«إنّ دونالد ترامب يدعو إلى حظر شامل على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة؛ إلى أن يدرك السياسيون في بلادنا حقيقة ما يجري». هكذا صرّح ترامب أثناء حملته الانتخابية نحو البيت الأبيض. وهو بذلك يجعل المسلمين القادمين من الخارج تهديدًا محدقًا. ولم يتخل عن رأيه هذا، حتى بعد أن أصبح رئيسًا، بل وقّع أمرًا تنفيذيًا يمنع مواطني سبع دول إسلامية من دخول بلاده.

وأوضح مقال نشر عبر موقع«مجلة فورين أفيرز» الأمريكية أنّه قد ثار جدل بسبب هذا القرار، إلاّ أنّ فكرته ليست وليدة اللحظة، بل تنطوي على موقف قديم لدى الغرب، وذلك مثلما يبين المؤرخ سيميل أيدين في كتابه «فكرة العالم الإسلامي». ذكر أيدين في كتابه أنّ فكرة العالم الإسلامي ليست نتاج علم اللاهوت الإسلامي أو مستوى عالٍ من التقوى الإسلامية، بل هي نتاج العنصرية الغربية التاريخية للمسلمين من ناحية، ورغبة المسلمين في مقاومة تلك العنصرية من ناحية أخرى.

ومنح ذلك الصراع في القرنين الـ19 والـ20 معنى لفكرة العالم الإسلامي لمن يعيش داخله. ويشير المصطلح إلى سلسلة من التفسيرات من طرف المسلمين وغيرهم بهدف إدراك الأفكار العنصرية التي تخص الدين والغربة والحداثة.

اقرأ أيضًا: حفيد البنا.. المفكر الذي لم تستعن به الجماعة في حل أزمتها

العالم الإسلامي ليس سطحيًا

حكمت بريطانيا العديد من المناطق في العالم الإسلامي خلال القرنين الـ19 والـ20 بما يجعل من غير المفاجئ أن يستخدم قادة المستعمرات الإسلام كوسيلة للسيطرة على الرعية. مثال ذلك المحاكم الأنجلو – محمدية في الهند، التي استخدمت الشريعة الإسلامية للفصل بين المسلمين في نزاعاتهم. كما فصلت في النزاعات بين المسلمين وغيرهم.

لكن المسلمين تحت الحكم البريطاني حينذاك – يشير التقرير – تضافرت جهودهم لدحض فكرة أنّهم رجعيون وأنّ الإسلام لا يصلح مع الحداثة. فقد كتب القاضي الهندي سيد أمير علي – على سبيل المثال – واصفًا النبي محمد بمخترع متحضر، وأنّ الإسلام تقليد عقلاني، وعالمي، يضاهي حقبة التنوير في اليونان القديمة.

وروج مفكرون إسلاميون آخرون بارزون وجهة نظرهم حول العالم الإسلامي بنفس الطريقة. وكانت أهدافهم في أحيان كثيرة اجتماعية وسياسية وليست دينية؛ فقد أثار المفكرون المسلمون فكرة عالم إسلامي واحد أو «الأمة» لتصور مستقبل يمكن فيه للأمة التخلص من إذلال قوى الاستعمار لها. إلا أنّ الحديث عن قدرة العالم الإسلامي على حكم نفسه عزّز من المسار العنصري الأوروبي حيث جرى توحيد المسلمين عبر دينهم وإرثهم.

يقول التقرير: إنّ الأفكار الغربية هي الحجّة التي بنى عليها المفكرون المسلمون آراءهم، لذا فقد وفروا نوعًا من الإطار الفكري. وتشارك المفكرون الغربيون أمثال إرنست رينان وصامويل هانتينجتون وأرنولد توينبي مسودة لعالم إسلامي مميز عرقيًا وحضاريًا وجيوسياسيًا عن الغرب، وقد تلقفها المفكرون المسلمون وبنوا هويات على أساسها. وهذا ما فعله أيضًا الساسة المسلمون البارزون، مثل السلطان عبد الحميد الثاني، والحاج أمين الحسيني، والملك فيصل بن عبد العزيز، وآية الله الخميني، فجميعهم أسسوا مشاريعهم السياسية على فكرة الأمة الإسلامية.

يزعم أرنولد توينبي أنّ الحضارة الإسلامية هي الأنسب لقيادة العالم؛ لأنّ
ثقافتها وفلسفتها وقيمها الروحية تتناقض تمامًا مع الغرب العلماني. يقول
أيدن «كان من بين أكثر المعجبين بتوينبي أولئك المفكرون الذين عُرفوا
لاحقًا باسم الإسلاميين».

وينوه التقرير إلى أنّ التحدي الذي واجه أيدين تمثّل في تحديد متى وكيف حدث التحول. لننظر إلى كلامه حول كيفية تلقي الكتّاب المسلمين أفكار توينبي خلال الحرب الباردة. بعدما شهد فظائع الحرب العالمية الثانية، شدّد توينبي على أنّ الغرب يعاني من الانحلال، وحثّ المجتمعات الأخرى على مقاومة النزعتين المادية والغربية لدى الغرب. ويزعم أرنولد توينبي أنّ الحضارة الإسلامية هي الأنسب لقيادة العالم؛ لأنّ ثقافتها وفلسفتها وقيمها الروحية تتناقض تمامًا مع الغرب العلماني. يقول أيدن «كان من بين أكثر المعجبين بتوينبي أولئك المفكرون الذين عُرفوا لاحقًا باسم الإسلاميين».

