات والخدمات التي تقدّمها، لكن جزءًا من القصة الحقيقية – وفقًا للمقال – يعود لسنواتٍ من سرقة الأجور من موظفيها.

مركز «جود جوبز فيرست» للموارد السياسية – الذي يركز على محاسبة الحكومات والشركات – أجرى تحقيقًا استمرّ لمدة عام بخصوصِ سرقات الأجور من قبل أرباب العمل الكبار، جامعًا المعلومات من الدعاوى الجماعية المرفوعة من قِبَل العمال المتعرضين للسرقة، وكذلك الإجراءات التي اتخذتها وزارة العمل والوكالات التنظيمية الخاصة بالدولة. جُمِعت النتائج في تقريرٍ صدر في بدايات شهر يونيو (حزيران) تحت عنوان «سرقة الرواتب العظمى: الشركات الكبرى التي تتلاعب بأجور عمالها». النتائج مذهلة: 4200 حالة منذ بداية الألفية بغراماتٍ بلغ مجموعها 9.2 مليار دولار.

ربما تعتقد أن سرقة الأجور جريمة لا ترتكبها إلا الشركات الصغيرة وغير الجديرة بالثقة. في الواقع، كل الشركات الشهيرة، تقريبًا، احتل اسمها مكانًا ضفي قائمة تضم 500 شركة ارتكبت عقوبات تعلو قيمتها عن مليون دولار، بدءًا من قضية لشركة «ساوثويست أيرلاينز» تبلغ مليون دولار، وصولًا حتى القمة والتي يتبوّأها – حتى الآن – شركة «وولمارت»، بتسوياتٍ وغرامات تبلغ قيمتها 1.4 مليار دولار، وذلك فقط من 36 حالة فقط.

الشركات الكبرى والعلامات التجارية الشهيرة تسرق أجور عمالها وموظفيها أيضًا

لا صناعة مستثناة؛ شركات الشحن والخدمات اللوجستية «فيديكس» (في المرتبة الثانية بعد «وولمارت» بغراماتٍ قدرها 502 مليون دولار)، وشركات الصيدلة «نوڤارتـِس»، والخدمات الصحية «تينته هيلث كير»، والاتصالات «إيه تي آند تي، كومكاست، ڤيرايزن»، والطعام والمطاعم «ماكدونالدز، ستاربكس ، كوكاكولا»، التكنولوجيا «مايكروسوفت، آبل، ألفابت»، وحتى مدن الملاهي «سيكس فلاغز». يمكن القول إن النسبة الأكبر تذهب لقطاع التمويل، إذ إن خمسة من أكبر المنتهكين الاثني عشر هي بنوك وشركات تأمين. على سبيل المثال: بنك أوف أمريكا، وويلز فارغو، وجي بي مورغان تشيس، دفعوا وحدهم غرامات بقدرِ 746 مليون دولار.

النقطة الأشد إدهاشًا في التقرير ربما تكمن في مستوى الأرباح التي يجنيها أسوأ المخالفين. 10 من بين المخالفين الاثني عشر في القمة، والذين تعرضوا للغرامات الأكبر، لديهم أرباح تصل إلى المليارات – أحيانًا عشرات المليارات – بمتوسط أجور للمدير التنفيذي 16 مليون دولار. وفقًا للتقرير، فإن الشركات الكبرى – المدرجة في قوائم فورتشن 500، فورتشن جلوبال 500، فوربس لأضخم الشركات – تمثل نصف إجمالي القضايا، و74% من الغرامات، ومن قائمة فورتشن 500 هنالك 303 شركات لديهم حالة سرقة على الأقل.

ماذا تتضمن سرقة الأجور بالضبط؟ من الحالات التي تم تفصيلها، تضمّن البعض انتهاكات واضحة من قبيل إعطاء أجور أقلّ من الحد الأدنى أو مصادرة البقشيش. أكثر الانتهاكات القانونية شيوعًا حتى الآن هو عدم دفع أجور العمال مقابل العمل الإضافي، يتبع ذلك تصنيف العمال بشكل خاطئ لغايةِ إقصائهم من معايير العمل الأساسية، وكذلك عدم إعطاء العمال وجباتِ الطعام أو فرص الاستراحة اللازمة. يكمن أحد الانتهاكات الشائعة في مطالبة العاملين بالقيام بساعات عمل لإنجاز مهام معينة قبل أو بعد أوقات العمل النظامية.

وجد التقرير 127 تسوية مُخفاة تفاصيلها عن العامة، فيما وفّرت ثماني ولاياتٍ فقط البيانات وأكثر من نصف الدعاوى القضائية الخاصة المفحوصة أتت من كاليفورنيا، بفضلِ معايير العمل القوية نسبيًا في هذه الولاية.

في الحقيقة، خلُصَ تحقيق سابق أجرته صحيفة «بوليتيكو» على مدى تسعة أشهر إلى أن عملية تطبيق قوانين الأجور في جميع أنحاء البلاد تعاني بشدة من نقصٍ في الموارد، بل تنعدم أحيانًا؛ يضاف لذلك عدم قدرة العمال عادة على استعادة أموالهم المستحقّة. حسب أحد التقديرات، العمال في كولورادو وحدهم محرومون من 749.6 مليون دولار من الأجور سنويًا. يمكن أن يزداد الأمر سوءًا مع محاولة وزارة العمل في عهد ترامب تنفيذ برنامجٍ تجريبيّ؛ حيث يجرَّم المذنبون ومنتهكو القانون بهذا الخصوص بردّ الأموال ببساطة دون دفع أي نوع من العقوبات أو الغرامات.

من إضراب لعمّال قطاع الوجبات السريعة في نيويورك مطالبين برفع الحد الأدنى لأجورهم

يقدم التقرير بعض الحلول لمشكلة سرقة الأجور، بما في ذلك تعزيز موارد المنظمين لملاحقة المنتهكين، وحذو منهج كاليفورنيا عبر تقوية قوانين الدولة ضد سرقة الأجور. يلاحظ التقرير بالمقابل أنه ومع النظر إلى ضعف الحكومة أمام احتجاز الشركات، وقلة الموارد، والسياسيين المعادين، فإن أحد الحلول له أهمية تعلو عن كل ما سبق، ألا وهو: تسهيل تكوين النقابات للعمال.

كما يقول التقرير: «المساومة الجماعية، وقوة العمال الجماعية هي الطريقة الأكثر فعالية لوقف سرقة الأجور».

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد