استعرض البروفسور «صموئيل رايبوني»، المحاضر في تاريخ الفن بجامعة ابيريستويث، في مقال نشره موقع «ذا كونفرزيشن» كيف وظَّف نابليون الثالث التصوير الفوتوغرافي كدعاية لإخفاء التداعيات المؤلمة لبناء باريس الجديدة.

يستهل الكاتب مقاله بالإشارة إلى أن لويس نابليون بونابرت، الذي حكم فرنسا في الفترة من 1848 إلى 1870، كان «الداعم الأكثر حماسًا للتصوير الفوتوغرافي في كل أنحاء أوروبا». وكان يكدس مكتباته بصور لا تحصى للجسور، والمتنزهات، ومعسكرات الجيش، والسكك الحديدية، والقصور. ولأن تلك المنشآت كانت أهم إنجازاته، كلف مجموعة من المصورين لتمجيدها.

في العام 1839 عُرض التصوير الفوتوغرافي علنًا للمرة الأولى، وكان بمثابة أعجوبة علمية حديثة؛ إذ أذهلت واقعيته ودقته وصدقه المشاهدين في القرن التاسع عشر. وفي الخمسينات من القرن التاسع عشر، جعلت تلك الخصائص من التصوير الفوتوغرافي أداة دعاية أساسية، حتى التصوير الطبي أصبح مُسيسًا.

ومع ذلك، كما اكتشف المصور «تشارلز نيجري» عندما زار «أيسيل أيمباريال دو فينسين»، مستشفى نقاهة للرجال العاملين أسسه لويس نابليون، فإن تسييس الأجساد كان أكثر صعوبة من تسييس الجسور. وبسبب إعاقتهم جراء البتر والإصابة بحمى التِيفُوئِيد، لم تكن صور مرضى الملجأ لتتلاءم بسهولة مع الدعاية المضخمة للذات التي أطلقها لويس نابليون. ولكسب القبول الرسمي، كان لزامًا على نيجري أن يفرض رقابة تُخفي آلامهم.

تسليط الضوء على التقدم

يوضح الكاتب أن لويس نابليون ورث عاصمة محدودة ومتداعية تنتشر فيها الجريمة. إذ كان سكان باريس الذين بلغ تعدادهم آنذاك مليون نسمة يعيشون ملتصقين في كتلة متشابكة شاسعة من المباني المكتظة بالسكان. بل كان هناك حي فقير في فناء متحف اللوفر.

كان تحديث باريس يُبشر بأكثر من مجرد فوائد عملية: «أريد أن أكون أغسطس الثاني»، حسبما كتب لويس نابليون في عام 1842، «لأن أغسطس جعل روما مدينة من الرخام». وكان ذلك يعني المجد. لذلك وظَّف نابليون مديرًا فعالًا لا يرحم، «بارون هوسمان»، لهدم الأحياء الفقيرة القديمة.

ويتابع الكاتب: تحولت المدينة إلى موقع بناء. وتسجل صور «تشارلز مارفيل» قذارة الأحياء الفقيرة، وفوضى تحولها، ومشهد ميلاد تلك الأحياء من جديد. جند نابليون الآلاف من الرجال في جيش البناء، وهم يناضلون في سبيل «ميدان الشرف» الجديد، من أجل مجد الأمة وزعيمها الذي يزداد تعطشه للسلطة.

Embed from Getty Images

في ديسمبر (كانون الأول) 1851 أطاح لويس نابليون بالجمهورية الثانية ونصَّب نفسه الإمبراطور نابليون الثالث. وقد حلت السلطوية الشعبوية محل الديمقراطية الليبرالية. وفي محاولة للتعويض، وعد نابليون الثالث بمنافع التقدم والإحسان للناس، وخاصة بالنسبة لأبناء الطبقة العاملة، وعلى حد تعبيره: «بإمكان أولئك الذين يعملون، والذين يعانون التعويل عليّ»، كانت شرعية حكمه تعتمد على تصديقه. وأي دليل على عكس ذلك يضعه في خطر حقيقي، وخاصة من العمال الباريسيين المتمردين. وكما صاغها أحد المعلقين: «تَعطِيل تجارة البناء لمدة أسبوع مسألة تُرعب الحكومة».

دعا نابليون الثالث ووزراؤه المصورين إلى مساعدته في السير على هذا الحبل المشدود. وبالإضافة إلى مارفيل، فوضوا «إدوارد بالدوس» بتسجيل تجديد متحف اللوفر، و«أوغست هيبولت كولارد» لتوثيق الجسور الجديدة في باريس، و«ديلمايت ودورانديل» لعرض دار الأوبرا الجديدة في المدينة. وقدمت صورهم الفوتوغرافية دليلًا ملموسًا على التقدم المحرز.