ويضيف التقرير أن ما ساند الكاتب التركي سيزاي قاراقوش هي فكرة أن الإسلام بديل عن الاشتراكية والرأسمالية. وأدى ذلك إلى اعتناق بعض المفكرين المسلمين أفكارًا مثلت إهانة للدين والإرث الثقافي الإسلامي. وبدلًا عن البحث عن قيم مشتركة بين الإسلام والعلمانية والاشتراكية، رأى الإسلاميون أنّ محاولة التوفيق بين تلك المفاهيم وبعضها على أنّها عروض لتقليد قيم الغرب عدو الإسلام. وبصرف النظر عن بضعة أمثلة عابرة، قدم أيدين القليل من الأدلة لإثبات ادعاءاته حول تأثير توينبي؛ حيث ينتاب القراء شعور بأنّ توينبي قد أثر في الإسلاميين المعاصرين بسبب التشابه بين أفكارهم.

ويرى معدا التقرير أنّه بسبب تأثير الفكر الأوروبي على المثقفين المسلمين، فقد جعل أيدين هؤلاء المفكرين رهينة لفكرة أنّ المسلمين لم يخلقوا هويات موحدة طبقًا لشروطهم الخاصة قبل التوسعات الإمبراطورية في القرن الـ19. والنتيجة هي أن أيدين يحد من أهمية الحالات السابقة للحديث عن تشكيل الهوية السياسية الإسلامية. ومع ذلك، في داخل المناطق ذات الأغلبية المسلمة في العصر القديم، كان لمفاهيم مثل الأمة (الجماعة الإسلامية)، والخلافة (مجتمع سياسي يرأسه الخليفة)، والإمام (جماعة سياسية شيعية يقودها إمام) أدوار مهمة في دعوات الوحدة السياسية.

ويشير التقرير أنه على الناحية الأخرى، فإن في الغرب، أيضًا، كان لدى فكرة العالم الإسلامي بعض الجذور قبل الاستعمار، مثل تفاعلات القرون الوسطى بين المسيحيين في الغرب اللاتيني والمسلمين في شمال أفريقيا وإسبانيا. تعيد قصيدة أغنية رولاند من القرن الـ11، على سبيل المثال، صياغة هزيمة 778 جندي شارلمان في معركة رونسيفوكس بوصفه نضالاً أسطوريًا بين المسيحيين والمسلمين.

وحتى إن أخذت فكرة العالم الإسلامي شكلًا مميزًا في القرن الـ19، كما يقترح أيدين، فإن بعض المصطلحات المرتبطة تاريخيًا في الغرب مع هذا التكوين «العربي»، قد ظهرت في وقت سابق؛ مما يساعد على جعل كل من الإسلام والعالم الإسلامي متجانسين.

اقرأ أيضًا: الإسلاموفوبيا .. لماذا يخشى الغرب الإسلام؟

نحن وهُم

يقول التقرير: إن فكرة العالم الإسلامي تبدو مثيرة للقلق مثل فكرة قدوم المسلمين إلى الغرب. وما يسمى بحظر المسلمين هو مثال على ذلك، وكذلك التشريع الذي اقترحه السيناتور تيد كروز في يناير (كانون الثاني) يطلب فيه من وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين، وهي منظمة سنية دولية، كمجموعة إرهابية.

كما أن المخططين الاستعماريين الأوروبيين استغلوا فكرة العالم الإسلامي لتبرير ممارساتهم الإدارية، فقد ربطت بعض الأطراف في أمريكا اسم الإخوان المسلمين بالمنظمات الإرهابية. وهذا المنطق هو الذي أدى إلى تصنيف منظمات حقوق الإنسان الإسلامية، مثل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)، كمنافذ للإخوان المسلمين. (بعد فترة وجيزة من عرض كروز مشروع القانون، على سبيل المثال، وصف أمين صندوق ولاية أوهايو ومرشح مجلس الشيوخ جوش ماندل منظمة كير بأنهم أشخاص سيئون مرتبطون بجماعة الإخوان المسلمين وحماس).

ويشير التقرير إلى أن حكومات بعض البلدان ذات الأغلبية المسلمة في الشرق الأوسط، مثل مصر والسعودية، استخدمت منطقًا مشابهًا لتشويه سمعة الإخوان المسلمين. حيث شن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حملة قاسية ضد الجماعة وحلفائها، وسعت بعض دول الخليج، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى إظهار أنّ جماعة الإخوان تمثل تهديدًا لأنظمتها المحافظة.

وعلى غرار فكرة العالم الإسلامي، أصبح اسم الإخوان رمزًا يستخدم في الغرب والشرق الأوسط لتحقيق أغراض سياسية. هنا ثبتت قيمة كتاب أيدين من خلال الكشف عن الكيفية التي تشكل بها التحيزات العنصرية والحضارية والسياسية التي ظهرت في القرن التاسع عشر رؤى معاصرة للعالم الإسلامي داخله وخارجه.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!