استعرض تقرير نشرته مجلة «ذا ناشيونال إنترست» الأمريكية التاريخ الحافل لطائرات «أفيا S-199» الألمانية، ودورها مع سلاح الجو الإسرائيلي في حرب عام 1948 مع القوات العربية.

تقرير المجلة الأمريكية استهل بقوله: «عندما أعلنت إسرائيل استقلالها عن الحكم الاستعماري البريطاني في مايو (أيار) من عام 1948، توجهت على الفور إلى الحرب مع الدول العربية المجاورة. وكان أحد الأسلحة الأولى التي حصلت عليها إسرائيل طائرة مقاتلة مصممة من قبل الدولة التي سعت لمحو الشعب اليهودي».

وأضاف التقرير أن الطائرة الألمانية «مسرشميت بي إف 109» كانت الطائرة المقاتلة الأكثر تطورًا في وقتها عندما شوهدت للمرة الاولى في عام 1937 في الحرب الأهلية الإسبانية. يقودها الطيارون الألمان لدعم القوميين التابعين للجنرال فرانكو، أمنت طائرات «مسرشميت بي إف 109» التفوق الجوي على إسبانيا، وسمحت لمفجري الفاشية بقصف المدن دون مقاومة تقريبًا.

«أفيا S-199»

تمت ترقية الطائرات من طراز «مسرشميت بي إف 109» مع مدافع 20 ملم، ومحركات جديدة من طراز دايملر بنز 601، التي زادت سرعتها إلى 354 ميلًا في الساعة. لقد اجتاحت معارضيها من السماء في غزو بولندا، ومعركة فرنسا.

وكانت الهزيمة الكبرى لتلك الطائرات عندما واجهت طائرات سلاح الجو الملكي البريطاني، خلال الحرب العالمية الثانية.

وأشار التقرير إلى أنه وفي حين بدأت الطائرات المقاتلة المتفوقة تدخل الخدمة عام 1942 من قبل أطراف عدة، فقد واصلت ألمانيا النازية تطوير وإنتاج تلك الطائرات، حتى نهاية الحرب. وكانت تشيكسلوفاكيا مركزًا مهمًّا لإنتاج تلك الطائرات بشكل كبير، حيث كانت تشيكوسلوفاكيا قد تم ضمها إلى ألمانيا النازية  عام 1938.

وبعد هزيمة ألمانيا النازية، قررت التشيك إعادة الإنتاج بتصنيع نسختها الخاصة من طراز «مسرشميت بي إف 109»، وهي طائرات من طراز «أفيا S-199».

خطط التشيكيون لاستخدام مخزونهم من محركات دايملر بنز 605، المخصصة للاستخدام في طائرات «مسرشميت بي إف 109». ومع ذلك، دمر حريق مصنع المحركات؛ مما اضطر التشيكيون لإيجاد بديل. واستقروا على استغلال مخزون من محركات JUMO 211F.

وغني عن القول، إن محركات JUMO 211F لم تصمم لتكون محركات تعمل في طائرات مقاتلة.

الحرب في فلسطين

التقرير تابع بقوله إنه في أعقاب الاضطرابات العنيفة المعادية للسامية في روسيا القيصرية في عام 1880، كان يهود أوروبا قد بدأوا عمليات الهجرة إلى فلسطين كجزء من الحركة الصهيونية، التي روجت للقومية اليهودية.

انضمت الوفود المهاجرة من أوروبا للسكان المحليين من اليهود الشرقيين في الشرق الأوسط، الذين عاشوا جنبًا إلى جنب مع العرب المسلمين والمسيحيين لقرون.

وأدت أعداد السكان اليهود المتزايدة -بحسب التقرير- إلى زيادة التوترات مع المجتمعات المحلية العربية، وبدأ كثير من اليهود والعرب يرون أنفسهم في منافسة محصلتها صفر للسيطرة على الأراضي. فيما كانت فلسطين في ذلك الوقت تحت الحكم الاستعماري البريطاني.

وبينما اندلعت اشتباكات عنيفة، بدأت الجماعات اليهودية في تشكيل الميليشيات. من بين تلك الميليشيات كانت جماعات «الهاجاناه»، وكان يقودها «ديفيد بن جوريون». وكان هناك أيضًا «الأرجون» الأكثر تشددًا بقيادة «مناحيم بيجن».

قيام دولة إسرائيل

وقال التقرير إنه بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت هذه الجماعات حرب عصابات ضد الحكم الاستعماري؛ مما دفع المملكة المتحدة لبدء الانسحاب في عام 1947، بعد هجوم على فندق الملك داود.

قرار الأمم المتحدة بالدعوة إلى دولتين يهودية وعربية منفصلتين، مهد الطريق لـ«بن جوريون» لإعلان قيام دولة إسرائيل في 14 مايو (أيار) 1948.

القتال بين اليهود والعرب من أجل السيطرة على فلسطين كان قد بدأ بالفعل، قبل ذلك الوقت بكثير.

وكانت بريطانيا وفرنسا قد منحتا الاستقلال لمستعمرات أخرى في الشرق الأوسط أيضًا، وتدخلت الدول العربية المستقلة حديثًا، كما هو الحال مع مصر والأردن والعراق وسوريا ضد القوات الإسرائيلية، التي نظروا إليها على أنها قوات غير شرعية.

وفقًا لما ذكره التقرير، فإن مصر على وجه الخصوص، ورثت الكثير من المعدات العسكرية من بريطانيا، وسرعان ما قام البعض من المصريين بتمشيط المطارات التي تسيطر عليها إسرائيل، في حين تحولت طائرات «C-47» للنقل إلى مقاتلات تقصف تل أبيب.

من جانبهم، سارع قادة قوات الدفاع الإسرائيلية لتشكيل قوة جوية حتى قبل إعلان الدولة الفلسطينية.

وذكر التقرير أن جماعات «الهاجاناه» عملت بالفعل على مجموعة متنوعة من الطائرات المدنية الخفيفة، التي تقوم بمهام استطلاع، فضلًا عن عمليات القصف.

لكن التقرير ذكر أن العملاء الإسرائيليين وجدوا صعوبةً في شراء المعدات العسكرية بسبب الحظر المفروض على الأسلحة. وأخيرًا، وجدت شركة أوتو فيليكس تاجر أسلحة تشيكي على استعداد لبيع طائرات من طراز «أفيا S-199» بسعر عالي التكلفة، بلغ 180 ألف دولار للطائرة 180، أي ما يعادل 1.8 مليون دولار اليوم. وشمل السعر المعدات والذخائر، والتسليم، ودروس الطيران للطيارين الإسرائيليين، وكثير منهم لديهم خبرة الطيران المدنية فقط.

وأعقبت الدفعة الأولى من مبيعات الطائرات التي بلغت 10 طائرات دفعة ثانية، شملت 15 طائرةً.

كما كانت تفتقر القوات الجوية الجديدة إلى الطيارين والميكانيكيين المؤهلين، لذلك جمعت مجموعة رثة من المتطوعين، المغامرين والمرتزقة.

مناوشات عسكرية

أشار التقرير إلى أنه في يوم 18 مايو (أيار) 1948، ألقت طائرة «C-47» المصرية قنابل على محطة الحافلات المركزية في تل أبيب؛ مما أسفر عن مقتل 42 شخصًا، وإصابة أكثر من 100.

وعندما علم الطيارون الإسرائيليون الذين كانوا يتلقون عمليات تدريب في التشيك بالهجوم، طالبوا بالعودة إلى إسرائيل في وقتٍ مبكر. اعترض المدربون التشيكيون على أن المتطوعين لم يتلقوا حتى التدريب على عمليات القتال الأساسية. لكن المتطوعين عادوا إلى الشرق الأوسط.

وأضاف التقرير أن خطط نقل طائرات «أفيا S-199» بشكل مباشر كانت عملية مستحيلة، بسبب الحظر المفروض على الأسلحة. بدلًا من ذلك، قام الفنيون بتفكيك طائرات «أفيا S-199». وتم شحن كل قطعة في رحلتين منفصلتين باستخدام طائرات « C-46». بدأت الرحلة أولًا إلى كورسيكا، ومنها إلى عقرون -الآن قاعدة تل نوف الجوية- في عملية بالك، التي بدأت في 20 مايو (أيار).

وقال التقرير: «وفي نذير لما سيحدث لاحقًا، فقدت أول طائرة من طائرات «أفيا S-199» في 23 مايو (أيار)، عندما تحطمت طائرة « C-46» التي كانت تقلها وهي تحاول الهبوط في الضباب. في مناسبات أخرى، تم التحفظ على الطائرة التي كانت تقل طائرات «أفيا S-199»، وسُجنت طواقمها في المطارات المختلفة لانتهاكهم حظر الأسلحة.

بحلول ذلك الوقت، تجمعت سرية مصرية تتألف من حوالي 2300 جندي من اللواء رقم 2، في مئات من الشاحنات متوجهة نحو تل أبيب، برفقة سيارات مدرعة و10 دبابات. توقفت القوة قرب مدينة أشدود، وهي على بعد 30 كيلومترًا فقط من العاصمة الإسرائيلية. وفي حال كانت تلك القوة تمكنت من اجتياز المسافة الفاصلة، لكان من المفترض أن تسيطر على تل أبيب صباح اليوم التالي.

وبحسب التقرير، فإنه ومن دون حتى رحلة تجريبية واحدة، تم إرسال 4 من طائرات «أفيا S-199» مباشرةً إلى القتال. كان يقود هذه الطائرات الطيارون «عيزر وايزمان»،  و«مردخاي ألون» -كلاهما كان من قدامى المحاربين الذين خدموا في سلاح الجو الملكي البريطاني- و«زائد لو ينارت»، يهودي من بنسلفانيا من ذوي الخبرة في مشاة البحرية الأمريكية، و«إدي كوهين».

وفور اكتشاف المركبات المصرية، واجهت الطائرات الأربعة القوة المصرية، وفقدت القوات الجوية الإسرائيلية طائرتين، وقُتل أحد الطيارين، فيما توقف زحف القوة المصرية نحو تل أبيب.

التقرير ذكر أن القوات المصرية تعرضت لعدة هجمات جوية، وصدت هجومًا إسرائيليًّا مضادًا كبيرًا في الثاني من شهر يونيو (حزيران)، لكنها لم تستأنف تقدمها نحو تل أبيب.

الحفاظ على وجود إسرائيل

 

أوضح التقرير أن هذه الغارة التي تبدو ثانويةً من قبل البعض، ينسب إليها أنها حافظت على «وجود إسرائيل كما نعرفها». في حين يرى كثيرون أن وقف القوة المصرية كان بمثابة نقطة تحول في الحرب، ويخضع الأمر للجدل، فيما إذا كانت القوة المصرية تعتزم دخول تل أبيب أم لا.

ومع ذلك، فإن مجرد وجود طائرات «أفيا S-199» كان له تأثير امتد ليشمل أحداث مماثلة في المستقبل.

في صباح اليوم التالي، كانت هناك طائرتان من طائرات «أفيا S-199» في طريق العودة من مهمة تتبع قوات عراقية. وضرب أحد الطيارين طائرة «عيزر وايزمان» في قمرة القيادة، في حين لحقت أضرار بطائرة أخرى كان يقودها «ميلتون روبنفيلد»، في اشتباك مع مقاتلين مصريين.

ونجا روبنفيلد من الموت بأعجوبة بعدما وقع في أيدي السكان المحليين، الذين اعتقدوا أنه طيار مصري.

يوم 11 يونيو (حزيران) 1948، عقدت الأمم المتحدة هدنة. أعطى ذلك الإسرائيليين الوقت لتجميع خمس طائرات «أفيا S-199» إضافية، لتحل محل تلك الطائرات التي فقدوها.

شملت الطائرات الجديدة -وفقًا للتقرير- طائرتين من طراز P-51، وطائرتين من طراز B-17 المهربة عبر بورتوريكو. وأعقب ذلك مزيد من الاشتباكات الجوية، عندما انتهت الهدنة في وقت لاحق.

وسرعان ما أصبح واضحًا أن أكبر خطر على الطيارين الإسرائيليين لم يأت من مقاتلي العدو، ولكن من طائرات أفيا ذاتها.

قال التقرير إن الهبوط الضيق لطائرات «أفيا S-199» يجعل الطائرة غير مستقرة في حالة الهبوط، المشكلة التي عانت منها طائرات «مسرشميت بي إف 109» الأصلية. وسرعان ما أصبح أمرًا روتينيًّا بالنسبة للمزارعين اليمنيين المجاورين أن يقوموا بسحب طائرات «أفيا S-199»، التي انقلبت باستخدام أعمدة خشبية. وتفاقمت تلك الحوادث إلى الأسوأ مع الصعوبات التي واجهها الطيارون عند فتح المظلة، في حالة الهبوط الاضطراري من الطائرة.

كما ذكر التقرير أن معدلات الخدمة لطائرات «أفيا S-199» كانت بالغة السوء، ولم يكن هناك أكثر من أربع طائرات تباشر مهامها، من أصل 25 في نفس الوقت. لم تتمكن آليات المتطوعين من فك الأنظمة الهيدروليكية الصعبة في الطائرة، أو المحركات.

في 18 يوليو (تموز)، عقدت الأمم المتحدة الهدنة الثانية. ولم يكن لدى أحد من الطرفين أي نية جادة من المفاوضات، وبدلًا من ذلك قاما بعمليات تجنيد محموم، وإعادة التنظيم والتسليح على الرغم من الحظر المفروض على الأسلحة.

وفي 15 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد توفير الدعم  الأرضي لهجوم إسرائيلي مضاد، واجه قائد سرب طائرات «أفيا S-199»، «مردخاي ألون»، مشكلة في المحرك، بينما كان يحاول الهبوط ثانيةً.

تدفقت الأبخرة المتصاعدة من محركاتها، وانزلقت الطائرة فجأة نحو المدرج، واشتعلت فيها النيران. في حين كانت تشاهد زوجة «مردخاي ألون» الحامل الحادثة في حالة من الرعب.

تحطمت طائرتان أخريان من طراز أفيا أخرى أثناء محاولتهما الهبوط في نفس اليوم، وسقطت ثالثة بعد تعرضها لنيران مضادة للطائرات.

وايزمان رئيسًا

 

وأشار التقرير إلى أن القتال في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948 وصل إلى نهايته في مارس (آذار) 1949. وبعد ذلك بعام، قرر المفتشون الإسرائيليون عدم الاعتماد على الطائرات المتهالكة.

من بين 25 طائرة، فقدت خمس على الأقل نتيجة لنيران العدو، وتم تدمير ست لدى محاولتها الهبوط، فيما تهاوت ثلاث من هذه الطائرات لدى محاولتها القيام بعمليات إقلاع.

وأخيرًا، قال التقرير إن «عيزر وايزمان» ذهب إلى مزيدٍ من المجد كطيار. وفي السنوات الأخيرة من حياته أصبح قائدًا للقوات الجوية، ووزيرًا للدفاع، وأخيرًا، رئيسًا لإسرائيل في الفترة من عام 1993- 2000، حيث دافع بقوة عن عملية السلام مع السلطة الفلسطينية، ويمكن مشاهدة طائرته الآن في متحف سلاح الجو الإسرائيلي.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «ساسة بوست».

عرض التعليقات
تحميل المزيد