إخفاء الإعاقة

ويقول الكاتب: إن رؤية كولارد لجسر «بوينت دو جور» المعاد بناؤه نموذجية؛ لتركيزها على المقياس البشري الخارق والهندسة الجذابة لموضوعه. فقد قارن المصورون الآخرون بشكل ملائم جسور نابليون الثالث بالقنوات المائية الرومانية، ولكن كولارد يقارن بدلًا عن ذلك هيكل الجسر بالعمال الذين يبنون القناة. ذلك أن الجسر، المطبوع بختم «N» الإمبراطوري، يهيمن بصريًا على أجسامهم الصغيرة، «المحاصرة في متاهة السقالات»، ويمثل نتاجًا ملموسًا لإنجازات نابليون الثالث. وقد كانت الرسالة السياسية للصورة واضحة، وهي العمل من أجل الجماهير، ومجد الإمبراطور، وحداثة فرنسا.

ومع ذلك، وكما يشرح الكاتب كيف عمل نابليون على إخفاء التداعيات المؤلمة لإعادة بناء باريس، فقد أدرك وزير الداخلية في عهد نابليون الثالث، أن «للصناعة جرحى شأنها شأن الحرب» وأن إعادة بناء باريس لم تكن لتحدث من دون «مصابيها المجيدين». وفي عام 1855 أمر نابليون الثالث ببناء ملجأ نقاهة لرعاية العمال المصابين أثناء أعمال البناء.

زار تشارلز نيجري الملجأ في عام 1858 لتصوير مبانيه ومرضاه وموظفيه. ولكي يحصل نيجري على أجر، كان يدرك أن عليه أن يتقيد بخط الحزب. وبالرغم من ذلك فإن المرضى الذين قابلهم كانوا قد أصيبوا في حرب نابليون الثالث لتضخيم ذاته؛ مما يكذب صورته الشعبوية عن عمل الخير. وكان التحدي الذي واجهه نيجري يتمثل في كيفية الاحتفال برعاية نابليون لمعاناة هؤلاء المرضى دون الكشف عن مسؤوليته عن تلك المعاناة.

Embed from Getty Images

الصورة وانعكاس الواقع

ويشير الكاتب إلى أن نيجري بدأ ألبومه بمشهد للمرضى والموظفين في الملجأ وهم يقدمون التكريم اللائق لولي نعمتهم، إذ نظم نيجري المرضى في كتلتين هندسيتين، تم وضعهما بزاوية تلفت الانتباه نحو تمثال نصفي من الرخام لنابليون الثالث، موضوع في المنتصف، وبعيدًا عن المرضى، الذين تمتزج وجوههم الكالحة وعصيهم التي يتوكأون عليها في صورة كلية موحدة.

ويوضع هؤلاء الرجال العاملون بشكل بصري داخل هيكل بشري خارق أشبه بجسر كولارد. وبالرغم من أن الجسر كان يرمز إلى التقدم، فإن هذه الكتلة الموحدة من الأجسام تقدم مجازًا للتماسك الاجتماعي و«الامتنان الوطني» للإمبراطور.

وفي صور أخرى ركز نيجري على الهندسة المعمارية الحديثة للملجأ والموظفين الأكفاء. يُعرض المرضى وهم يتناولون الطعام ويلعبون ويقرأون، كما لو كانوا في عطلة. ولم يجرؤ نيجري على إظهار المرضى وهم يتلقون الرعاية الطبية إلا مرة واحدة، ولكنه حتى في تلك المرة اليتيمة تأكد من أن صورته تُخفي معاناة المريض. والواقع أن رؤية خيرية نابليون الثالث كانت تعتمد على إخفاء الأمراض والإعاقة التي تصيب رعاياه.

تاريخ

منذ شهر
مترجم: الجانب الآخر للثورة الفرنسية.. 10 أعمال وحشية ارتكبت باسمها

في خمسينات القرن التاسع عشر كان التصوير يُستخدم عادة لاكتشاف المرض بدلًا عن إخفائه. في إنجلترا صور الدكتور «هيو دايموند» مرضاه «النفسيين» لأنه وثق في أن التفاصيل الدقيقة للتصوير الفوتوغرافي ستلتقط له أدلة تشخيصية مخفية. أثناء العلاج أظهر للمرضى هذه الصور، معتقدًا أن الصدق المتأصل في الوسيلة وضبط الحدث ستصدمهم في التعرف على مرضهم.

ويرى الكاتب في ختام مقاله أن نيجري انفصل عن هذا الإجماع الطبي الناشئ تحت وطأة الضغوط السياسية، كما أن ضآلة التمويل جعلته يائسًا من الحصول على إعانات الدعم من الدولة.

يتابع الكاتب: في واقع الأمر فإن صوره الفوتوغرافية، في سعيه لإخبارنا بالكثير عن نابليون الثالث، لا تنبئنا سوى بالقليل عن مرضى ملاجئه. فالصور الفوتوغرافية، حتى للجسور أو للمستشفيات، لا تتسم بالحياد أبدًا، فهي نسيج من الخيارات التي يتخذها المصور. وباختياره إخبارنا لإحدى الحقائق، يصبح بوسع المصور أن يحجب عنا الكثير من الحقائق الأخرى.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد